}

"معاهد العلم في بيت المقدس": السيادة بالمعرفة

يوسف الشايب 28 أبريل 2026
استعادات "معاهد العلم في بيت المقدس": السيادة بالمعرفة
المدرسة الصلاحية في القرن التاسع عشر


لا تمثل مدينة القدس في الوجدان العربي والإسلامي مجرد حيّز جغرافي أو مزار ديني، بل هي تجسيد حي لذاكرة حضارية متصلة، تتقاطع فيها القداسة مع المعرفة، والعبادة مع التنوير. وفي خضم الصراع الوجودي الذي تعيشه المدينة، يبرز كتاب "معاهد العلم في بيت المقدس" للمؤرخ الراحل الدكتور كامل جميل العسلي، ليس فقط كمرجع تأريخي رصين، بل كوثيقة إثبات هوية، وجسر معرفي يربط حاضر المدينة المكلوم بماضيها الذهبي كحاضرة فكرية كبرى.

يأتي هذا العمل في طبعته الجديدة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بتقديم الدكتور نظمي الجعبة، ليعيد الاعتبار لزاوية قد يغفل عنها الكثيرون وسط ضجيج السياسة؛ وهي زاوية "القدس كمنارة للعلم"، فبينما كانت أوروبا تعيش في ظلمات العصور الوسطى، كانت أزقة القدس المحيطة بالمسجد الأقصى تعج بحلقات النقاش، وتزدحم بطلاب العلم الوافدين من أقاصي الأرض، وتزدهر فيها المدارس والزوايا والربط التي لم تكن مجرد مبانٍ حجرية، بل كانت مؤسسات أكاديمية متكاملة تُدار بأنظمة وقفية دقيقة.

إن قراءة هذا الكتاب في توقيته الراهن تُعد فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية. فالدكتور العسلي لا يسرد أسماء المدارس وتواريخ بنائها فحسب، بل يغوص في فلسفة التعليم الإسلامي، ويحلل النسيج الاجتماعي والعمراني للمدينة، مستنطقًا الحجر والوثيقة وسجلات المحكمة الشرعية، ليقدم لنا صورة بانورامية شاملة للحياة الفكرية في بيت المقدس عبر العصور، وخاصة في العصرين المملوكي والعثماني.

في هذه المراجعة، سنحاول الإحاطة بهذا الجهد الموسوعي، الذي انطلق برؤية نقدية قدمها د. نظمي الجعبة في تصديره للكتاب، وصولًا إلى تفكيك الفصول التي تتبع فيها المؤلف مسارات العلم من أروقة المسجد الأقصى إلى زوايا الصوفية ومدارس السلاطين، لنتبين في النهاية كيف صمدت هذه المعالم أمام عوادي الزمن.

كامل جميل العسلي 


وهنا يمكن القول إن دراسة المؤرخ العسلي لا تستمد قيمتها من مجرد كونها رصدًا تاريخيًا للمباني والمدارس، بل تنبع أهميتها من كونها مشروعًا استقصائيًا متكاملًا نجح في إعادة بناء المشهد الثقافي لمدينة القدس في لحظة تاريخية فارقة، فهذا الكتاب من أوائل الأعمال التي خرجت عن نمط الكتب الوصفية التقليدية للمقدسات، لتقدم دراسة مؤسساتية متخصصة.

تكمن براعة العسلي في قدرته الفائقة على الربط بين ثلاثة مسارات: المسار التاريخي (النشأة والتطور)، والمسار المعماري (توصيف البناء)، والمسار الاجتماعي (الوظيفة والأثر)، فاستخدامه المبكر والمكثف لسجلات المحكمة الشرعية والوقفيات أعطى للكتاب صفة المرجع، الذي لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن أوقاف القدس وتاريخها التعليمي.

وفي ظل محاولات الاحتلال الصهيوني المستمرة لتهويد الحيز المكاني في القدس واختلاق تاريخ موازٍ، يبرز كتاب العسلي كدرع معرفي، وهنا تكمن الأهمية في إثبات أن القدس لم تكن يومًا مدينة هامشية أو مجرد مزار ديني جامد، بل كانت مختبرًا فكريًا ومركزًا من مراكز الثقل الحضاري في العالم الإسلامي، تنافس في عطائها العلمي كبرى الحواضر كالقاهرة ودمشق وبغداد. والكتاب يمنح القارئ والباحث الحجة العلمية الدامغة على عمق الجذور العربية والإسلامية في كل زاوية من زوايا المدينة.

