}

الهمذاني بين شخصيّات مقاماته وموضوعاتها

منى ظاهر منى ظاهر 26 مايو 2026
استعادات الهمذاني بين شخصيّات مقاماته وموضوعاتها
منمنمات مقامات الهمذاني




لطالما سَحرتنا عوالم المقامات وفنّ صنْعتها، منذ نشأتها في العصر العبّاسيّ، وقد ارتبط اسمها في البداية بـ بديع الزّمان الهمذانيّ. نستقرئ هنا شخصيّات مقاماته، وخصائص مجمَل موضوعاتها.

الشّخصيّات الرّئيسيّة، الثّابتة:

  • عيسى بن هشام؛ هو الرّاوية أو الرّاوي الرّئيسيّ لـ "مقامات بديع الزّمان الهمذانيّ". وهو رجل رحّالة، مولوع بالسّفر، لا تستقرّ له حال، ينتقل مِن بلد إلى بلد، فتارة هو في بغداد، وتارة في سَجسْتان، ومرّة في الكوفة، ومرّة في حِمص، ثمّ جرجان وأذربيجان وأصفهان والأهواز والبصرة وفَزارة وبخارى وقزوين ودمشق والموصل والرّصافة وشيراز وحلوان وأرمينيا ونيْسابور والصّيمريّة والشّام واليمن.

لا يكتفي الرّاوي برواية المقامات، بل يشارك في وقائعها وأحداثها، ممّا يجعله شاهدًا واقعيًّا على مجرياتها في المكان عينه، لذا يكون موقعه مِن الحكاية ثابتًا ودائمًا بالنّظر إليه كجزء أساسيّ منها، سواء كان شاهدًا في مرّات، أو فاعلًا أيضًا في مرّات أخرى. وهكذا فإنّه يصير شخصيّة مركزيّة أيضًا في حكايات المقامات الّتي تجري على لسانه.

هذا ما نستشفّه مِن دوره الحكائيّ وحضوره الفعليّ في المقامات، أمّا خارج تخييل الحكايات فلا نعرف ما إذا كان عيسى بن هشام شخصيّة حقيقيّة فعلًا، عاشت في عصر بديع الزّمان الهمذانيّ، أم هي شخصية مِن اختلاق مخيّلة صاحب "المقامات".

وهذا ما اختلف فيه البعض، إذ يذكر عدد مِن الباحثين أنّ عيسى ابن هشام كان شيخًا للهمذانيّ، ومنهم صاحب "تاريخ همذان"، أبو شجاع شيرويه، وينقل ذلك عنه ياقوت الحمويّ في "معجم الأدباء".

  • أبو الفتح الإسكندريّ؛ بطل المقامات الرّئيسيّ والمركزيّ، وهو رجل رحّالة أيضًا بالنّظر إلى أنّ الرّاوي عيسى بن هشام التقاه في كلّ الأمكنة والبلدان السّابقة، غير أنّه يختلف جذريًّا عن الرّاوي كونه اتّخذ مِن الكُدية والاستجداء مهنة.

مِن مواصفات شخصيّته أنّه متمكّن مِن العلم والأدب- فهو رجل ذو ثقافة موسوعيّة، تجمع بين التّفقّه في الشّعر والدّين والتّاريخ والطّبّ وشتّى العلوم. وأمّا ميزته الكبرى فإجادته لفنون القول، وامتلاكه للخطابة وسحْر البيان، إذ بهما يستأثر بالإعجاب ويخلِب الألباب، ويبهر النّاس المتحلّقين حوله، إمّا في المجالس أو سائر الأمكنة، وبهذا يتوسّل الوصول إلى مبتغاه، وهو كسب المال.

إذًا هو شخصيّة تتمتّع بقدرات هائلة على الاحتيال والمكر والخداع. كما يتفرّد بمواهب التّخفّي وتقمّص مختلف الشّخصيّات مِن ذوي العاهات في الأغلب. إنّه ممثّل بارع في إتقانه لأشكال النّماذج الإنسانيّة، وبالتّالي فوسيلته دائمًا فنّيّة وأدبيّة، وغايته مادّيّة في النّهاية.

