تعدّ السلحفاة كائنًا مراوغًا في الثقافة الإنسانية؛ فهي وإن كانت مجرد زاحف، لكنّها في الوقت نفسه أُطروحة أسطورية أخلاقية فلسفية فيزيائية ثقافية تمشي على أربع. وهي على الرغم من أنّها الكائن الذي اختار الانسحاب إلى داخل قوقعته في أكثر الأحيان، إلّا أنّها تصنع من ظهرها سقفًا للعالم، ومن بطئها تحديًا لمفهوم السرعة، ومن سكونها ثباتًا في مواجهة الفوضى. إنّ السلحفاة تأخذ هيئة الكوكب الذي تعيش عليه، فقوقعتها تحاكي جبال الأرض، وبطنها يمتدّ كسهولها، وعمرها يفوق ذاكرة أجيال عديدة من البشرية.
في البدء، لم تكن السلحفاة تمشي فوق الأرض، وذلك لأنّها كانت الأرض ذاتها. تسرد الميثولوجيا الهندية كيف تجلّى الإله "فيشنو" في هيئة "كورما/Kurma"، أي السلحفاة العظيمة التي غاصت في قاع "المحيط البدئي/اللبن"، لتكون القاعدة الصلبة التي استند إليها جبل "ماندارا". وتكمن وظيفة هذا الجبل بأنّه أشبه بالعصا التي يُخضّ بها اللبن لاستخلاص زبدته، أي إكسير الحياة؛ فخضّ اللبن استعارة للمخاض الكوني الذي وُلدت منه الحياة. والخضّ هو الصراع بين الأضداد، الآلهة والشياطين، فالسلحفاة هي مركز الثبات في هذا المحيط البدئي، الذي لولاه لغرق الوجود في الفوضى. فعندما بدأ الجبل/ المحور بالغرق نحو قاع المحيط اللامتناهي بسبب ثقل عملية الخضّ وعنف الصراع بين الآلهة والشياطين وتجاذبها المتبادل، اتّخذ الإله فيشنو هيئة سلحفاة ضخمة ونزل إلى الأعماق ليثبّت الجبل فوق قوقعة السلحفاة. تتكرّر هذه الصورة في أساطير الشعوب الهندية الحمراء في أميركا الشمالية، حيث كان الهنود يعتقدون بأنّ قارتهم هي جزيرة السلحفاة. تقول الأسطورة الهندية إنّه عندما سقطت "امرأة السماء" نحو المياه الأزلية، تطوّعت السلحفاة لتحملها على ظهرها، ثم قام الغوّاصون في المياه من الحيوانات الأخرى باستجلاب الطين من الأعماق ووضعه فوق قوقعتها لتشكِّل اليابسة. إنّ السلحفاة في اعتقاد الهنود الحمر هي الأم الأولى والأساس المادي الذي يمنع الوجود من الغرق في العدم المائي. أمّا في الفكر الصيني القديم، فقد كانت السلحفاة نموذجًا مصغّرًا للكون بأسره؛ فقوقعتها المقوّسة هي القبة السماوية، وبطنها المنبسط هو الأرض، أي أنّها تمثيل اليانغ واليين/الذكر والأنثى، وبين السقف السماوي والأرض وُلدت الحياة. هذا من جهة، أمّا الجهة الثانية فهي تمثّل وسيطًا بين السماء والأرض، لذلك كانت قواقعها تُستخدم في العرافة، حيث كان الكهنة يقرأون الشقوق الناتجة عن تعريض القوقعة للنار كرسائل مشفّرة من الأجداد. ولقد ذهبوا في اعتقاداتهم إلى أنّ الرسوم والخطوط على ظهر قوقعة السلحفاة بمثابة الإلهام الأولي للكتابة الصينية.
