}

سيرة التلفزيون الأردني في ذكرى تأسيسه

أحمد طمليه 29 أبريل 2026
استعادات سيرة التلفزيون الأردني في ذكرى تأسيسه
التلفزيون الأردني، 1968

تصادف يوم السابع والعشرين من الشهر الجاري نيسان/ أبريل، ذكرى تأسيس التلفزيون الأردني، إذ افتُتح في مثل هذا اليوم عام 1968.

عرفتُ التلفزيون أول مرة في مطلع السبعينيات، وكنت آنذاك طفلًا لم يدخل المدرسة بعد. أذكر أن جارنا "أبو يوسف" تمكّن من اقتناء أحد الأجهزة، وهو تلفزيون صغير (14 بوصة) أبيض وأسود. وما أسرع أن شاع الخبر في الحارة، حتى إذا جاء المساء المبكر اكتظّ بيت "أبو يوسف" بأعين الفضوليين الذين جاؤوا للتعرّف إلى هذا الجهاز الغريب.

أول نافذة على العالم

كان "أبو يوسف" سعيدًا بذلك، وإمعانًا في سعادته وتباهيه وضع الجهاز في حوش الدار، ليتسنى لأكبر عدد ممكن من الجيران مشاهدة جهازه. كنّا، نحن الأطفال، نجلس متلاصقين على الأرض، نتابع غبشًا على الشاشة، فيما يواصل هو طوال السهرة محاولة ضبط الصورة، بمعاونة ابنه الذي كان يقف على سطح الدار، وهو سطح من ألواح الزينكو، ويحرّك خشبة مُلصق عليها صحنان من الألمنيوم يمتدّ منهما سلك متصل بجهاز التلفزيون من الخلف. فإذا ما نجحت محاولات الابن في التوجيه، تتراءى أمامنا صورة تزيد من غبطتنا، بصرف النظر عن مدى وضوحها.

كانت أسرة "أبو يوسف" تمارس حياتها بشكل طبيعي؛ فهم يأكلون ويشربون، وأحيانًا ينامون، بينما نحن الجالسون على الأرض نحاول أن نكون أقلّ ضجيجًا. أذكر أن لديهم إبريق شاي كبيرًا في حالة غليان دائم، وكان طعام عشائهم يتكوّن غالبًا من زيت وزعتر. كانوا يدعوننا إلى العشاء، إلا أننا كنّا نمتنع، ونجلس في وضعيات توحي بأننا في غاية الانهماك بالمتابعة.

ويبدو أن فكرة الريادة استهوت أبا يوسف، فما هي إلا شهور حتى أتانا باختراع جديد، ألا وهو قطعة بلاستيك شفافة يضعها على الشاشة فتعكس لونًا أزرق، فيقول لنا إن تلفزيونه أصبح بالألوان!

كنّا في البدايات نُبحلق في الشاشة أكثر مما نتابع شيئًا ما؛ فليس المهم ما يُعرض، بقدر ما هو مهم أن نجلس أمام التلفزيون. وقد استمرت هذه الحال إلى أن زال غبش الصورة، وصارت هناك تلفزيونات في الحي، بما في ذلك بيتنا. عندها بدأنا نميّز بين البحلقة والمتابعة؛ فليس كل ما يُعرض يستدعي اهتمام الجميع. وإذا كانت الصورة المتحركة قد استوقفتنا نحن الصغار، فإن الكبار استوقفتهم نشرة الأخبار، التي كانت ثقيلة على من هم في سنّنا، لكونها تسبق المسلسل اليومي الذي ننتظره.

برامج الأمس: بساطة رغم الانتظار

كان التلفزيون الأردني آنذاك يعرض سلسلة مسلسلات أسبوعية في الساعة الثامنة والنصف مساءً؛ ففي كل مساء يُعرض مسلسل مختلف. فإذا كنت من متابعي مسلسل يوم الاثنين مثلًا، فعليك أن تنتظر أسبوعًا كاملًا لاستئناف متابعته. ومن منغّصات هذه الطريقة أن تنتهي الحلقة عند موقف حاسم، فنظل نتمنى أن تمرّ الأيام سريعًا حتى يحين موعد الحلقة التالية، لنعرف ما الذي سيجري.

ومن البرامج التي كانت تُبث على شاشة التلفزيون الأردني برنامج "ما يطلبه المشاهدون"، وهو برنامج يقدّم منوعات غنائية بناءً على طلبات من الجمهور، تُستعرض على شكل إهداءات. أما المأخذ فيكمن في طول تلك الإهداءات: من فلان إلى فلان... إلى فلان...، فيما ينتظر المشاهدون بفارغ الصبر بدء بث الأغنية. وفي أغلب الأحيان، كانت الأغنية تُقدَّم مبتورة لضيق الوقت، وقد شكّلت هذه الظاهرة مادةً للكتابة في الصحف آنذاك.

كان ينتابني إحساس بأن الأسماء التي كانت ترد ليست حقيقية، ولا وجود لأصحابها على أرض الواقع، وأنها تُذكر على لسان المذيعة للإيحاء بأن البرنامج جماهيري ويحظى بمتابعين.

