}

الكتابة والألم: حين تبكي الكاتبات

مها حسن 23 مايو 2026
استعادات الكتابة والألم: حين تبكي الكاتبات
من اليمين لليسار: حنان الشيخ وفضيلة فاروق وإيمان مرسال
في عملٍ روائيّ أشتغل عليه، نهضتُ عن جهاز الحاسوب وأنا أبكي. توقّفتُ فجأةً لأنظر إلى وجهي في المرآة، فبدا كئيبًا كأنّني أعاني من مشكلةٍ حقيقيّة. بدأتُ أتحدّث إلى نفسي بصوتٍ مسموع: أنتِ تعيشين وهم الألم. لستِ متألّمةً فعلًا. أنتِ لم تتعرّضي لما تتعرّض له بطلتُكِ من آلامٍ مدمِّرة!
كانت أمّي تبكي أمام الشاشة وهي تتعاطف مع مرض بطلة مسلسلٍ أو موتها، وكنّا نلومها: هذا تمثيل، لا تنجرفي كثيرًا… فترُدّ بهدوء: لكنّه يحدث في الحقيقة.
اليوم، في المرآة، كان صوتي الآخر هو من يلومني: أنتِ تكتبين قصّةً خياليّة، لكنّ هذه المرأة موجودةٌ في الواقع، وكثيرٌ من النساء يعانين ما تتحدّثين عنه.
ذهبتُ أنقّب في ذاكرتي وقراءاتي عن «الألم» لدى الكاتبات، فوجدتُه ليس موضوعًا يُكتب عنه فقط، بل هو بنية الكتابة نفسها، وطريقةٌ في الوجود.

ألم الكتابة لدى النساء
يمكننا استعراض الكثير من النماذج عن الألم لدى الكاتبات، ولكن لضيق المجال، نتوقّف عند عدّة نماذج:
عند فيرجينيا وولف، لا يكون الألم حادثةً خارجيّةً يمكن سردها خطّيًا، بل اهتزازًا داخليًّا في الوعي. الجملة لا تسير في خطٍّ مستقيم، بل تتشظّى، تتردّد، تعود إلى نفسها، وتغوص في تيّارات الذكريات واللحظات الآنيّة. في «السيّدة دالاوي» أو «إلى المنارة»، يصبح الألم (الفقدان، الجنون المحدِق، ضغط الدور الاجتماعيّ) جزءًا من نسيج اللغة ذاته. القارئ لا يقرأ «قصّة ألم»، بل يعيش داخل حركة وعيٍ مضطربة، يتنفّس بصعوبةٍ بين الداخل والخارج. تتحدّث وولف في مقال «أراضٍ مجهولة» عن كيف يكشف المرض والألم النفس، ويغيّر شكل العالم. الكتابة عندها ليست وصفًا للألم، بل تجسيدًا له داخل الجملة المتدفّقة المتشقّقة.
أمّا مارغريت دوراس، فيأخذ الألم شكلًا مختلفًا: فراغاتٌ وصمتٌ وجملٌ قصيرةٌ نجَت بصعوبةٍ من الانهيار. لا اندفاع عاطفيًّا واضحًا، ولا تفسير مطوَّلًا. الكتابة لا تحاول «شرح» الألم، بل تتركه ناقصًا، مثقوبًا، كأنّ اكتماله سيجعله أكثر وحشيّةً. في «العاشق» أو «الألم»، يصبح الصمت طريقةً لحماية ما لا يُحتمَل. الكتابة «مثقوبة» بالفراغات، كخريطةٍ لكارثةٍ شخصيّة (الرغبة المدمِّرة، الانتظار، الفقدان…).
وعند توني موريسون، يتحوّل الألم إلى ذاكرةٍ جماعيّة، فالكتابة ليست اعترافًا شخصيًّا فحسب، بل حملًا ثقيلًا لتاريخٍ كاملٍ من العنف والنسيان. في «بيلوفد»، لا تتألّم الشخصيّات لوحدها؛ بل تحمل أثر قرونٍ من العبوديّة والاغتصاب والاقتلاع.
الكتابة فعل مقاومةٍ ضدّ محو الذاكرة. مفهوم «الريميموري» عند موريسون ذاكرةٌ تتجاوز الفرد، تطارد الأجيال، وتتطلّب جهدًا جماعيًّا لمواجهتها. كلّ جملةٍ تحاول أن تمنع العالم من النسيان.
مع سيلفيا بلاث، يصبح الألم أكثر حدّةً وجسديّةً وشخصيّة. في «الناقوس الزجاجيّ»، يُصوَّر الاكتئاب كغطاءٍ زجاجيٍّ يفصل الإنسان عن العالم: «للشخص داخل الناقوس الزجاجيّ… العالم نفسه كابوس». اللغة هنا حادّة، باردةٌ أحيانًا، ثمّ ملتهبة. الشعر في مجموعة «أرييل» يقترب من حدود الانتحار والولادة والدم. الألم ليس موضوعًا، بل مادّة الشعر: الجسد ينزف، والكلمات تنزف معه. بلاث تكتب كأنّها تحفر في جرحها لترى ما بداخله، وفي هذا الحفر تكتشف صوتًا أنثويًّا غاضبًا وقويًّا.