السلحفاة المفارقة الدائمة
قبل أن نتنمّر على سرعة النت السيئة في زمننا السريع بأنّها ببطء السلحفاة، كانت في الماضي تهزم الأرانب والفلاسفة والساسة في السباقات الرياضية والمجادلات السياسية والحجج الفلسفية. تعود قصة السباق الشهيرة بين السلحفاة والأرنب إلى الحكيم اليوناني إيسوب، والتي تعدّ أمثولة عن الإرادة والمثابرة والاجتهاد. قصّ إيسوب عن تحدٍّ جرى بين السلحفاة والأرنب أيّهما أسرع، فانتهى السباق إلى فوز السلحفاة. كان إيسوب العبد من ذوي الإعاقة، واستطاع أن ينتزع حريته بسبب فكره وحكمته ذات الطبيعة النقدية الاجتماعية السياسية في مجتمع يقدّس السلطة والقوة، ومع ذلك لم يكن أمامه إلّا أن يلجأ إلى الأنسنة، لأنّه إذا تكلّم بالحقيقة مباشرة فلن يأمن العواقب. في ذلك الزمن كانت الألعاب الأولمبية 776 ق. م قد بدأت، وأصبح اليونانيون يمجّدون الأبطال الخارقين والكمال الجسدي، فجاءت أمثولته لتنقض هذا التمجيد الفارغ. وإذا حلّلنا عناصر أمثولته، نجد أنّ الأرنب يمثّل الطبقة اليونانية الأرستقراطية التي وُلدت بنفوذ وثروة، لكنّها كانت متغطرسة، بينما عبّرت السلحفاة عن عامة الشعب أو الإنسان البسيط الذي لا يملك غير صبره وعمله. وهنا أراد إيسوب أن يذكّر اليونانيين بفلسفة الوسط الذهبي التي تجلّت بوضوح مع أرسطو بالفضيلة؛ فالأرنب - رجال السلطة وأبطال الأولمبياد - يجسّد التطرّف، بينما السلحفاة باعتدالها واستمرارها تمثّل مرآة للفضيلة الأخلاقية. لكن ما الحلّ مع مجتمع أصبح مدمنًا على الأقوياء والأبطال حتى أنّه رفعهم إلى مصافي الآلهة، فيما أسقط البقية في الحضيض؟ هنا يطرح إيسوب بطولة بديلة لا تحتاج إلى سيقان سريعة كالريح، ولا إلى كمال جسدي كالآلهة، بل إلى الإرادة والعزيمة. فالسلحفاة، على الرغم من تنميطها ضمن صفات البطء والعجز والثبات كأكثر عامة الشعب، إلّا أنّها هزمت الأرنب بسبب إرادتها وإصرارها، فليس هناك لأحد حجّة بالاستسلام بعد ذلك. وفي نهاية قصة إيسوب نستطيع أن نقول إنّه هو السلحفاة التي هزمت الأرنب اليوناني، لذلك ليس غريبًا أن تنتهي حياة إيسوب بالقتل على يد رجال السلطة في مدينته.
| |
| في نهاية قصة إيسوب نستطيع أن نقول إنّه هو السلحفاة التي هزمت الأرنب اليوناني، لذلك ليس غريبًا أن تنتهي حياة إيسوب بالقتل على يد رجال السلطة في مدينته |
على ما يبدو أنّ قصة إيسوب قد وجدت صدى لدى الفيلسوف زينون الإيلي (490-430 ق. م)، فأعاد صياغتها، لا لتهزم الأرنب، بل أخيل، فارس فرسان اليونان والأسرع من السهم ورمية الرمح وضربة السيف، فقال إنّه لو تسابقت السلحفاة مع أخيل على شرط أن يمنحها عدّة أمتار تقدمًا عنه، فلن يلحق بها أبدًا. لكن قبل أن نفكّك مفارقة زينون التي انتظرت حتى اكتشاف الفيزياء الكمومية لحلّها، من الضرورة أن نعرف لماذا أوجد زينون هذه المفارقة العجيبة. بدأ الفلاسفة الطبيعيون كطاليس وأناكسيماندر بالبحث عن أصل للكون لا يقوم على الآلهة كزيوس أو بوسيدون، فاقترحا أصولًا أخرى كالماء أو النار، حتى أنّ كزينوفانيس قال إنّ البشر صنعوا آلهة على صورتهم، ولو قُدِّر للحيوانات أن تفعل بالمثل لصنعت