إن علاقة المرء بالتلفزيون ترصد الكثير من معالم تطوّره، من خلال رصد التحوّل في اهتماماته؛ ففي البدء كانت تهمّه الصورة، ثم الصور المتحركة. ولا أدري لماذا، في سنّ معيّنة، تستهوينا الرسوم المتحركة أكثر من الأعمال التي يؤديها بشر من لحم ودم؟ هل لأن الشخصيات الكرتونية تمتلك قدرات خارقة تفوق البشر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نتوقف عند هذه الظاهرة: ظاهرة بحث الطفل عن قوى تتجاوز واقعه، وكيف يبدأ بالتنازل عن هذا الطموح كلما تقدّم به العمر، حتى إذا تفتّح وعيه، رضخ لمتابعة ما يمليه الواقع، متنازلًا عن قصوره التي بناها في الهواء، وخاضعًا، رغمًا عنه، لمتابعة نشرة الأخبار.


دخول الفضائيات: وفرة تُربك الذائقة

عمومًا، ليس هذا بيت القصيد. فالرجوع إلى أيام زمان ليس إلا محاولة للمقارنة بما آلت إليه العلاقة مع التلفزيون. فعلى الرغم من التحولات التي طرأت عليه، ودخول الفضائيات، ظلّ التلفزيون ركنًا أساسيًا في البيت؛ فما ندر أن تدخل بيتًا ولا تجد التلفزيون متصدرًا غرفة الجلوس، مستقطبًا الأنظار، سواء للمتابعة أو لمجرد تمضية الوقت.

غير أن هذه العلاقة لم تبقَ على براءتها؛ إذ دخلت إلى فضاء الإعلام برامج يصعب تصنيفها، منها ما يبدو تثقيفيًا أو ترفيهيًا، لكنه موجّه، عن سبق إصرار، لتشكيل رأي أو انطباع لدى الجمهور.

ما بين الأمس واليوم، نلحظ أن ثمة برامج راحت تفرض شروطها على الجمهور؛ فلم تعد الأغنية برونقها المألوف مقبولة، ولا الدراما بعمقها المعهود مستساغة. بات واضحًا أن هناك أعمالًا مسلوقة، وأن رأس المال يعبث بالشاشة الصغيرة. فثمّة برامج تمنح المشارِك فرصة الفوز بمليون، في مقابل الإجابة عن سؤال، بعد أن يستعين بصديق، وتُقدَّم له تسهيلات تكاد تضع الإجابة على طرف لسانه، ومع ذلك يتلعثم في النطق بها.

وثمّة برامج أخرى تمنح الشهرة والنجومية لمن يفوز، حتى لو كانت الأغنية تفتقر إلى الحد الأدنى من الإبداع، مكتفية بحصد أعلى نسب تصويت، بعيدًا عن المعايير الفنية. والأنكى من ذلك حال المشاهدين الذين يتحولون إلى متلقين منبهرين، تسرقهم الإضاءة واللقطات السريعة، من دون أن تتيح لهم فرصة التأمل أو التقييم.

زمان كنّا نُبحلق في الشاشة دهشة، واليوم نُبحلق فيها بلاهة… وشتّان ما بين الأمرين.

بيت واحد… جهاز واحد… معركة يومية!

يمكن القول إن عددًا كبيرًا من الأسر الأردنية يمتلك تلفزيونًا واحدًا، يتصدّر عادةً غرفة الجلوس، ويكون محطّ الأنظار في المساء، وهو وسيلة الترفيه الأبرز لأفراد الأسرة.

ومن المعروف أن متوسط عدد أفراد الأسرة الأردنية يتراوح، في الغالب، بين أربعة وثمانية، ولكلّ فرد ميوله واهتماماته الخاصة التي تمليها ثقافته ووعيه؛ فهناك الأطفال الذين يتلهّفون على برامج الرسوم المتحركة، والشباب في مقتبل العمر الذين يميلون إلى البرامج الخفيفة، والكبار الذين يفضّلون البرامج الجادّة.

رغبات عديدة في بيت واحد، وتحت سقف واحد، وأمام جهاز تلفزيون واحد. وممّا يزيد من تزاحم هذه الرغبات وتصادمها أنه، مع تعدّد القنوات الفضائية، لم تعد هناك أوقات محدّدة للبرامج؛ فقد يُبثّ برنامج جاد في المساء المبكر، وبرنامج رسوم متحركة في وقت متأخر، فيما تستمر البرامج الخفيفة على مدار الساعة. وهكذا، يستطيع الطفل أن يشاهد برنامجه المفضل متى يشاء، غير أن هذا الوقت ليس له وحده؛ فثمة آخرون يتوقون لمتابعة برامجهم في اللحظة ذاتها.


تنازلات عائلية ومفارقات طريفة

إنها أزمة من نوع خاص يعيشها أفراد الأسرة تحت سقف واحد، وأمام جهاز واحد؛ أزمة تتخللها تنازلات تفضي إلى مفارقات. فقد تتنازل ربّة البيت عن مسلسلها المفضل ليشاهد زوجها نشرة الأخبار، وقد يلجأ الأطفال إلى الصمت إذا لم يجدوا لأنفسهم موطئ قدم أمام الشاشة.