عند فيرجينيا وولف، لا يكون الألم حادثةً خارجيّةً يمكن سردها خطّيًا، بل اهتزازًا داخليًّا في الوعي (Getty)


سوزان سونتاغ تأخذنا إلى مستوًى آخر. في «المرض كاستعارة» ترفض تحويل الألم والمرض إلى رموزٍ أخلاقيّةٍ أو عقابيّة. تكتب وهي مريضة سرطان: «المرض ليس استعارة»، وتدعو إلى مواجهته بطريقةٍ أنقى، بعيدًا عن الخيالات العقابيّة أو البطوليّة. الكتابة عند سونتاغ محاولةٌ لتنقية النظر إلى الألم، لكي لا يصبح أداةً للوم الضحيّة أو تجميله زائدًا. هذا الرفض نفسه يصبح شكلًا من أشكال المقاومة.

لمساتٌ عربيّة: الألم لدى الكاتبة العربيّة
كذلك نماذج الألم لدى الكاتبات العربيّات كثيرة، وتستحقّ التوقّف في مقالٍ منفصلٍ لمنح الأصوات العربيّة خصوصيّتها، ويمكننا في هذا السياق التوقّف لدى ثلاثة أصوات:
حنان الشيخ التي تكتب الألم الجسديّ والجنسيّ والاجتماعيّ للمرأة العربيّة بصدقٍ قاسٍ ومباشر. في أعمالها مثل «حكاية زهرة» أو «مسك الغزال» أو سيرتها الذاتيّة، يصبح الجسد ساحة معركة: الرغبة، الخيانة، القمع، الهجرة، والفقدان. اللغة جريئة، كأنّ الكتابة شهادةٌ على ما يُسكَت اجتماعيًّا. الألم عندها ليس تأمّلًا شعريًّا فقط، بل واقعًا يُعاش في اللحم والدم.
وإيمان مرسال، التي تكتب الألم بطريقةٍ تأمّليّةٍ شاعريّةٍ نادرة، تجمع بين الذاكرة الشخصيّة والجماعيّة، والغياب، والمنفى. في «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها»، تكشف مرسال عن أشباح الأمومة بصدقٍ مؤلم: الموت أرحم من المرض النفسيّ، أنت لا تستطيع أن تمتلك ذكرى شخصٍ يفقد علاقته بالعالم أمامك يومًا بعد يوم.
وفي «في أثر عنايات الزيّات»، يتحوّل البحث عن كاتبةٍ انتحرت إلى رحلةٍ في الفقد والتيه والكتابة نفسها. تكتب مرسال عن عنايات (وعن نفسها): وجودي كعدمي، أنا إن وُجدتُ أو لم أُوجَد لن تهتزّ الدنيا. خُطاي لا تترك أثرًا وكأنّي أمشي على الماء، ووجودي لا يراه أحدٌ كأنّني كائنٌ غير مرئيّ.
أمّا فضيلة الفاروق، فهي تضيف صوتًا جريئًا آخر. في أعمالٍ مثل «تاء الخجل» و«اكتشاف الشهوة»، تحفر في ألم المرأة المكبوتة، الخجل، والرغبة الممنوعة. تكتب: كنتُ مشروع أنثى ولم أصبح أنثى تمامًا بسبب الظروف. كنتُ مشروع كاتبةٍ ولم أصبح كذلك إلّا حين خسِرتُ الإنسانة إلى الأبد.
الكتابة عند الفاروق فعل تمرّدٍ وخطر، يواجه القهر الاجتماعيّ والتاريخيّ بصدقٍ يقترب أحيانًا من الألم الجسديّ المباشر.

