إنه يأخذ من فلوبير فكرة أن الرواية بناء دقيق، وأن الأسلوب ليس تعبيرًا عن الذات بل أداة للضبط والتنظيم. ويأخذ من فوكنر تفكك الزمن وتعدّد وجهات النظر، كضرورة لتمثيل عالم لا يمكن إدراكه من زاوية واحدة. إلا أن يوسا لا يكتفي باستعارة هذه الأدوات، بل إنه يعيد توجيهها نحو مشروعه الخاص. فهو يستخدمها لا كتقنيات منفصلة، بل لاختبار حدود الفهم نفسه، بحيث يصبح الشكل وسيلة لكشف عجز أي نظام- لغوي أو فكري- عن احتواء الواقع بالكامل. هكذا نرى أن روايات يوسا لا تُبنى على صراع بسيط، بل على تراكب أنظمة تفسير متعددة، كل منها يحاول فرض منطقه على عالم لا يستجيب له، كما في "حرب نهاية العالم"، حيث لا تُروى الحرب بوصفها مواجهة بين الدولة والتمرد، بل بوصفها تصادمًا بين تصورين كاملين للعالم. ليست الشخصيات هنا أفرادًا فقط، بل تحمل أنماطًا معرفية كاملة، يُختبر من خلالها ما يحدث حين يواجه الفكر واقعًا لا يستجيب لمحاولة إخضاعه لإطار واحد.
يتجلى ذلك بوضوح في شخصية غاليلو غال، الذي لا يُقدَّم كثوري فحسب، بل كصاحب نظام نظري يحاول تفسير العالم عبر مفاهيم مسبقة وإخضاعه لمنطق قابل للضبط. وليس غرضه من الذهاب إلى كانودوس أن يكون مراقبًا محايدًا، بل لأنه يرى فيها اقترابًا من تحقق مشروعه: جماعة تنفصل عن النظام القائم وتعيد تنظيم العالم خارج السلطة، ولكن وفق تصوّر نظري مسبق. غير أن ما يواجهه هناك لا يندرج ضمن هذا التصور. فالمرشد لا يمثل مرحلة أولية أو ناقصة من مشروع ثوري، بل يمثّل نمطًا آخر من الوجود لا يندرج ضمن مفاهيم غال ولا يستقر داخلها. ومن هنا ينشأ التوتر؛ فغال يرى ما يعرفه مسبقًا، بينما كانودوس تفلت من هذا الإسقاط وتقاوم أن تُفهم من خلاله. ونرى في غال تناقضًا آخر يبلغ ذروته في تلك اللحظة التي قد تبدو سقوطًا أخلاقيًا حين يعجز عن ضبط نفسه ويغتصب جوريما، زوجة الدليل. لا يظهر هذا الفعل داخل بنية الرواية كضعف فردي فقط، بل كخلخلة لنظام كامل كان يفترض إمكانية إخضاع الجسد للعقل، فيصبح هذا الفعل علامة على أن ما كان يظنه قابلًا للسيطرة ينفلت عند أول احتكاك حقيقي، فيسقط غال نظريًا بقدر ما يسقط أخلاقيًا. في مقابل ذلك، لا يحاول المرشد تفسير العالم، بل يعيش داخله وفق يقين لا يحتاج إلى اختبار، وهو ما يجعل المقارنة بينهما لا تقوم على صحة أحدهما وخطأ الآخر، بل على اختلاف العلاقة مع الواقع ذاته.
غال يسعى إلى الفهم، بينما لا يضع المرشد نفسه داخل أفق الفهم أصلًا، بل يؤسس فضاءً موازيًا لا يُقاس بما هو خارجه، بحيث تظهر كانودوس حيزًا ينفصل عن منطق الدولة والثورة معًا. ولذلك لا يمكن وصف فشلهما بأنه من نفس المستوى. ومن هنا، لا تعود حرب كانودوس مواجهة بين طرفين، بل شكلًا من سوء الفهم المتبادل، حيث يعجز كل طرف عن إدراك الآخر، لأن كلًا منهما يتحرك داخل نظام مغلق. ويغدو العنف نتيجة مباشرة لهذا العجز، لا قرارًا واعيًا أو استثناءً طارئًا، بل بنية متكررة داخل العالم الروائي. ومع ذلك، لا تُختزل الشخصيات في مواقعها الفكرية أو السياسية، إذ يكسر يوسا هذه الأنظمة من الداخل عبر تفاصيل تبدو هامشية لكنها تكشف بعدًا إنسانيًا لا يُستنفد تفسيره من خلالها. فالعلاقة بين باجو وجوريما لا تُكتب كتحول أخلاقي عند باجو، بل كإمكانية إنسانية داخل شخصية مشبعة بالعنف، بدون أن تُلغى قسوتها أو يُعاد تشكيلها بالكامل. وبالمثل، فإن العلاقة بين أبوت جواو وزوجته- التي كانت ناجية من إحدى فظاعاته- لا تمحو ماضيه العنيف ولا تبرره، بل تعقده، بحيث يستمر العنف بوصفه جزءًا من الشخصية إلى جانب قدرة على الارتباط العاطفي لا يمكن إنكارها.
