}

عنترة: أقاتلُ من أجلِ عَبْلَة وأنا عبدُها...

وارد بدر السالم وارد بدر السالم 21 مايو 2026
استعادات عنترة: أقاتلُ من أجلِ عَبْلَة وأنا عبدُها...
رسم تصويري لعنترة

 

أغنُّ مليـحُ الـدلَّ أحـورُ أَكـحلٌ      أزجُّ نقـيٌ الخـدَّ أبلـجُ أدعـجُ
لهُ حاجِبٌ كالنُّونِ فوْقَ جُفُونِهِ      وَثَغْرٌ كزَهرِ الأُقْحُوَانِ مُفَلَّجُ
وردْفٌ له ثِقْـلٌ وَقدٌّ مُـهَفْـهَفُ       وخـدٌّ به وَرْدٌ وسـاقٌ خَدَلَّـجُ
وبطنٌ كطيِّ السابريةِ لينٌ          أقبّ لطيفٌ ضامرُ الكشح أنعجُ

(عنترة بن شداد)

قبل أن نقرأ الشاعر لامارتين في كتابته عن الفارس والشاعر والعاشق عنترة بن شدّاد، نحاول قراءة الأخير بطريقة وصفية وجمالية ليست جديدة كليًا، لكنها محاولة في تقصّي أثر الشاعر في هذا الحب المستحيل لابنة عمه عبلة العبسيّة التي علا اسمها في التاريخ كعلو منزلة عنترة شاعرًا بعد أن بقي عاشقًا، مستحضرًا حبيبته في ميادين المعارك، كتعويذة تحميه من المخاطر الكثيرة التي من المتوقع أن يواجهها كفارس يتقدّم الصفوف المحاربة.

ليست عبلة تعويذة فحسب. إنها مركز القبيلة وجمالها. الفتنة العظيمة التي لشاعر لم يعرف سوى السيف وعبلة؛ فكانت وظلت هي المتن الرئيسي في القصيدة والقتال، فلا حاجة له بالقبيلة بقدر حاجته إلى الأنثى التي ملكت عليه، لا بوجودها الجسدي، إنما بوجودها المادي والحسي والنفسي والرمزي، والجسد الآمن تمامًا. لذلك أضحت تلك المرأة أسطورة رومانسية، وبات شعره أكثر جزالة وسبكًا ومؤاخاة لروحه الفيّاضة للحب والجمال.

(1)

قصص الحب في العصور العربية المتعددة كثيرة. توزعت بين الواقع والخيال، وأضحت أساطير رومانسية تُستدعى كأمثلة للسلوك العذري الشفاف في الأزمان المتعاقبة ودوراته الأدبية والاجتماعية والشعرية والرومانسية. ولا شك في أن تراثنا العربي الأدبي حفل بمثل تلك اللحظات الإنسانية، كونها مقترنة بالفروسية والشعر والبطولات القبائلية والشخصية أيضًا؛ كاقتران الوجود الفردي بالوجود الجماعي عبر الحب الذي يستولد الكتابة الشعرية، ومنه يُشار إلى الشاعر.

هذا مظهر من مظاهر التراث العربي في اهتمامه بالملحمة الشعرية والبطولية والعشقية معًا، وتسطيره لمثل تلك الرومانسيات المتداخلة ما بين القوة الشعرية والقوة الشخصية التي وُهبت فروسية تعادل القيمة الشعرية، بل تتفوق عليها في غالب الأحيان، لكنها تنصهر معها وإن كان الشعر يلحق بها، يكتبها ويوثقها ويفخر بها أيضًا، بوصفها إنتاجًا جماعيًا قبائليًا حتى لو كان فرديًا. كما هي الحالة مع الشاعر عنترة بن شداد، الذي اقتحم بشعره معقل الحب العبلي ليحرر اللون من خلاله كونه إشارة إلى وجوب الانعتاق منه وصولًا إلى الحرية الشخصية. فيكشف أن قيمته الاعتبارية هي التي تتجلى في وقائع المعارك والحروب التي خاضها الشاعر، بل هي ماهية وجودية لا بد منها. فالشجاعة أن تكون فردًا ضمن جماعة، وأن تخلق الحب بالسيف وتدافع عنه وتحميه بشراسة. لذلك فمن يقرأ سيرة العبسي (كان أسود اللون) بكل تمظهراتها العينية سيجد بأن تعويذته الوحيدة عبلة رافقته – شبحيًا – إلى ساحات المعارك (داحس والغبراء مثلًا) يشدّ بها بقاءه المحتدم بالسيوف والنبال والخيول الشرسة:
"ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني    وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها          لمعت كبارق ثغرك المتبسم".