الكتابة كإعادة إيذاء
كلّ هؤلاء الكاتبات يجمعهنّ شيءٌ عميق: الكتابة لا تشفي الألم دائمًا. أحيانًا تُعيد إنتاجه، تُعيد فتحه، تُعيد إيذاء الكاتبة والقارئ معًا.
أبكي أمام الحاسوب، أنا لا أبكي على خيالي فحسب، بل أُعيد تمثيل ألمٍ حقيقيّ، أُعيد جرحي أو جرح الآخرين على الصفحة. الكتابة كإعادة إيذاء — هذه الفكرة أصبحت مفتاحًا لفهم نفسي. أفتح الجرح لأرى ما بداخله، لأسمّيه، لأجعله مرئيًّا. وقد أنزف أكثر.
لكن في هذا النزيف المتعمَّد ربما تكمن قوّة الكتابة. فهي تحوّل الألم الفرديّ إلى شيءٍ مشتركٍ، قابلٍ للشهادة. عندما أكتب، أُعيد إيذاء نفسي، لكنّني أيضًا أرفض أن يبقى الألم مخفيًّا أو منسيًّا. أجعله لغة، أجعله صوتًا، أجعله جسرًا بيني وبين كلّ من عاش مثله — من عنايات الزيّات إلى بطلتي الروائيّة.
ربما هذا ما يعنيه أن تكوني كاتبة: أن تقبلي أن تتألّمي مرّةً أخرى، كلّ مرّة، حتّى يصبح ألمكِ شاهدًا على آلام العالم.
ومع ذلك، يظلّ السؤال الذي يُثقل على رأسي: لماذا نعود إلى الكتابة إذا كانت تُعيد إنتاج الألم؟ ربما يكمن الجواب في التناقض الجميل الذي تعيشه كلّ كاتبة. نحن نكتب لنشهد على ما لا يُحتمل، ولنمنح الصوت لمن لا صوت لهنّ.
كلّما بكَت الكاتبة أمام شاشتها، فإنّها تؤكّد أنّ الألم ليس نهاية القصّة، بل هو مادّة القصّة نفسها. من وولف التي غرقت في نهر أوز، إلى بلاث التي أدخلت رأسها في الفرن، إلى عنايات الزيّات التي اختارت الصمت الأبديّ، تظلّ الكتابة شهادةً على أنّ المرأة حين تكتب فإنّها لا تهرب من ألمها، بل تواجهه، تُفكّكه، تُعيد تشكيله، وتُخرجه إلى العالم كي لا يبقى حبيس الصدور. وفي النهاية، حين تبكي الكاتبات، فهنّ لا يبكين على خيالهنّ فقط، بل أيضًا على واقعٍ ما زال يُنتج الألم بلا توقّف. وفي هذا البكاء بالذات تكمن مقاومتُهنّ الأعمق.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.