}

النكران والقسوة تاريخ آخر للعالم

بشير البكر بشير البكر 10 مايو 2026
استعادات النكران والقسوة تاريخ آخر للعالم
إدواردو غاليانو

هنالك كثير من الكتب التي تناسب كل الأزمنة. لا ينتهي مفعولها، أو يصبح محتواها قديمًا مع مرور الوقت. تظل جديدة، تحتفظ بقيمتها، ويمكن قراءتها على الدوام. ومثلما يطالعها الكبار، هي تصلح لتكون أيضًا مقررات مدرسية للصغار في المدارس، لأنها تتعلق بالذاكرة الجمعية للبشرية، وكيفية تشكلها، مع التركيز على المساحات المهملة منها لأسباب تتعلق باستخدام التاريخ.
وهي كتب ذات منفعة تاريخية، تقدم رواية مختلفة عن تلك السائدة، ضرورية للذين هم في أمس الحاجة ليقرأوا الأحداث بعيون مختلفة، وليتلقوا المعلومات من مصادر نزيهة، لا مصلحة لها في تضليل الرأي العام، وتفسير الأحداث حسب مصالح الأقوياء، وأصحاب رؤوس الأموال والشركات المتعددة الجنسية.
من بين تلك الكتب، التي يخلدها الوقت كتاب "مرايا: ما يشبه تاريخًا للعالم"، للكاتب إدواردو غاليانو، الذي ترجمه إلى العربية الراحل صالح علماني، ويندرج في باب الكتابة الذاتية التي تتناول المعلومات، تصحح المغلوط منها، وتقوم باستكمال الناقص، ووضع حواشٍ لها تمكن من فهم سياقها، والأسباب التي حالت دون نشرها، أو التعتيم عليها، أو تقديمها على نحو مشوه، ومن ثم التعليق عليها بلغة مشبعة بالسخرية والتهكم.
لا يقف الكتاب عند عصر معين، أو مرحلة تاريخية في ذاتها، بل إن الكاتب ينتقل مثل مسافر جوّال بين الأزمنة، في مرات يتناول أحداثًا قريبة، وأخرى يرحل إلى بدايات ظهور البشرية وتشكل الحضارات الأولى، ولا يقتصر جهده على بلد واحد، أو قارة بعينها، بل يمسح العالم من أميركا اللاتينية التي ينتمي إليها نحو أميركا التي يخصها باهتمام كبير بوصفها مسؤولة عن قدر كبير من طمس الحقائق، الى أوروبا التي قامت بتأسيس التضليل، إلى آسيا وأفريقيا، كضحايا لقسط كبير من التزوير، نتيجة خضوعهما لاستعمار مديد، ونهب للثروات، واستغلال وعبودية واتجار بالبشر من قبل شركات  منها ما كان يتبع إلى ملوك ورجال دين ومصارف وحكام دول.
الكتاب انتقائي، إذ ليس في وسع كتاب واحد أن يحيط بكل المفارقات المُرّة منذ بدء التاريخ، ولا يمكن لكاتب لوحده أن يتمكن من جمع كل البيانات المطلوبة عما حلّ على وجه الأرض من مظالم، لكنه لا يغفل الأحداث المفصلية التي صنعت التاريخ الرسمي المتعارف عليه، والذي تعمد تزييف كثير من الحقائق تهربًا من المسؤوليات التاريخية والأخلاقية عن أحداث مروعة وقعت في أزمنة مختلفة، ولا يزال بعض البشر يدفعون ثمنها، كالعبودية، ومحاكم التفتيش.
لا يقتصر الكتاب على الصفحات السوداء من التاريخ، التي طمست حقائق كثيرة، بل يسلط الضوء على تفاصيل مشرقة، ولكنها مهملة ومنسية على نحو مقصود، كالاختراعات التي حصلت بعيدًا عن المراكز العلمية السائد في أميركا وأوروبا، أو البطولات والإنجازات التي حققتها شعوب ودول وأفراد.