وتتجلى القيمة التوثيقية للكتاب في حديثه عن معاهد وعمارة لم تعد قائمة، أو تلك التي تغيرت معالمها بفعل الإهمال أو المصادرة، فقد استطاع العسلي عبر وصفه الدقيق وتتبعه للمخطوطات أن يستحضر تلك المعالم من ركام النسيان، ما يجعل كتابه خريطة جينية لمعالم المدينة، يمكن الاعتماد عليها في أي عمليات ترميم أو استعادة للحقوق التاريخية مستقبلًا.

وتكمن أهمية الكتاب أيضًا في بعده الوجداني؛ فهو يُؤنسن الأثر التاريخي ولا يتركه مجرد حجارة صماء. عندما يقرأ الباحث عن المدرسة الصلاحية أو التنكزية في كتاب العسلي، فهو يقرأ عن أرواح العلماء الذين مروا من هنا، وعن السجالات الفقهية التي دارت تحت هذه القباب، وعن دور هذه المعاهد في تشكيل الشخصية المقدسية المقاومة والواعية.

يفتتح الدكتور كامل العسلي رحلته المعرفية في الفصل الأول من كتابه بوضع تأصيل تاريخي معمق لنشأة المؤسسات التعليمية في الحضارة الإسلامية، حيث يتتبع التحول الجوهري من التعليم "المسجدي" الشامل إلى المدرسة ككيان أكاديمي متخصص، موضحًا أن المسجد كان هو النواة الأولى والمعهد الأم الذي انطلقت منه كافة العلوم؛ فلم يقتصر دوره على الشعائر الدينية، بل احتضن حلقات نقاشية شملت علوم اللغة والأدب والتاريخ، وحتى العلوم الطبيعية والطبية، مشكلًا بذلك فضاءً تعليميًا حرًا ومتاحًا للجميع بدون قيود مادية أو طبقية.

ينتقل العسلي في الفصل الثاني إلى قلب المدينة النابض، حيث يخصص هذا الجزء للاستفاضة في دور المسجد الأقصى المبارك بوصفه "معهد العلم الأكبر" في بيت المقدس، طارحًا رؤية تحليلية تجعل من المسجد الأقصى جامعة إسلامية متكاملة الأركان، سبقت في تنظيرها وعطائها كبرى المؤسسات الأكاديمية العالمية، حيث لم يكن الحرم القدسي مجرد مكان لإقامة الشعائر، بل كان فضاءً معرفيًا مفتوحًا تمارس فيه أرقى مستويات البحث العلمي والتدريس المنهجي عبر قرون طويلة.

وينتقل صاحب الكتاب في الفصل الثالث من حيز المعهد الأم (المسجد الأقصى) إلى فضاء المدينة الأشمل، ليقدم مسحًا شاملًا وخارطة طريق لمدارس بيت المقدس، واضعًا القارئ أمام مشهد عمراني وتاريخي مهيب، بحيث يبدأ هذا الفصل باستعراض إحصائي دقيق يكشف عن الطفرة التعليمية التي شهدتها القدس، خاصة في العصر المملوكي الذي يعتبره العصر الذهبي لعمارة المدارس، محصيًا ما يربو على تسع وستين مدرسة توزعت في محيط الحرم القدسي الشريف، ما جعل المدينة تتحول إلى مجمع أكاديمي متصل الأطراف، لا يفصل فيه بين المسكن والمدرسة إلا بضع خطوات.

ويدلف العسلي في الفصل الرابع إلى عمق التفاصيل التاريخية والمعمارية، حيث ينتقل من المسح العام إلى التشريح الدقيق لأهم المؤسسات التعليمية التي شكلت وجه القدس الحضاري، بحيث يركز في هذا الجزء على دراسة المدارس كحالات عينية مستقلة، مستنطقًا وثائقها ووقفياتها ليرسم لنا صورة حية لما كان يجري داخل جدرانها.