وهكذا، لا تعمل هذه العلاقات على تلطيف العالم، بل على الكشف عن أنه لا يستقر في اتجاه واحد يمكن تثبيته. في هذه الرواية، تظهر إحدى أهم خصائص يوسا: فالمعرفة والثقافة التي يمتلكها لا تُعرض كثقافة جاهزة، بل تُدمج عضويًا في حركة الرواية نفسها من دون أن تبدو استعراضًا أو شيئًا مفروضًا من خارج، بحيث تتجلى في قرارات الشخصيات وأخطائها وتوتراتها، وفي تفاصيل الحرب والخطط الحربية وغيرها. وكل شخصية هنا تمثل نمطًا معرفيًا يُختبر داخل الفعل، وينكشف حدّه عند اصطدامه بالواقع، بدون أن يُقدَّم أي منها بوصفه الحقيقة النهائية.
ويمتد هذا النقص إلى السرد ذاته، فحتى القارئ ليس في موقع مريح للإحاطة الكاملة بالحدث، إذ يُبنى النص على تعدّد وجهات نظر لا تتشكل في صورة يمكن أن تستوعبها رؤية واحدة. ويتضح ذلك في الطريقة التي بُنيت بها شخصية الصحافي الذي يذهب إلى كانودوس لتوثيق الحدث، والذي يروي لاحقًا ما حدث رغم أنه لم يشهده بالكامل، فقد حُرم حتى من الرؤية المباشرة بعد كسر نظارتيه، في إشارة تقوض فكرة الشاهد الكامل، وتحول السرد إلى فعل إعادة بناء لا نقل مباشر. ويتعزز هذا المعنى في تفاصيل جسدية صغيرة ليست تافهة، فحركته المتوترة بين الجلوس على الكنبة والأرض تعكس عدم استقرار ما يُروى. ولا يقتصر التفكك على الأفراد، بل يمتد إلى البنية السياسية، حيث لا تظهر الدولة ككيان متماسك، بل كجهاز يحتاج إلى العدو بقدر ما يحاربه.
هذا المنطق نفسه يحكم "محادثة في الكاتدرائية"، حيث لا يكون الفساد حادثة أو حوادث، بل عملية تتشكل عبر تراكمات لا تبدو حاسمة في لحظتها. وينهار السؤال- متى فسد كل شيء- لأنه يفترض لحظة بداية، بينما ما يُعرض هو شبكة علاقات تتشكل تدريجيًا حتى تصبح غير مرئية. ولهذا لا يكون السرد خطيًا، بل قائمًا على تداخل الأزمنة والذاكرة، بما يجعل القارئ نفسه يشارك في إعادة بناء الزمن. هنا يظهر أثر فوكنر بشكل أوضح، لكن من دون أن يتحول إلى محاكاة؛ فالزمن لا يُكسر فقط، بل يُربط بالبنية الاجتماعية، بحيث يصبح التفكك الزمني مرتبطًا بتفكك الواقع نفسه.
وفي "حفلة التيس"، قد يبدو أن السلطة محددة في شخص الطاغية، لكنها في الحقيقة أكثر تعقيدًا. فلا ينحصر الطغيان في الحاكم فقط، بل في الطريقة التي يتوزع بها داخل المجتمع. ويصبح الخوف عادة ويتحوّل إلى جزء من الإدراك. وما تكشفه الرواية ليس كيفية فرض العنف، وإنما كيفية قبوله، وكيفية إعادة إنتاجه من الداخل.