حينما يفرغ المرء من قراءة هذا الكتاب الذي يقع في 500 صفحة يشعر بأنه تعرض إلى غسيل دماغ ممنهج منذ كتب القراءة في المدرسة الابتدائية، مرورًا بالمقررات الجامعية في مواد التاريخ والآداب، وصولًا إلى نشرات الأخبار، وفي الوقت نفسه يتفتح وعيه على مراجعة كثير من اليقينيات التي رسخت في ذهنه عن الثقافة والسياسة والاقتصاد، وكلما تلفت حوله سيجد أشياء مزيفة كان يحسب أنها أصلية.

مقتطفات
ــ فقدت فرنسا مليونًا ونصف مليون رجل في الحرب العالمية الأولى، 400 ألف بلا أسماء، وتكريمًا للشهداء المجهولين قررت الحكومة حفر قبر للجندي المجهول، واختير لا على التعيين أحد شهداء معركة فردان. وعند رؤية الجثة لحظ أحدهم أنها لجندي أسود من أحد فيالق مستعمرة السنغال، وتم تصحيح الخطأ.
ــ تسمية العرق القوقازي أطلقت وما زالت على الأقلية البيضاء التي تحتل قمة المراتب البشرية في عام 1775 من قبل عالم الحيوان يوهان فريدريش بلومينباخ، الذي كان قد جمع 245 جمجمة أسست لحق الأوروبيين في إذلال الآخرين. وفي عام 1836، توصلت جمعية الأنثروبولوجيا في لندن الى استخلاص أن السود أدنى من البيض فكريًا، وأن الأوروبيين وحدهم هم القادرون على أنسنتهم وتمدينهم.
ــ طريق الملح هي التسمية التي أطلقت على أول طريق إمبراطوري شق لإحضار الملح من شواطئ أوستيا، وكلمة أجر Salario مشتقة من دفع الملح Sal، الذي كان جنود الفيالق الرومانية يتلقونه أجرًا خلال الحملات العسكرية.
ــ الحملة الصليبية الأولى أحرقت الكنس، ولم تترك يهوديًا واحدًا حيًا في ماينز، ومدن ألمانية أخرى. والحملة الصليبية الرابعة خرجت متجهة إلى أورشليم، ولكنها لم تصل إليها قط. فقد توقف المحاربون المسيحيون في القسطنطينية المسيحية، المدينة المرفهة، وخلال ثلاثة أيام نهبوها عن بكرة أبيها، من دون أن يعفوا عن الكنائس والأديرة والنساء المسيحيات. وفي عام 1209، بدأت حملة صليبية أخرى بإبادة فرنسيين في أرض فرنسية.
ــ إقطاعي وشاعر تروبادور فرنسي ومحارب كان يعرف الفلاح في نهاية القرن الثاني عشر: الفلاح يأتي بعد الخنزير، وإذا شاءت المصادفة أن يحرز ثروة كبيرة يفقد عقله. وفي بداية ذلك القرن كانت الكنيسة تملك ثلث مجمل الأراضي الأوروبية.
ــ الماء سيء السمعة في أوروبا يجب تجنبه، إلا عند التعمية، لأنه يمنح متعة، ولأنه يدعو إلى الخطيئة. وفي محاكم التفتيش كانت كثرة الاستحمام دليلًا على الهرطقة المحمدية. وملكة إسبانيا إيزابيل يتجادل المؤرخون فيما إذا كانت قد استحمت مرتين أم ثلاثًا في حياتها.
ــ أوروبا كانت غاضبة، لأن جنكيز خان لم يتنازل بغزوها. فقد ازدراها لأنها متخلفة، وفضل عليها آسيا، وبأساليب ليست لطيفة جدًا غزا إمبراطورية هائلة تمتد من الهضبة المنغولية حتى السهوب الروسية، مرورًا بالصين، وأفغانستان، وفارس.