لامارتين يتوسع في محاولة فهم الشخصية الشعرية لعنترة بسواده الذي لم يقف حائلًا في سلوكه الاجتماعي والشعري والبطولي والغرامي


(2)

لا تقتصر قصص الحب العربية على عنترة بن شداد، وإن كانت قصته متميزة وانتهت كما يريد العاشقان، لكنها قتال من ثلاثة محاور نفسية وواقعية وبطولية:

الأول: كانت عبلة حبًا مخلصًا وليست غنيمة معارك، بل هي استثناء أنثوي ملك قلب العاشق/الشاعر، لذلك توجهت القصائد إليها مثلما توجهت السيوف والرماح إلى أعدائها، فالدفاع عن القبيلة هو الدفاع عنها كوجود مادي محفّز. إن هذا التضاد بين الحب المتقدم والسيوف المعادية تأصيل لفكرة المواجهة في أن الحب ينتصر والجمال ينتصر في نهاية الأمر.

قد يكون هذا إنشاءً، لكنه وصف لا يمكن أن يكون عابرًا؛ فمن يخض المعارك ليس كمن يصفها، ومن تجرحه السيوف لا يجرحه القلم ولا القصيدة، بل يحفّزهما. وحينما يتحوّل فرد ما إلى أسطورة بطولية وقبائلية، فأغلب الاعتقاد أن الوجود المادي المتمثل بعبلة هو إحياء لمركزية القبيلة، وهي عبلة التي لا يُعترف بها في مجتمع بطريركي نافذ. هذا من جانب، أما الآخر منه فهو أن عنترة، فارسًا وعاشقًا وشاعرًا، مكتمل الصفات في تلك الثلاثية التي قلما امتلكها شاعر في زمنه قبل الإسلام، وكان يعرف هذا بتمامه، لكنه كان قلقًا من زنوجته كونه عبدًا من أم حبشية جارية، وعليه أن يتحرر ويمتلك ذاته المتشظية بين عبلة والقبيلة والحال الشخصية والواقع الاجتماعي في عصره.

لم تذكر المصادر التاريخية أن عبلة كانت ببشرة سوداء، بل كانت بيضاء من بني عبس، على عكس عنترة الذي كان أسود البشرة، لهذا كان اللونان يتصارعان في مساحة مفتوحة مرة وضيقة ثانية، في منازلة نفسية غير متكافئة فرضتها قيود القبيلة التي كان العبد فيها بمنزلة أدنى، فاللون يتحكم بهذا الفرض الإجباري حسب ذهنية العصر الذي عاشه عنترة.

الثاني: قتل الماضي العبودي الذي كان فيه عنترة، وتخلّص نسبيًا منه لما أُلحق نسبه ببني عبس وأصبح حرًا غير مملوك. اللاعبودية الشخصية فكّت عنه أغلالًا كان يعاني منها كون أمه جارية، لذلك كان البديل عنها الشجاعة والبطولة التي كان عليها، بما يشير إلى أنه بذل جهدًا خارقًا لطمس ماضيه الاجتماعي وتحرير ذاته وروحه ونفسه. وهذا تطلب منه الثبات في الميدان، الثبات على واقعه القبلي بعد تحريره كعبد، الثبات على حب عبلة، الثبات على مكتسباته الشخصية في المعارك وكتابة الشعر، بل ويعززها. لكن الأهم من كل هذا هو أن يتحرر من لونه رمزيًا ويصبح حرًا.

الثالث: تمكن عنترة من تحرير لونه وانعتق من العبودية؛ فالعبد لا يتزوج حرة، بعد أن كان أسود اللون. وهذا المحور اللوني بزنوجته المعروفة حوّلها إلى امتياز لوني، ولم يشعر إزاءها بالنقص الجسدي والاعتباري في مجتمع انتشرت فيه العبودية والخدم والجواري، إلا أن عنترة جعل من لونه الأسود امتيازًا له في المعارك التي كانت تواجهها قبيلته، وأثبت بطولات خارقة وأنقذ قبيلته في هذه الصراعات، لا سيما في "داحس والغبراء"، فحرّر لونه وشخصه وذاته.

