}

الرواية كجنس ينتمي إلى المخيلة

راسم المدهون 8 أبريل 2026


في عادة الأدب الروائي وتقاليده، تتبّع الرواية زمنًا أو مدى زمنيًا قد يقارب الحدث أو حتى المشاعر الداخلية، لكنها في الحالتين تقرأ تاريخًا من التوترات قراءة فنية يصدقها القارئ بذلك القدر الذي يجعل منها رواية ناجحة استطاعت أن تكون مثالًا بارعًا لبطلها الذي تتحدث عنه وتلعب دوره، وتحمل في الوقت نفسه رؤاه وأحلامه، وتحدّد تصرفاته كما انفعالاته وآراءه في الحياة.

بهذا المعنى تقول الرواية تفاصيل كانت يومًا حياة كاملة، لكنها تقولها بانتقائية بالغة الحساسية، ولها أن تفعل ذلك بحرية، فتقدم شيئًا وتغضّ النظر عن أشياء. هي كجنس أدبي يتصل بالواقع والخيال معًا، تمتلك حرية القرار في رسم صورة الواقع المستعادة فنيًا كما يراها الكاتب، لا كما حدث بصورة فوتوغرافية في الحياة، أي إنها إذ تحدّق في صور الواقع تنتقي ما يؤسس "سردية أخرى" تستبعد من سياقاتها كل ما تراه حدقة الموهبة من "زوائد"، حتى وإن حدثت في الواقع وكانت جزءًا حقيقيًا منه ومن التاريخ.

بهذا ترانا نصدق حدثًا روائيًا "فانتازيًا" للواقع، ولا نصدق آخر يرتدي ثياب الواقع ويقلده، فالقياس هنا ينتمي إلى أسباب أخرى تتعلق بقدرة الكاتب على استنطاق الشكل وبراعة توظيفه لمسألة التعبير عن "الحقيقة" في صورة ناجحة، ولها قوة رسم ما تريده بفنية تستدرج القارئ لمقاربة الواقع وما فيه من معانٍ، وحتى آراء ووجهات نظر متعددة ومختلفة، لكن لها في الوقت ذاته قوة منطق الفن وجدارتها في تحقيق قبول المتلقي بل وتصديقه.

لعل هذا بالذات هو ما حقق للأدب الروائي تياراته المختلفة الكثيرة، والتي انطلقت كلها من فكرة الحرية: حرية رؤية الواقع الواحد بكيفيات متعددة – أقصد بأشكال وحدقات مختلفة تمتلك كل واحدة منها خطوطها وألوانها وحتى بريقها، فتجعل الاختلاف نافذة أخرى تسطع منها مقاربات لها فرادتها ومنطق خيالها، ولها بعد هذا وذاك وقعها المختلف الذي يؤسس مذهبًا فنيًا "يكاد" أن يكون شيئًا مختلفًا، لكنه في الحقيقة إنما يختلف في الشكل الخارجي وحسب.

نتحدث عن هذا وفي البال والذاكرة مسافات الاختلاف الكبرى في الشكل ومقاربات المخيلة بين تولستوي وديستويفسكي مثلًا، وبينهما وبين ماركيز، بين واقعيتهما "الكلاسيكية" من جهة، وواقعية ماركيز "السحرية". فنصدق الثلاثة رغم ذلك الاختلاف الواسع. نرى هذا في خروج ماركيز عن مألوف الكتابة الروائية، لا لنفي الواقع وإخراجه من صدقيته وحقيقته، بل على العكس من ذلك، لرسم تلك الحقيقة بأدوات ووسائل مخيلة يراها الكاتب أكثر استبصارًا وأجدر بالتعبير عن الواقع بأدواتها التي تنتمي إلى المخيلة. الرواية هنا رحلة في أخرى، تفعل ما فعلته "دون كيشوت" مثلًا، والتي لا يستطيع أحد أن يتهمها بالافتراق عن الواقع، إذ هي (رغم ذهابها وراء الخيال) تفعل ذلك لأجل التعبير عن الواقع ورسم صوره الكثيرة والمتعددة، والتي تكتب الواقع بطريقتها وأدواتها وسياقاتها الخاصة.