آلهة على مثال صورتها، فاقترح بدلًا من ذلك إلهًا واحدًا لا يشبه البشر وهو ثابت لا يتحرّك. وما قصده كزينوفانيس أنّ هذا الإله لو كان متحرّكًا لأصابه التبدّل والتغيّر، فيصبح كحال مقولة هيراقليتس عن أنّ الإنسان لا يستطيع الاستحمام بماء النهر مرتين؛ وهذا يعني أنّه لا يوجد يقين ولا حقيقة ثابتة. طوّر بارمنيدس فكرة كزينوفانيس وقدّم فكرة الإله الواحد وفق مبدأ: "الوجود موجود والعدم غير موجود"، وأنّ الكون لا يتحرّك بل هو ثابت، فلو كان يتحرّك لأصابه العدم، لأنّ التحرّك دليل نقصان، والناقص مصيره العدم. ولقد نتج عن طرح بارمنيدس أنّ الحركة أصبحت وهمًا، أي أنّ الحواس تخدع العقل. ردّ الفلاسفة الطبيعيون بأنّ الحركة موجودة وليست خداعًا من قبل الحواس، حتى أنّ ديوجين الكلبي عندما سمع بنظرية ثبات الكون وأنّ الحركة وهم عند بارمنيدس لم ينطق بكلمة ردًّا على هلوساته، وإنّما استقام من جلسته وبدأ يمشي ذهابًا وإيابًا، وكأنّه يقول إنّ بارمنيدس أحمق؛ فالحركة ليست رأيًا فلسفيًا بل تطبيقًا واقعيًا وحقيقيًا لحقيقة الكون. كان خوف بارمنيدس يكمن في أنّ فكرة التغيير والحركة التي تشمل كل شيء ستؤدي إلى ضياع الحقيقة والمعنى؛ ألم يقل هيراقليتس إنّ الإنسان مقياس كل شيء، وبالتالي تصبح الحقيقة المتعالية نسبية؟ احتدم النقاش بين الفلاسفة، فتصدّى للفلاسفة الطبيعيين زينون الإيلي، الذي كان تلميذ بارمنيدس ويقال إنّه تبنّاه، وأكّد على فكرة معلّمه بأنّ الحركة وهم وخداع حواس، فيما الكون ثابت لا يتحرّك. وعندئذ قدّم لمعارضي أستاذه مفارقة السلحفاة وأخيل، وقال: بما أنّ الكون متحرّك كما تقولون وليس ثابتًا، فبإمكاننا تقسيم المسافة التي بين السلحفاة وأخيل إلى ما لا نهاية. فما إن يبدأ السباق، فعلى أخيل أن يقطع نصف المسافة بينه وبين السلحفاة ابتداءً؛ فلو افترضنا أنّ المسافة بينه وبينها ثمانية أمتار، سيقطع أربعة أمتار، لكن قبلًا سيقطع نصف نصف المسافة، أي مترين، ومن ثم نصف نصف نصف المسافة، وهكذا. فمهما كان الجزء المتبقي صغيرًا، فهو قابل للقسمة، وذلك لأنّكم افترضتم أنّ الكون متحرّك، وبالطبع النتيجة غير معقولة، فلن يستطيع أخيل أن يلحق بالسلحفاة أبدًا.
لم يكتفِ زينون بهذه المفارقة، وإنّما وضع مفارقتين أخريين على نفس المنوال؛ الأولى أنّ السهم لا يتحرّك، فما دام يشغل مكانًا في لحظة معينة فهو إذًا ثابت. أمّا الثانية فكانت لاعب السباق، فهو لا يستطيع أن يتحرّك عن خط البداية، ما دامت خطوته الأولى ستكون جزءًا من جزء ومن جزء إلى ما لا نهاية من المسافة المراد قطعها؛ فدومًا هناك جزء يجب قطعه في البداية، وهذا الجزء سينقسم إلى جزء أصغر يجب قطعه، وهكذا دواليك، وكل ذلك ليثبت أنّ الكون ثابت والحركة وهم. ظلّت هذه المفارقة تقلق عقول الفلاسفة والعلماء حتى جاء العالم ماكس بلانك (1858-1947م) وقال إنّ هناك ثابتًا كموميًا لا ينقسم، أي أنّ الكون في أصغر أجزائه غير قابل للانقسام، وبالتالي سيستطيع أخيل أن يهزم السلحفاة في النهاية. (لقد بدأت السلحفاة تتأفّف من هذا الشرح، فمن هذا البلانك الذي سيسرق منها فوزها الأسطوري على أخيل؟).