وقد اختلف كثيرون حول هذه الشّخصيّة، هل أتى الهمذانيّ بها مِن واقع عصره أم من لُبّ مخيّلته؟ وقد صرّح النّاقد محمّد عبد المنعم خفاجي بأنّ أبا الفتح الإسكندريّ ليس شخصيّة تخييليّة، بل تاريخيّة في عصر الهمذاني، ويرجّح أنّها أبو دلف الخزرجيّ- المعروف بـ الينْبُعي وهو شاعر وأديب وطبيب ومنجّم ورحّالة شهير صاحب كتاب "عجائب البلدان".

وسبب هذا التّرجيح هو أنّ شخصيّة أبي دلف الخزرجيّ كان شاعرًا مرموقًا مِن شعراء الكُدية، روى عنه الهمذانيّ شعرًا كما جاء في يتيمة الدّهر للـ ثّعالبيّ: أنشدَني بديع الزّمان لأبي دلف، ونسبَه في بعض المقامات إلى أبي الفتح الإسكندريّ:

ويْحَكَ هذا الزّمانُ زورٌ فلا يغُرّنَّكَ الغرورُ

لا تلتزمْ حالةً ولكنْ دُرْ باللّيالي كما تدُورُ.

لكنّ أديبًا متأثّرًا بـ الهمذانيّ، كـ الحريريّ نفى قديمًا في مقدّمته لمقاماته، بأن يكون لشخصيّتي عيسى بن هشام وأبي الفتح الإسكندريّ مِن وجود واقعيّ وتاريخيّ، بل هما مِن صنع خياله: وكلاهما مجهول لا يُعرف، ونكرةٌ لا تتعرّفُ.

وجدير بالذّكر أنّ شخصيّة أبي الفتح الإسكندريّ رغم مركزيّتها ومحوريّتها في مقامات الهمذانيّ لم تظهر في المقامات: البغداديّة والنَّهيديّة والتّميميّة والبِشْريّة والمِغْزَليّة والغَيْلانيّة.

صفحات من مقامات الهمذاني


الشّخصيّات الثّانويّة، المتغيّرة

هي مُجمل الشّخصيّات الفاعلة في كلّ حكاية بحسب كلّ مقامة، وهي شخصيّات لا تتكرّر في المقامات التّالية، أي حدودها هي حكاية كلّ مقامة بعينها. وتنقسم هذه الشّخصيّات إلى نوعين:

  1. شخصيّات غير مسمّاة، يشار إليها بـ: فتية، رفقة، فتى، رجل، جماعة...
  2. شخصيّات مسمّاة تاريخيّة معروفة، مثل: بِشْر بن عوانة العبْديّ في المقامة البِشْريّة.

خصائص الموضوعات

تتعدّد الموضوعات مِن مقامة إلى أخرى، غير أنّ أكثرها حضورًا:

  • الكُدية والاستجداء:

في الغالب يحتال أبو الفتح الإسكندريّ على النّاس، وهو يستعير شخصيّة الأديب المتمكّن مِن الخطاب والبلاغة والبيان، إذ بهذه الأدوات يخلب عقولهم ويفتن أذواقهم، ويستأثر بإعجابهم فيما هو في الحقيقة محض شحّاذ أو مستجدٍ يتوسّل بالأدب بلوغ مآربه المتمثّلة في كسب المال.

وهو يستهدف في سعيه إلى الكسب شريحتين اجتماعيّتين:

*الأولى- مِن النّاس العامّة، ولذا تراه يتنكّر تارة كأعمى في الأسواق، كما في المقامة المكفوفيّة. أو رجلًا يعيل طفلًا فيطلب أهل الجامع التّعاطف، كما في المقامة البخاريّة. أو صاحب قرد يراقص قرده في حلقة، كما في المقامة القِرديّة.