ــ جاء الحرير، والشاي، والملح، من الصين، وهي أول بلد استخدم الغاز، والبترول، والمحراث، وآلات الزرع، والحصاد، قبل الإنكليز بألفي عام. اخترع الصينيون البوصلة، والورق، والبارود، والمدفع، وآلات نسيج الحرير، والمغزل، والوخز بالإبر، والخزف، وكرة القدم، وورق اللعب، والفانوس السحري، وصناعة الأسهم النارية، والطيارات الورقية، وأوراق النقد، والساعة الآلية، ومقياس الزلازل، وبكرات صيد السمك، والجسر المعلق، والمروحة اليدوية، والمهماز، ونعل الخيول، والمفتاح، وفرشاة الأسنان.
ــ ليوناردو دافنشي، من عرفوه قالوا: إنه لم يعانق امرأة قط، ولكن من يديه ولدت الصورة الأوسع شهرة في كل الأزمنة، وكانت صورة امرأة: الجوكندا.
ــ العالمان العربيان مؤيد الدين العرضي، ونصير الدين الطوسي، توصلا إلى نظريات كانت عظيمة الأثر في تطوير علم الفلك، وبعد ثلاثة قرون استخدمها كوبرنيكوس، ولكنه لم يأت على ذكرهما.
ــ البطاطا كانت ثمرة محرمة في أوروبا. كانت جذرًا ينمو في باطن الأرض، حيث توجد مغاور الجحيم. كان الأطباء يقولون إنها تسبب السفلس والجذام. وفي أيرلندا إذا ما تناولتها امرأة حبلى في الليل، فإنها تلد في الصباح مسخًا. وحتى نهاية القرن الثامن عشر، ظلت مخصصة للسجناء والمجانين والمحتضرين.
ــ عندما كتب تشي غيفارا الرسالة الأخيرة إلى أبويه، ليقول وداعًا، لم يختر اقتباسًا من كارل ماركس، بل من دون كيشوت (سرفانتس): "أشعر مرة أخرى تحت كعبي بدغدغة روثيناتي (اسم الحصان). وأعود إلى الطريق، وترسي ذراعي".
ــ شركة رويال أفريكا كومباني التي تتبع للتاج البريطاني ورجال صناعة، كانت مهتمة باصطياد عبيد في أفريقيا لبيعهم في أميركا. وحسب رأيها، تتضمن جهودها "تموينًا مستقرًا وكافيًا من الزنوج بأسعار متواضعة".
ــ في فراش الموت، رفض جورج واشنطن الكاهن والقس، وقال بنجامين فرانكلين إن الوحي الإلهي ليس سوى شعوذة. وبحسب توماس جيفرسون، فإن الكهنة الكاثوليك والقسس البروتستانت هم منجمون وسحرة قسموا البشرية إلى نصفين: نصف كذابون، ونصف منافقون.
ــ على الرغم من وسائطها التقنية البدائية، ظلت المنسوجات الهندية فاخرة النوعية، ورخيصة السعر، ولذلك أنجزت الإمبراطورية البريطانية بالدم والنار في بدايات القرن التاسع عشر غزوها العسكري لمعظم أراضي الهند، وأجبرت النساجين على دفع ضرائب فلكية، وكانت النتيجة أن توقفت أنوال الهند، وأصبح الهنود أفضل زبائن صناعة النسيج في مانشستر.
ــ المهراجات في خدمة التاج البريطاني: مهراجا اشترى كل سيارات الرولز رايز المتوفرة في لندن، وخصصها لجمع القمامة في ممتلكاته، والثاني كان يمتلك كلابًا كثيرة، بنى لكل كلب منها غرفة خاصة، وهاتف وخادم، والثالث شيد نسخة مماثلة تماما لقصر فرساي، والرابع نسخة لقصر وندسور، والخامس اشترى قطارًا من الذهب والفضة ليجوب صالة طعام القصر حاملًا الملح والبهارات، والسادس كانت مدافعه من الذهب الخالص.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.