جملة أبيه الشهيرة "كرّ يا عنتر فأنت حر" أعطته زخمًا معنويًا ووجهته إلى عبلة الحلم والأمل والجمال، وكسب الصراع المضني. وبرأينا أن واحدًا من أسباب شهرته هو لونه المضاد للون المجتمع الأبيض، وتعود شجاعته إليه، وقصائده في حب عبلة والقبيلة انعكاس لخطر اللون في المجتمع بما فيه من إذعان وخضوع وهامشية، لكنه تجاوز هذا الخط بشجاعته الأسطورية ووُلد من جديد، لنقل بأنه استولد لونًا جديدًا له.

قراءة مثل هذا الحب العفيف هي قراءة لزمن عنترة الاجتماعي، بما يقتضي التنويه إلى عفة الحب والغرام الذي يسود بين رجل وامرأة آنذاك، رغمًا من تهتكات المجتمع الجاهلي العربي التي نقرأ الكثير منها وعنه. وهذا الحب، الذي هو حب بلا ذنوب، مكّنه من أن يوصل رسالته النفسية إليه، وبالتالي تحرر روحيًا من "عواقب" لونه الذي هو في الدرجة الثانية من لون المجتمع.

(3)

قد تستهوي أسطورة عنتر وعبلة المحبين والعشاق بمختلف مراحل الزمن والأمكنة الشعبية والرسمية، كونها اختلطت بالأسطوري والأدبي الشعري، لكن المجتمع العربي بأدواره المختلفة أسطر الكثير من القصص الغرامية التي بقيت ماثلة في الكتب والأذهان والصدور، كأسطورة قيس وليلى العامرية، وهي أشهر من أن تُعاد، لا سيما نهايتها الدرامية. وجميل وبثينة نمط رومانسي من أنماط الحب العربية، وقصة "أبو العتاهية" عاشق ابنة عمه أسماء، وقصة كثير الخزاعي وعزة الكنانية التي انتهت بزواجها من رجل آخر ووفاته حبًا بين الأحجار في الصحراء، وسارت في جنازته النساء أكثر من الرجال.
قصة جميل وبثينة في العصر الأموي انتهت نهاية محزنة عندما تزوجت بثينة من رجل آخر، لكنها بقيت متيمة بجميل الذي يلتقيها سرًا حتى موته في مصر. نذكر قصة حب توبة وليلى الأخيلية، وهي شاعرة باهرة الجمال وقوية الشخصية وفصيحة الكلام، وقد فُتن بها توبة عندما رآها في إحدى الغزوات حتى مات مقتولًا في إحدى المعارك، أما ليلى فقد ماتت بجوار قبره في إحدى زياراتها للمقبرة التي دُفن فيها. حتى الشاعر أبو نواس له قصة حب مع امرأة تدعى جنان التي قال فيها شعرًا، لكن له بقي بيت شعري لا يُنسى: "تعجبين من سقمي صحتي هي العجب"، مع أن جنان لم تكن محبة له.

من العصر الأندلسي شاعت قصة حب بين الشاعر ابن زيدون وولادة بنت المستكفي، وهي ابنة حاكم قرطبة، ولم ينل ابن زيدون منها في آخر القصة. وثمة قصة حب غير منتشرة بين ابن رهيمة وزينب بنت عكرمة، وهي قصة حب من طرف واحد. وهناك اليتيم عروة بن حزام العذري وكان أول العاشقين جنونًا بسبب حبيبته التي تم تزويجها لغيره من الأغنياء.

نسوق هذه الأمثلة المتاحة من سفر غرامي شرقي طويل، عُرف بثورته الروحية في مختلف الظروف السياسية والاجتماعية التي افترعت العصور الجاهلية والإسلامية والأموية والعباسية والأندلسية. وإيراد مثل تلك القصص الأسطورية، لا سيما أسطورة عنترة التي وضع الفرنسي لامارتين كتابًا لها، هو اختزال عاطفي للمجتمعات الأوروبية التي كانت تفتقد مثل ذلك الحب العفيف الذي أنتج عشاقًا وشعراء وفرسانًا وأحرارًا. لهذا كان تكرار قصص مثل روميو وجولييت يشير إلى هذه الحالة المفقودة في أوروبا كلها التي خلت منها الأساطير الرومانسية. ولا نرى لامارتين بمعزل عن قصص العرب العاطفية، بل زار البوادي وجلس في الخيام العربية ورأى الصحراء اللامتناهية، فعرف معنى أن يكون هناك عشاق حتى الموت أو الجنون أو الهجرة.