أقول هذا وفي البال رواية يوسف السباعي "أرض النفاق"، والتي تقوم على فكرة خيالية افتراضية يتفق فيها الكاتب مع القارئ، لا من أجل تصديق الفكرة بالذات، ولكن من أجل تصديق سياقاتها ومآلاتها الكبرى، والتي تتجاوز الرواية ذاتها إلى فكرة تصديق المعاني التي توصلنا الرواية وفكرتها العميقة لها، وتجعلنا ننحاز بكليتنا لها.

شيء يشبه مسرح العبث واللامعقول، والذي لا يبتغي أن يزجّنا في عبثية العيش، بل العكس تمامًا، فهو يدفعنا لرؤية الواقع العبثي، أو بالأدق لرؤية عبثية الواقع من أجل تعريته والقبض على أخطائه وضلاله ولا معقوليته.

هكذا ترسم الرواية صورها للحياة بحدقات مختلفة، متنوعة في أدواتها كما في خطوطها وألوانها، ما يعني تعدد السياقات والأشكال باعتبارها أدوات تعبير لا يجوز أن تكون قانونًا وحيدًا، ولا يفيد أن تحاول تكريس لون وحيد أو اعتماد مدرسة بالذات. براعة الفن الروائي تقوم أساسًا على قوى المخيلة وجدارتها في استدراج الكتابة إلى أدوات المخيلة على نحو قادر على الإقناع. والإقناع هنا مسألة لا تتعلق بالمضمون وحسب، ولكن أيضًا بالشكل الفني ذاته، فالشكل الفني هنا معادل للموهبة والقدرة الأدبية، تمامًا كما هو معادل لفكرة التوازن بين الصورة وإقناعنا بأنها واقعية وحقيقية.

ربما لهذا بالذات تنجح روايات أوغلت في الخيال في إقناعنا بتصديقها أكثر بكثير من روايات أخرى التصقت بفوتوغرافيتها، لكنها مع ذلك فشلت في جعلنا نصدقها أو نركن إلى منطقها الروائي، ففقدت بذلك مكامنها عندنا، وفشلت في إقناعنا بحقيقة انتمائها للرواية كجنس أدبي. فالحرب في الواقع شيء آخر لا يتطابق حرفيًا مع صورة حدوثها في الحياة، والمسألة كلها تتوقف على جدارة الأسلوب والسياق الذي اختاره الكاتب، والذي قد يقنع القارئ ويستدرجه لمتابعة القراءة، أو يحقق العكس فيصده عنها، لأنه ببساطة لم يقتنع ولم يصدق.

وتلك حقيقة نراها تتكرر في هذه الرواية أو تلك، على نحو يجعلنا ننحاز دائمًا إلى ما يمنحنا متعة التصديق ومتعة رؤية الحدث الروائي في إهابه الجميل والأكثر جاذبية، أيًا كان الأسلوب الذي اختاره الكاتب المؤلف، والذي بدا مقتنعًا أنه الأسلوب الأجدر والأحق برسم صورة الحدث الروائي كما فعلها الكاتب، وكما شاء لها أن تجعلنا نقنع.

فغاية الأدب – ومنه الأدب الروائي – تحقيق المتعة والإخبار، أو بالأصح تحقيق الإخبار بطريقة ممتعة، ولها صداها الذي لا ينطفئ، والذي يقدر على تحقيق غايات الأدب والفن على طول التاريخ واتساع الزمن. فهذا بالضبط ما يفسر قبولنا بالملاحم، وبالذات "ملحمة جلجامش"، أكثر كثيرًا من قصص وروايات واقعية لم تقنعنا.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.