*وأمّا الشّريحة الثّانية فهي علية القوم، بل الأمراء والملوك أنفسهم، مِن خلال مجالس سَمَرهم، كما في المقامة الحمدانيّة، في مجلس سيف الدّولة بن حمدان حين أوتِي بـ أبي فتح الإسكندريّ إلى هذا المجلس، باقتراح مِن أحد خدَمِهِ لمّا رآه يسأل النّاس بلغة قلَّ نظيرُها في البيان، وقد استُقدِم كي يصف فرسًا، فيبهر بوصفه المُبين سيف الدّولة وما مَنْ معه في المجلس.

في كلتا الحالتين، يتغلغل البطل في معرفة مجتمعه، ويشكّل صورة وافية عن عصره، حين ينزل إلى واقع النّاس ويعايش تناقضاتهم اليوميّة، كاشفًا عن النّفاق والزّيف والابتذال الإنسانيّ مِن جهة أولى، ومن جهة ثانية منصِفًا للقيم الإنسانيّة النّادرة أيضًا الّتي ما يزال يصُونها هؤلاء.

وبذلك ينقل صورة أمينة عن الصّراع الاجتماعيّ في عصره، ولا يقتصر الأمر على مساعيه الشّخصيّة الّتي يتوسّل بالأدب والبيان بلوغ مآربها المادّيّة.

جدير بالإشارة أنّ هناك مقامات خلت مِن الكُدية، وهي: الوعظيّة والمضيريّة والرُّصافيّة والشّيرازيّة والنّيسابوريّة والأهوازيّة والمُلوكيّة والخَمريّة والمارِسْتانيّة والعِلْميّة والحُلْوانيّة والمَجاعيّة والخَلَفِيّة والبصريّة والوصيّة والسّاريّة. لكنّ بديع الزّمان الهمذانيّ لم يتخلَّ عن استعمال الحيلة فيها أيضًا.

  • المديح:

تفرّدت ستّ مقامات للـ الهمذانيّ بالمديح، وقد خصّصها لوالي سجستان خلف بن أحمد الّتي أمضى فيها سنتين. فمن المعروف لدى العرب أنّ المديح يختصّ به الشّعر دون غيره مِن فنون القول، غير أنّ الهمذانيّ أبدع بالنّثر في التّطرّق لموضوع المديح وهو ما لم يكن شائعًا قبله. وكأنّه بذلك قد ارتقى بالنّثر ليتساوى مع الشّعر في ارتياد هذه الأغراض، فأثبت براعته في ذلك. وهذه قيمة أخرى يضيفها الهمذانيّ لفنّ النّثر عبر أدب المقامات. وهذا ما نجد له مثالًا بديعًا في المقامة الملوكيّة، بكلّ ما يستدعيه المديح مِن مهارة في الوصف، وبلاغة في الإطناب، وإبهار في التّشبيه.

  • الهجاء وفنّ المُثالبَة:

كما في المقامات: "الشّاميّة"، و"الرُّصافيّة"، و"الدّيناريّة"، غير أنّ هذه المقامة الأخيرة بلغت الحدود القصوى في فن المُثالبَة؛ وهو بلاغة النّعوت القبيحة. والحكاية مؤسّسة على التّباري والمنافسة في الشّتم بين أبي الفتح الإسكندريّ وأحد الشّحّاذين مِن أجل الفوز بدينار.

  • النّقد الأدبيّ أو الحسّ النّقديّ:

نكتشف الهمذانيّ عبر شخصيّاته ناقدًا فذّا، رصينًا، لاذعًا، مطّلعًا وموسوعيًّا. ففي "المقامة القريضيّة" يقيّم شعرَ كلٍّ مِن النّابغة وزهير وجرير والفرزدق. وفي "المقامة الجاحظيّة"، يوجّه نقدًا إلى الجاحظ وخطابته الّتي تعتمد السّلاسة والمباشَرة والإطناب، بل ويتجاسر عليه بنعته بالقُصور لخلوّ نثره مِن السّجع ولعدم قوله الشّعر. وفي المقامة الشّعريّة والمقامة العراقيّة يفصح عن ذائقة رفيعة في ذكر أوصاف شعريّة نادرة، أشبه ما تكون بأحجيات، ويورد لكلّ وصف بليغ مثالًا...