ولأن التلفزيون وسيلة لقضاء الوقت، لا للإفادة والترفيه فحسب، ولأن بدائل التسلية محدودة، فلا مفرّ من جلوس الجميع مساءً أمامه، رغم تناقض الرغبات. وفي خضمّ هذه التنازلات تنشأ مفارقات لافتة؛ فقد ترى رجلًا وقورًا يتابع الرسوم المتحركة، وما يبدو في ظاهره إفساحًا للأطفال يتحوّل إلى تورّط حقيقي في المشاهدة. مشهد طريف: رجل في كامل رصانته يتابع، على مضض، مغامرات سندباد وعلي بابا، بإرشادات من الطائر "ياسمينة".

وفي السياق نفسه، قد تجد ربّة البيت، غير المتابعة للشأن السياسي، منخرطة في برنامج يناقش قضية ثقافية في منتهى الأهمية، مجاراةً لرغبة زوجها؛ فتغدو حائرة أمام سيل من المعلومات، وتبدأ بطرح الأسئلة بعفوية، لتُتاح للزوج فرصة الاستعراض والتحليل، وتقديم آراء قد لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

ومن المفارقات أيضًا، حين يحضر الضيوف مساءً، ولا يكون من خيار سوى الجلوس في غرفة التلفزيون. وقد تصادف حينها أن تكون القناة على أغنية خفيفة؛ تخيّلوا حوارًا جادًا على إيقاع أغنية "نص نص"! والأشدّ حرجًا عندما يكون المعروض فيلمًا أجنبيًا جريئًا؛ فتتجنّب العيون النظر إلى الشاشة، إلا عيون الأطفال التي تواصل التحديق بدهشة في مشهد عاطفي حميم.

في بيت واحد، وتحت سقف واحد، تلفزيون واحد ورغبات متباينة؛ معركة يومية قد تبلغ حدّ توتر الأعصاب، فكلّ فرد يحاول فرض ما يريد مشاهدته. وقد تدخل بيتًا فتجد المسلسلات تتوالى، وشخصًا واحدًا يتابع، فيما يلوذ الباقون بالصمت. وقد تفرض فتاة مراهقة الأغاني المصوّرة، أو يحتدم شجار عائلي بدون أن تتوقف الموسيقى التي تدعو إلى الرقص!

لا أبالغ فيما أسرد؛ فأنا شخصيًا، حين أدخل البيت، أبحث بنظري عن "صغيرتي ريف"، خشية أن يضطرني وجودها أمام التلفزيون إلى متابعة فأرٍ ماكر يواصل تدبير المكائد لقطٍّ ساذج يقع في الفخّ كل مرة!

شاشة التلفزيون تنمو، وتمرّ في المراحل العمرية كافة: من الحضانة، إلى الطفولة، فالمراهقة، فالشباب، وصولًا إلى الرصانة والوقار. وهذا النموّ يتصل اتصالًا مباشرًا بوعي المشاهد؛ فالمشاهد الطفل لا يرى إلا "التلفزيون الطفل"، بما فيه من فرح ولهو ومغامرات مجسّدة في أفلام كرتونية، صُنعت لتبهر أعيننا الصغيرة وتغذّي خيالنا.

ألا نلاحظ أننا نهوى التحليق في سنواتنا الأولى، كأننا نظنّ أن الحياة تحليق؟ لذلك نُكثر من تحريك أيدينا كأنها أجنحة. لكننا، حين نكبر، نستميت في التشبّث بالأرض.

ومع نموّ وعي المشاهد، ينمو التلفزيون معه؛ فما إن يصبح المشاهد فتيًا حتى تنقلب الشاشة على طفولته، فتزدحم بعوالم الحركة والمغامرة والفنون القتالية. وفي مرحلة المراهقة، ومع تلمّس البدايات الأولى للعاطفة، تخفت الإضاءة، ويعلو الهمس على الشاشات؛ فتغدو الشاشة، بالنسبة للمراهق، مشبعة بالمشاهد العاطفية والانفعالات الجيّاشة. ثم ينضج المشاهد قليلًا، فيميل إلى الأفلام الرومانسية، حيث الحب العذري، وتقديس المشاعر، والنهايات المفتوحة أو المأساوية. ويكبر أكثر، فتتجه اهتماماته إلى برامج تناقش قضايا أعمق في النفس والحياة، وأفلام تتوغّل في أسئلة الوجود.

ويمضي المشاهد والشاشة في نموّهما، لكنهما لا يبلغان الشيخوخة؛ فالجسد وحده يشيخ، أما الوعي فيظلّ متقدًا. وكذلك الشاشة، حين ترتكز على الوعي، تغدو فضاءً مفتوحًا للفكرة والتأويل، حيث يكون الصمت بليغًا، والحوار موجزًا، والحياة كامنة في التفاصيل.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.