وتأتي "المدرسة الصلاحية" في طليعة هذا الفصل، حيث يسهب العسلي في شرح قيمتها الرمزية والعلمية الفائقة، كونها أول مدرسة أُسست بعد تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، وكيف تحولت من كنيسة إلى واحدة من أرقى الأكاديميات في العالم الإسلامي، لدرجة أن تولي مشيختها كان يتطلب مرسومًا سلطانيًا واحتفالًا رسميًا مهيبًا.

بوابة المدرسة التنكزية أوائل القرن العشرين/ باب القطانين


كما يعرج المؤلف في هذا الفصل على مصير هذه المدارس في العهود اللاحقة، متتبعًا بأسى كيف تحولت بعض هذه المنارات العلمية بفعل عوامل الزمن والسياسة إلى دور للسكن أو منشآت عامة، ما أدى إلى طمس الكثير من معالمها الوظيفية.

ومع ذلك، ينجح العسلي في إعادة إحياء ذكرى هذه المعاهد عبر توثيق أسماء المدرسين والعلماء الذين تخرجوا منها، مؤكدًا أن تاريخ القدس هو تاريخ علمائها، وبذلك يضعنا هذا الفصل أمام حقيقة دامغة؛ وهي أن قوة القدس ومنعتها لم تكن تستند إلى أسوارها العسكرية فحسب، بل كانت تستند بالأساس إلى هذه الحصون العلمية التي غذت العقل الجمعي ورفعت لواء المعرفة في وجه كل التحديات.

وينعطف العسلي في الفصل الخامس من كتابه نحو جانب روحي واجتماعي لا يقل أهمية عن المدارس الرسمية، وهو عالم الزوايا والربط والخوانق، ليرسم لنا ملامح المؤسسات التي احتضنت الحركة الصوفية في بيت المقدس، موضحًا أن هذه المنشآت لم تكن مجرد أماكن للعبادة المنعزلة أو "التكايا" لإيواء الدراويش، بل كانت معاهد علمية وتربوية من طراز خاص، لعبت دورًا محوريًا في صياغة الوجدان الشعبي المقدسي وتعزيز صمود المدينة عبر العصور، خاصة في الفترات التي شهدت اضطرابات سياسية.

كما يستعرض الفصل خريطة الطرق الصوفية التي اتخذت من القدس مقرًا لها، وكيف ساهمت هذه الطرق في إثراء الحياة الفكرية من خلال ممارسات تعليمية تعتمد على "التزكية" و"التربية" إلى جانب العلوم النقلية.

ويرصد المؤرخ المقدسي ببراعة كيف تداخلت وظائف هذه الزوايا مع النسيج العمراني للقدس، لتشكل ملاذًا آمنًا للغرباء ومراكز إشعاع ديني وأخلاقي، فالقيمة المضافة لهذا الفصل تكمن في كشفه عن الجانب الإنساني والروحي في منظومة العلم المقدسية، مؤكدًا أن القدس كانت جامعة مفتوحة لا تُغلق أبوابها أمام أحد، سواء كان طالب فقه أو كان سالكًا في طريق التصوف.

ويختتم العسلي كتابه بالفصل السادس، الذي يمثل خاتمة استشرافية تجمع شتات الأفكار وتضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بمستقبل هذه المعاهد وعلاقتها بالنهضة الحديثة، ففي هذا الفصل لا يكتفي المؤلف بالرصد التاريخي، بل يقدم قراءة نقدية للمرحلة الانتقالية التي عاشتها القدس مع دخول العصر الحديث، وكيف تآكلت تلك المنظومة التقليدية العريقة أمام صدمة الحداثة والتغيرات السياسية الكبرى.

في الختام، وإن كان الإسهاب واجبًا أمام هذا الجهد الموسوعي، يمكن الخلوص إلى أن كتاب "معاهد العلم في بيت المقدس" ليس مجرد كتاب للقراءة، بل هو مختبر للسيادة الثقافية، فهو يعلمنا أن الحفاظ على القدس يبدأ من معرفتها، وأن قوة الحجة التاريخية لا تقل أهمية عن قوة الحق السياسي، بحيث وضع العسلي، عبر هذا العمل، لبنة أساسية في صرح الدفاع عن عروبة القدس، محولًا البحث الأكاديمي إلى رسالة وطنية سامية تخاطب الأجيال المتعاقبة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.