}

في سحر وجاذبية جريدة "أخبار الأدب"

كمال عبد اللطيف كمال عبد اللطيف 22 مايو 2026
استعادات في سحر وجاذبية جريدة "أخبار الأدب"
شكّلت "أخبار الأدب" نافذة تسمح باحتضان نصوص ونقاشات

أصدرت مؤسسة "أخبار اليوم" المصرية سنة 1993، جريدة "أخبار الأدب" الأسبوعية، وشكّل صدورها تحولًا نوعيًا في مجال الإعلام الثقافي العربي. غادرت الثقافة باب الملحقات والصفحات اليتيمة داخل الصحف، وانتقلت إلى مجال الإقامة الإعلامية المستقلة والموسعة. تطلّب ذلك أولًا، الاستعانة بتصوّر جديد للثقافة، يستدعي التخطيط الذي ينظر إلى الفعالية الثقافية وأدوارها في المجتمع نظرة جديدة. بدأت الجريدة المُخَصَّصة للثقافة وأخبارها تصدر أسبوعيًا، واستكتبت، من أجل ذلك، أبرز الأسماء المعنية بالإنتاج الأدبي والفني، داخل مصر وفي العالم العربي، قصد تركيب إطلالة أسبوعية نوعية ومتنوعة، ورسم أفقٍ جديدٍ في كيفيات التفاعل مع الثقافة والإبداع في الإعلام العربي، وكانت في سنواتها الأولى تصدر كل أربعاء، ثم أصبحت تصدر كل أحد. استطاعت أن تبني اختيارًا إعلاميًا، سبق كل المنصات والمواقع الثقافية الرقمية، التي أصبحت تملأ اليوم فضاءات التواصل الاجتماعي... حيث انتقلنا في المجال الإعلامي من الورقي إلى الرقمي... وهي تواصل اليوم حضورها المزدوج.
تتمتع "أخبار الأدب" بسحر خاص، رغم تواضع ورقها وبساطة ألوان وأشكال إخراجها، وأفترض أن بصمات مؤسسها ورئيس تحريرها، الروائي المبدع جمال الغيطاني (1945-2015)، والمؤسسة التي تقف ورائها، دار أخبار اليوم، يقفان وراء مختلف المزايا التي حظيت بها. فقد كان لكل منهما دور في منح الجريدة جوانب من أوجه الجاذبية، التي تملأ كل أسبوع صفحاتها، نقول هذا ونحن ندرك أهمية أدوار فريق العمل، الذي يحمل مشعلها. فقد تعاقب على رئاسة تحريرها والعمل ضمن فريق عملها، خلال أزيد من ثلاثة عقود من الزمن، مجموعة من الكتّاب والمبدعين والصحافيين، وظلت محافظة على روح الثقافة الجديدة، التي حملت منذ نهاية القرن الماضي. وهي تواصل اليوم أدوارها في الثقافة العربية، تواكب المتغيرات الجارية، وتبادر إلى رسم خيارات ومواقف، في تفاعل مع كل ما يجري في المحيط القومي والعالمي.
بَصَم الروائي المبدع جمال الغيطاني، وهو أول رئيس للتحرير فيها (1993-2011)، أَهَمَّ السمات التي ارتبطت بشكلها ومحتواها. عملت الجريدة على الانفتاح على النصوص والتظاهرات الثقافية والفنية، الوطنية والقومية والعالمية، صانعة جوانب هامة، من الملامح الجديدة للثقافة والآداب والفنون في الإعلام العربي المعاصر. وشكّلت نافذة تسمح باحتضان نصوص ونقاشات، وصور وأخبار ذات صلة بالإبداع في الثقافة العربية والإنسانية، وطيلة مسيرتها المتواصلة، غَذّت المتلقّي العربي بنصوص متنوعة شكلًا ومحتوى، وتدفقت فوق صفحاتها أخبار الثقافة والمثقفين، أخبار الإبداع والمبدعين، أخبار الجوائز والمعارض والندوات، كما استوعبت صفحاتها إضافة إلى ما ذكرنا سجالات وأحداث، ظواهر ومواقف... وكانت شبكة العمل في الجريدة تهيئ كل أسبوع مواد متنوعة، قصائد ولوحات فنية وقصص قصيرة، وفصول من روايات، وأزهار من بساتين الكتب، وترجمات، إضافة إلى تشجيعها لنشر النصوص التجريبية والنصوص المفتوحة، وسعيها لتقديم الكتب والمجلات العربية والغربية.
لم يكن بإمكان جريدة "أخبار الأدب" أن تنجح وتصبح علامة من العلامات المتميزة في الإعلام الثقافي المصري والعربي، إلا بفضل جهود وطريقة عمل الفريق الساهر على إعدادها بإشراف الروائي المبدع، ثم إشراف من تلاه من رؤساء تحريرها، من طارق الطاهر إلى علاء عبد الهادي. وإذا كانت التسمية التي أطلقت عليها قد جمعت مفردتين مفتوحتين، الأولى ترتبط بالمؤسسة التي أطلقتها "أخبار اليوم،" فإن مفردة الأدب في التسمية، كانت تحيل إلى منظور جديد للثقافة والإبداع، يؤمن بالدور المركزي للثقافة في بناء مجتمع جديد.