إيراد مثل تلك القصص الأسطورية لا سيما أسطورة عنترة التي وضع الفرنسي لامارتين كتابًا لها، هي اختزال عاطفي للمجتمعات الأوروبية التي كانت تفتقد مثل ذلك الحب العفيف 


(4)

لامارتين شاعر فرنسي، سياسي، رحّال ومسافر مع الزمن. استهوته قصة عنترة مع عبلة العبسيّة من دون شعراء العصر الجاهلي أو ما بعده من الذين وطّدوا أركان القصيدة العمودية عبر أحداث رومانسية أدت في نهاياتها إلى الموت أو الجنون أو الهجران.

ويبدو في سياق كتابه "عنترة" بأنه وجد فيه ما لم يجده في غيره من شعراء عصره الفحول؛ حياةً ومواقف بطولية لفارس أسود. وجد عشقًا نادرًا لفتاته "عبلة" التي كتب فيها الكثير من شعر الغزل العفيف، وحاول استمالة القبيلة التي ظلّت تعدّه عبدًا مملوكًا من أمه الحبشية الجارية زبيبة، غير أن الوعي العنتري الذي سبق زمنه الواقعي حال دون أن يتم ذلك، فالوجود الشخصي لا بد له أن يثبت في المعارك التي هي قوام الفرسان الشجعان الذين خرجوا من الخيام الصحراوية لمواجهة الغزاة والمحتلين.

لامارتين يتوسع في محاولة لفهم هذه الشخصية الشعرية بسواده الذي لم يقف حائلًا في سلوكه الاجتماعي والشعري والبطولي والغرامي، ومن خلال توسعه وبحثه وإعادة القصة المألوفة والمكررة في قصص الحب العربية البدوية، والمرور على خلفيتها الكثيرة وروحها المتوثبة، يمكن تثبيت ثلاث إشارات في هذه الأسطورة العنترية: منها صراع الفرد ضد المجتمع المادي، وهو صراع كلّفه الكثير من الوقت والجهد، والحب المطلق الذي بثّه إلى عبلة ولم يتنازل عنه، وهو الهدف الأسمى للعلاقة التي خرجت من ماديتها إلى روحيتها العجيبة، والشعر كخلق للذات: "كان عنترة في كل قصيدة جديدة يعيد خلق نفسه من جديد..." وهو خلق عظيم لا يمتلكه كل شاعر في زمنه، ولا حتى في الأزمان التي تعاقبت على قصته المريرة. 

مصدر: عنترة- ألفونس دي لامارتين- ترجمة وتقديم شاكر نوري- معهد الشارقة للتراث، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، 2025.

استدراك أول: لا بأس أن نشير إلى الماضي الغرامي المتاح من الزمن البعيد الذي شغلت فيه قصص وأساطير الحب والوَلَه والشغف والعشق كثيرين في التاريخ البشري البعيد، إذ حملت مصادر ما قبل التاريخ أن قصة حب حورس وحتحور هي أول قصة حب في التاريخ البشري، اجتازت الأزمان والأحداث والأساطير، لكن هذا مبالغ فيه بعض الشيء. فما لم نجده في بُرديات التاريخ لا يبرر هذه القصة بأنها "أول" قصة حب، في حين تبقى أسطورة عشتار وديموزي من بلاد الرافدين هي الأكثر شهرة بين المستشرقين والباحثين. تليها  قصة إيزيس وأوزوريس كأقدم قصص الحب والوفاء في الحضارة المصرية، بينما خُلدت قصة حب رمسيس الثاني لزوجته نفرتيتي التي قال عنها "أنت التي تشرق من أجلكِ الشمس"، لكنه تزوج عليها 56 امرأة...

استدراك ثان: صرخة عنترة الأولى والأخيرة عندما فاض الحب به ولم يعد ثمة متسع للصبر: أقاتلُ من أجلِ عَبْلَة وأنا عبدُها... كانت صرخة الروح المكتوية بلهيب الحب العذري، وهي الصرخة التي هزت الصحراء العربية. فتململت الخيام فيها، وتناثر غبار الفارس البطل وهو يسوق "نوق العصافير" مهرًا لمحبوبته من كل مكان وصل إليه:

أَلا يا عَبلُ قَد زادَ التَصابي   وَلَجَّ اليَومَ قَومُكِ في عَذابي
وَظَلَّ هَواكِ يَنمو كُلَّ يَومٍ     كَما يَنمو مَشيبي في شَبابي.

 

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.