وفي "حلم السلتي"- رغم أنها ليست من أفضل أعماله- يظهر يوسا معريًا الاستعمار، لا بوصفه حدثًا تاريخيًا فقط، بل كنظام يعمل عبر الشركات والإدارة واللغة التي تعيد صياغة العنف بحيث يصبح مقبولًا أو غير مرئي. وما يكشفه النص ليس فقط فظاعة ما حدث في الكونغو أو الأمازون، بل الشروط التي جعلت هذا العنف ممكنًا. وربما تكون هذه الرواية من أوضح ما يعبر عن يوسا بوصفه مثقفًا يرى العالم مجالًا للفحص والتدخل. فالمبدأ لا الموقف هو الثابت عنده؛ قد تتغير مواقفه، لكنها تصدر عن انحياز عام إلى الحرية ورفض للطغيان. وهذا ما يفسر توتر مواقفه، ومنها موقفه من القضية الفلسطينية، حيث عبّر عن نقد واضح للسياسات القمعية والاستعمارية- بدون أن يخرج عن إطاره الليبرالي العام- بعدما كان صديقًا لإسرائيل. وقد صرّح لاحقًا بأنه يشعر بالخزي من هذه الصداقة. وهنا يتجلى فهمه لدور المثقف: أن يعري الواقع، لا أن يبرره.
ولا يقتصر مشروع يوسا على السياسة فقط، بل يمتد إلى مناطق أكثر التباسًا، كالإيروتيكية. وهنا يغدو ضروريًا تمييزها عن الإباحية حيث الجسد غاية. فليس الجسد موضوعًا في "امتداح الخالة" و"دفاتر دون ريغوبيرتو"، بل لغة. والرغبة نظام يعيد تشكيل الواقع عبر الخيال، بحيث لا تنفصل عن الفن ولا عن الذاكرة، بل تدخل في شبكة تجعلها شكلًا من أشكال التفكير. ثمة ملمح مهم في كتابة يوسا يتمثل في تكرار بعض الشخصيات أو نماذجها عبر روايات مختلفة. فنرى شخصيتَي العريف ليتوما ودون ريغوبيرتو في أكثر من عمل. وليس ذلك جزءًا من مشروع توحيد سردي على غرار بلزاك، بل أداة وظيفية. فليتوما، بشخصيته العادية وكونه شرطيًا، قادر على التحرك بين عوالم مختلفة بوصفه شاهدًا يتيح للسرد اختراق الواقع من دون خطاب مباشر، بينما يمثل ريغوبيرتو بعدًا جماليًا يُعاد تأويله في سياقات مختلفة تمكنه من لعب دور فاعل اجتماعي مهم لبنية الرواية.
لا يبدو هذا كله معزولًا عن وعي يوسا نفسه بطبيعة الرواية، إذ يتكرر في "رسائل إلى روائي شاب" تأكيده أن العمل الروائي لا يقوم على نقل الواقع كما هو، بل على إعادة بنائه عبر ما يمكن فهمه بوصفه شكلًا من الكذب الفني، لا بهدف خداع القارئ، بل لكشف ما لا يظهر في الواقع مباشرة. ومن هذا المنظور، ليست الكتابة اختيارًا حرًا بالكامل، وإنما هي استجابة لما يفرض نفسه على الكاتب من موضوعات وتجارب يصعب تجاهلها، فتصبح الرواية أقرب إلى ضرورة داخلية منها إلى قرار واعٍ تمامًا. كما أن الزمن فيها ليس امتدادًا لما هو خارج النص، بل يُعاد تشكيله داخل بنية السرد، ويغدو الراوي نفسه عنصرًا من عناصر هذا البناء، لا مجرد وسيط محايد ينقل الوقائع. ولهذا، لا تعمل الرواية على تثبيت فهم جاهز للعالم بقدر ما تخلق علاقة أكثر توترًا معه، عبر بناء عالم متماسك في ذاته، يكشف، من خلال هذا التماسك نفسه، حدود الواقع الذي يستند إليه.
وبعدُ، ليست روايات ماريو فارغاس يوسا عن وقائع يمكن حصرها داخل إطار تاريخي أو سياسي محدد بقدر ما هي محاولات لفهم ما يحدث عندما يفلت الواقع من كل نظام يسعى إلى احتوائه، فهي ليست وسيلة لعرض حقيقة، بل فضاء تُختبر فيه الحقيقة نفسها. لا تستقر في صورة تمنح القارئ يقينًا نهائيًا، بل تجعله يواجه استحالته، مما يجعلها أقرب إلى بحث في حدود الفهم نفسه. لقد كان يوسا حلقة وصل بين الأدب والسياسة، وبين النقد الاجتماعي والخيال الفني، وصاحب مشروع روائي كشف تناقضات السلطة والاستبداد كما في "حفلة التيس" و"المدينة والكلاب"، وبهذا يغيب صوت جمع بين الالتزام السياسي والحرية الفنية، وبين الواقعية النقدية والتجريب الأسلوبي، ليترك فراغًا في الحوار بين الأدب والواقع.


تحميل المقال التالي...