جمال الغيطاني (Getty)


استوعبت الجريدة مجموعة من الأبواب، كما استوعبت رؤية في التخطيط، لا تتردد في تركيب كل ما يسمح بإغناء وتطوير أعدادها. أما الأبواب التي تنتظم مختلف موادها في إطارها فهي: ساحة الأخبار، أحداث، إبداع، بستان الكتب، شرق وغرب، بستان الترجمة، مراجعات الكتب، تشكيل، إصدارات... تسمح هذه الأبواب بتنويع مقالاتها ونصوصها، مثل ما يسمح باب بستان الكتب في أعدادها، بتركيب مزهريات يتم فيها تقديم الكتب بصور مختلفة، ويسمح باب بستان الترجمة، بتقديم مواقف وتصوّرات ونصوص، تنتمي إلى فضاءات ثقافية أخرى... إضافة إلى الأدوار الهامة التي يقوم بها الطاقم الإعلامي والفني المشرف على إعداد وتحرير ثم إخراج أعدادها، وهو يتميز بحرصه بين الحين والآخر على إصدار أعداد وملفات خاصة، يواكب من خلالها وبواسطتها مستجدات الثقافة، ومتابعة القضايا ذات الصلة بالتحولات الثقافية وبأسئلة الإبداع في الثقافة والفنون. وقد حرصت الجريدة على إخراج مواد أعدادها، بخطوط وألوان تستوعب مواقف إيجابية، من الأدوار التي يمارسها الجمال في تغذية الوجدان وإغنائه، بكل ما يمكن أن يعزز كيفيات نظر الإنسان إلى الحياة والمجتمع والتقدم.