برج السلاحف
افتتح الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ كتابه "تاريخ موجز للزمن" بقصة "برج السلاحف" ليبرهن على أنّ نماذجنا العلمية عن الكون، بالرغم من تعقيدها الرياضي، قد لا تختلف في جوهرها عن "برج السلاحف"، وهو يشير إلى أنّ كل نظرية علمية أو حقيقة فلسفية تحتاج إلى أساس تستند إليه، ولكن هذا الأساس نفسه يحتاج إلى أساس آخر ليدعمه، وهكذا ندخل في دوامة الارتداد اللانهائي للحجج؛ فكل حجّة تقود إلى أخرى، وهكذا. روى هوكينغ أنّ عالمًا، يُقال إنّه برتراند راسل، كان يلقي محاضرة عن الفلك، فشرح كيف أنّ الأرض تدور حول الشمس، والشمس تدور حول مركز المجرّة. في نهاية المحاضرة وقفت سيدة عجوز وقالت: "كل ما تقوله هراء، فالأرض هي مركز الكون وهي مسطّحة وتستند إلى ظهر سلحفاة عملاقة". فسألها العالم بابتسامة: "وعلى ماذا تقف هذه السلحفاة؟". أجابت العجوز: "أنت ذكي جدًا أيها الشاب، لكنّها سلاحف مستمرة إلى الأسفل... إلى ما لا نهاية!". إنّ هوكينغ بذكره هذه القصة يضع معضلة "التسلسل اللانهائي/Infinite Regress" على المحك، والتي تقول إنّ هناك قانونًا يفسّر قانونًا آخر، وهكذا دواليك. وما يراه هوكينغ أنّ هذا النمط من التفسير العلمي يشبه قول العجوز بأنّ سلحفاة تدعم سلحفاة، ثم سلحفاة تدعم سلحفاة، وهكذا إلى ما لا نهاية. وهذا النمط من التفسير يشبه سلحفاة زينون؛ فالتقسيم المستمر إلى ما لا نهاية منع أخيل من أن يتجاوز السلحفاة حتى جاء ثابت بلانك. وهوكينغ يريد هدم برج السلاحف بإيجاد قانون يفسّر كل شيء أسماه: "نظرية كل شيء".
| |
| إنّ السلحفاة عند شتاينبك في روايته "عناقيد الغضب" هي تمثيل للطبقة العاملة التي تتعرّض للدهس والضرب، لكنّها تواصل الزحف حاملة في داخلها إرادة الحياة |
تشبه قصة هوكينغ مقالًا كتبه عالم الرياضيات لويس كارول، صاحب "أليس في بلاد العجائب"، فقد تخيّل أنّ أخيل قد هزم السلحفاة، لكن السلحفاة لم تستسلم للهزيمة، فبدأت بطرح قضايا منطقية عليه، وما إن يجيب أخيل بمنطق على القضية المطروحة، حتى تطلب السلحفاة برهانًا جديدًا، وهكذا. لقد كان لويس كارول ينتقد المنطق في زمانه بأنّه منطق صوري لا يقدّم إلّا جوابًا بلاغيًا أكثر منه رياضيًا. بالنسبة لكارول أصبح منطق السلحفاة جدالًا قديمًا؛ ففي "أليس في بلاد العجائب" يعود كارول إلى السلحفاة عبر شخصية تُسمّى "السلحفاة الزائفة/The Mock Turtle"، وكأنّه يقول: المنطق الزائف. في العصر الفيكتوري كان هناك حساء شهير يُسمّى "Mock Turtle Soup/حساء السلحفاة الزائف"، وهو حساء يُصنع من لحم العجل ليقلّد طعم حساء السلحفاة الحقيقي الغالي الثمن، حتى أنّ الرسّام جون تينيل، رسّام قصة "أليس في بلاد العجائب"، وبناءً على طلب كارول، رسم السلحفاة برأس عجل وأرجل عجل وذيله. والمعنى الفلسفي الذي طرحه كارول كان سؤالًا عن هوية المنطق: فهل السلحفاة/ المنطق هي ما نراه وما نختبره، أم أنّ السلحفاة/ المنطق مجرد اسم نطلقه عليها؟ إنّ السلحفاة - المنطق - تعيش أزمة وجودية؛ فهي زائفة لأنّ اسمها مستمد من حساء يقلّدها، وليس من كينونتها الحقيقية. والمعنى من ذلك أنّ المنطق القديم للفلسفة لم يعد يصلح لزمننا. ويتابع كارول نقده، فتحكي السلحفاة لأليس عن مدرستها تحت البحر، حيث كان المعلّم يُدعى "السلحفاة/Tortoise". وعندما تسأل أليس: لماذا تسمّونه السلحفاة وهو ليس كذلك؟ تجيب السلحفاة: لأنّه كان "يدرسنا/Taught us!". إنّ هذا التلاعب اللفظي بين "Tortoise" و"Taught us" يعكس رؤية كارول للتعليم كعملية بطيئة، ثقيلة، ومنفصلة عن الواقع، تمامًا كحركة السلحفاة. لقد انتهى زمن مفارقات السلحفاة التي كانت تلهب أدمغة الفلاسفة والعلماء، لذلك تظهر السلحفاة عند كارول وهي تبكي باستمرار، متذكّرة الأيام الخوالي عندما كانت سلحفاة فلسفية حقيقية قادرة على هزيمة أخيل.
لكن على ما يبدو، ليس الجميع موافقًا على مضي زمن السلحفاة؛ فالفيلسوف والتر بنيامين، الذي انتهى منتحرًا، كان قد تنبّه إلى مضار زمن السرعة الذي نعيشه في القرن العشرين، فطرح حلًا لكي لا يجرفنا تيار السرعة اللامتناهي، وقال بالمقاومة بالبطء، مستمدًا هذه الفلسفة من السلحفاة التي تمشي ببطء شديد أقرب إلى الثبات. وللحقيقة درج في القرن الثامن عشر أسلوب حياة يُسمّى "المتسكّع"، احتجاجًا على سرعة الزمن والدخول في عصر المكننة والخوف من أن يتحوّل الإنسان إلى مجرد مسنّن في آلة الصناعة الكبيرة. وقد حدث ذلك في باريس، المدينة العالمية، حيث كان يتسكّع عدد من المثقفين في أروقة باريس مع سلحفاة مربوطة بخيط إلى أيديهم، يمشون على منوال مشيتها ببطء شديد احتجاجًا على عصر السرعة. ذهب ذلك الاحتجاج إلى غير رجعة، وأصبح بطء السلحفاة شتيمة في العالم الغربي. ونستطيع أن نتبيّن الفروق الفلسفية بين الغرب والشرق من خلال سلسلتي أفلام صور متحركة؛ فالأولى هي "سلاحف النينجا"، حيث نتعرّف على أربع سلاحف لها من سرعة الأرانب الكثير. وفي المقلب الآخر، حيث فلسفة الزن، نجد "كونغ فو باندا". ففي هذه السلسلة نجد أنّ معلّم معبد "شاولين" ما هو إلّا سلحفاة، وعلى الرغم من بطئها الشديد وعمرها المديد، لكنّها قوية كالسلحفاة الهندية "كورما". ومع ذلك ليس الغرب كلّه كسلاحف النينجا؛ فهناك سلحفاة جون شتاينبك في روايته "عناقيد الغضب"، التي مُنعت من التداول في أميركا، فقد خصّص شتاينبك فصلًا يصف فيه كيف عبرت سلحفاة الطريق المعبّد بالأسفلت، وكيف نجت من السيارات واستطاعت العبور إلى الجانب الآخر. إنّ السلحفاة عند شتاينبك هي تمثيل للطبقة العاملة التي تتعرّض للدهس والضرب، لكنّها تواصل الزحف حاملة في داخلها إرادة الحياة.
في مديح السلحفاة
نستطيع أن نقول في نهاية هذا المقال إنّ السلحفاة هي احتجاج بيولوجي/ ثقافي ضد ثقافة السرعة والزيف؛ فهي الكائن الذي أثبت أنّ الحجم الصغير ليس عائقًا، وأنّ البطء ليس عجزًا، بل هو نمط من أنماط الوجود الذي يمنح الأولوية للداخل على الخارج، وللثبات على التحوّل الزائف. إنّها الكائن الذي يحمل بيته فوق ظهره، ملغيًا بذلك المسافة بين الذات والمسكن، وبين الرحيل والاستقرار. في عالم يلهث خلف اللحظة، تظل السلحفاة تذكّرنا بأنّ الزمن ليس مجرد توالٍ للثواني، وإنّما هو تراكم للذاكرة فوق القشرة الصلدة للحياة، وأنّ الحكمة لا تكمن في سرعة الوصول، بل في القدرة على تحمّل وعثاء الطريق بدون أن نفقد درعنا الخارجي وثباتنا الداخلي. إنّ السلحفاة هي الفيلسوف الصامت الذي يعلّمنا أنّ العالم، بالرغم من اضطرابه، ما زال مستندًا إلى ظهر صلب مقوّس، يعرف تمامًا متى يتقوقع، ومتى يمدّ رأسه ليستشرف آفاق الأبدية.
*كاتب من سورية.


تحميل المقال التالي...