تتيح إمكانية مراجعة الآثار التي تواصل "أخبار الأدب" نشرها، إمكانية الانتباه إلى أن الجريدة اختارت طريقًا يروم منح الثقافة مكانة خاصة في الفكر وفي المجتمع. ويشعر المتابع للجريدة بأن الطاقم الذي يقف خلفها، يؤمن بالأدوار الطلائعية للثقافة والفن داخل المجتمع، كما يؤمن بدورها في التنمية وفي تطوير الفعالية النظرية والفنية في حياة الإنسان. يتعلق الأمر بتصوّر يتوخى توسيع مفهوم الثقافة، وتحويل صفحات الثقافة والإبداع في الإعلام، من الدور التابع والتكميلي إلى الدور الْمُسَاهِم في تلوين الحياة داخل المجتمع.
واكبت المواد المنشورة في أعداد الجريدة التي تجاوزت اليوم 1700 عدد، واكبت جملة من الأحداث والقضايا، وعكست مجموعة من الظواهر المرتبطة بتجليات الثقافة والإبداع في الفكر العربي وفي الفكر الإنساني، وشكّل صدورها الأسبوعي موعدًا حافلًا بالعديد من المقالات والنصوص الإبداعية في مختلف الفنون، وعكست صفحاتها جوانب من صدى الإبداع في العديد من تجلياته، حيث كانت تحرص على أن تكون حاضرة بالموقف والرأي في مجرى الثقافة والفكر، بروح منفتحة ومبدعة. ونستطيع تبين بعض أوجُه ما نحن بصدد توصيفه، سواء في إصداراتها العادية، أو في الملفات والقضايا التي تخصص لها أعدادًا خاصة. وتساهم هذه الأخيرة في تقليص مساحة النظرة، التي تميل إلى ربط الجريدة بفنون الآداب المتنوعة والمختلفة، وتجعل قراءها يدركون الطابع المنفتح والمفتوح لأبعادها الثقافية المبدعة، والمتمثلة في نظرتها الجديدة للثقافة.
نقف ونحن نتابع الجريدة بانتظام، على مشاريعها المتعلقة بتخصيص بعض أعدادها، للاقتراب من موضوعات وقضايا غير مألوفة في ثقافتنا، نذكر من بين هذه الموضوعات: السجن والقطار والسرير والحَمَّام والعطور والحذاء ووسط المدينة وكراسي الحدائق والأبواب إلخ... حيث تحمل هذه الأعداد، مجموعة من المقالات التي تتجه للعناية بموضوعها، بصور متنوعة ومختلفة، الأمر الذي يجعل قرّاء الجريدة أمام عملية تركيب ثقافي كاشف، لجوانب من الأبعاد الثقافية والرمزية للموضوعات والظواهر موضوع العدد، الأمر الذي ساهم في تحويل "أخبار الأدب" إلى أفق جديد في الثقافة العربية.
من أجل إبراز كيفية حضور مواد مثل هذه الأعداد، في سجل الآثار التي ما زالت ترسم "أخبار الأدب" في الأفق الثقافي العربي، لنقف أمام مثال واحد يوضح جوانب من الجهد ومن الثمار، التي استوعبتها هذه الأعداد الخاصة. ففي العدد 842، الصادر في 3 آب/ أغسطس 2009، نجد أنفسنا أمام عدد مخصص للأبواب، بعنوان فرعي مَعَابِر للروح والجسد، كتب كلمة العدد عزت القمحاوي، وضم العدد ما يزيد عن عشرين مقالة، من إعداد أدباء وباحثين وفنانين عرب وجانب، واجتمعت في هذه المقالات مساهمات، تضعنا عناوينها ومحتوياتها أمام أفق ثقافي، ينقل الباب والأبواب إلى فضاء لا نهائي للقراءة والكتابة، عالم من التصورات والإيحاءات... ومن بين هذه العناوين نذكر ما يلي: مكر النوافذ يسخر من سلطان الباب، الأبواب روائح، باب قاعة العمليات، حاجب الأسرار، في تأويل ابن عربي، عطايا المُخَيِّلة، سحر العتبة، عنوان الفندق، لمسات الأنثى، باب الإعدام، الخروج ممنوع، لغة المفتاح، وجوه الباب.
لا تكتفي الجريدة بإصدار أعداد خاصة، بل إنها تعمل أيضًا على إصدار ملفات ترتبط بقضايا محدّدة في الثقافة العربية. نقرأ مثلًا في العدد 1704/ 22 آذار/ مارس 2026، ملفًا خاصًا عن الروائي المبدع إدوار الخرّاط، المغامر الأبدي، نقرأ جملة من الأوراق التي تقربنا من أعماله، كما نقرأ نصوصًا له، وبعض الرسائل التي تبادل مع بعض أصدقائه من الكتّاب والمبدعين... وفي هذا العدد، نجد أنفسنا أمام الأوراق الآتية: عبقرية الشغب واللعب والانضباط، أمواج التجريب، بلا خرائط، الخراط وأبواب قلعته، تأملات في نصوص الإسكندرية، وقد استوعب العدد نصين لإدوار الخرّاط. الأول إسكندريتي، وعنوان الثاني مفهومي للرواية. أما باب رسائل الأصدقاء فقد ضم رسائل لكل من محمد البساطي ومحمد برادة وبدر الديب ونصر أبو زيد ومحمد المخزنجي.
تواصل "أخبار الأدب" حضورها الإعلامي المتميز في مجال الإعلام الثقافي العربي، محاولة تطوير نمط تفاعلها مع مستجدات الإبداع القومي والعالمي، وبناء منصة ثقافية في خدمة الثقافة العربية الجديدة. وإذا كان من المؤكد أنها ساهمت خلال العقود الثلاثة الماضية، في فتح بعض أوجه الثقافة الجديدة في المشهد الثقافي المصري والعربي، كما تجلى ذلك، في ملفاتها وأعدادها الخاصة، وكما تبلور أيضًا، في مزهريات الإنتاج التي تحضر في مختلف أعدادها... إلا أنها اليوم، مدعوة إلى مزيد من النظر الذي يسمح لها بانطلاقة جديدة، تستثمر فيها منجزات الواجهة والوِجهة، التي دَشَّنَت في بدايات العقد الأخير من القرن الماضي، ذلك أننا نقف اليوم في المشهد الثقافي الرقمي، أمام العديد من المواقع والمنصات الثقافية المتنافسة، من أجل حضور مفيد، جميل وفاعل في المشهد الثقافي العربي، منصات عامة وأخرى متخصصة في أجناس أدبية أو ثقافية محددة، وهي تتجه لاكتساح الفضاءات الرقمية، ورسم صور من الحضور الصانع لخيارات في الثقافة، وجماليات في النظر وفي العرض، من أجل تطوير وتحسين الأداء الثقافي العربي. فهل تستطيع "أخبار الأدب" تطوير تركتها ونمط حضورها؟

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.