  • الوعظ الدّينيّ:

كما في نموذج المقامات الثّلاث "الأهوازيّة" و"الوعظيّة" و"الوصيّة"، وتشترك في الدّعوة إلى محبّة الله والزُّهد، مع كبح شهوات النّفس والدّنيا والتّفكير في الآخرة... إلخ.

  • الفلسفة:

خاضت المقامة "المارِسْتانيّة" موضوعًا له علاقة بالفلسفة أو علم الكلام أو المذهبيّة مِن خلال انتقاد مذهب المعتزلة بشكل لاذع.

  • التّعليم:

كما في المقامة "العِلميّة" والمقامة "الأسَديّة"، وقاسمُهُما المشترك هو التّحريض على العلم والتّحفيز على التّأدّب.

  • النّقد الاجتماعيّ:

يظلّ أهمّ موضوع مرتبط بحياة المجتمع العبّاسيّ، إذ يصوّر في أكثر مِن مقامة مَعيش النّاس ويصف حال البلد، كما في المقامة "البغداديّة"، مقدّمًا أشكالًا متعدّدة لفساد القضاء مثلًا، كما في المقامة "النّيسابوريّة"، زد على ذلك ألبسة أهل عصره، أكلهم وأساليب عيشهم وعلاقاتهم الاجتماعيّة... إلخ.

  • العجائبيّة:

مِن أطرف المواضيع، فهي الّتي تطرقت لعالَم ما وراء الطّبيعة، كما نرى في المقامة "الإبليسيّة"، حيث يلتقي عيسى بن هشام إبليس في وادي الجنّ، إذ ضلّت منه الإبل فخرج في طلبها، وفيما هو يبحث عنها التقى شيخًا في وادٍ أشبه ما يكون بواحة، مزهرة وبها أشجار، فسأله عيسى بن هشام إن كان يحفظ مِن أشعار العرب، وهذا ما أبهره به الشّيخ الّذي أنشده مِن شعر امرئ القيس ولبيد وطرْفة، ثمّ طلب منه عيسى بن هشام أن ينشده مِن شعره، فأنشد الشّيخ قصيدة هي في الأصل لـ جرير، فاستغرب عيسى بن هشام أن ينسبها الشّيخ لنفسه، وحين استفسره عن ذلك أخبره الشّيخ بأنه هو مَن أملاها على جرير، فما مِن شاعر إلّا وله مُعين مِن أهل الجنّ. قالها واختفى.

كما تتجسّد العجائبيّة في مقامة "الغيلانيّة"، إذ تقوم الحكاية على احتقار الشّاعر الفرزدق للشّاعر ذي الرّمّة وقد عاشا معًا في القرن الثّاني الهجريّ.

اخترع الهمذانيّ في هذه المقامة شخصيّة خياليّة سمّاها عِصمة بن بدر الفزاريّ، هذا الوسيط استدعاه الهمذانيّ كي يحكي قصّة الخلاف والهجاء والاحتقان بين الفرزدق وذي الرّمّة؛ إذ التقى عيسى بن هشام بـ عِصمة بن بدر الفزاريّ في جرجان في جماعة يروي لهم ما حدث له، إذ التقى ذا الرّمّة.

وتكمن العجائبيّة الزّمنيّة هنا في أنّ عصر عيسى بن هشام والهمذانيّ هو القرن الرابع الهجريّ، فيما القرن الّذي عاش فيه ذو الرّمّة هو القرن الثّاني الهجري، فكيف يحكي عِصمة أنّه التقى ذا الرّمّة وهما مِن قرنيْن مختلفين تمامًا؟!

  • المجون والشّبق:

لم يفُت المقامات أن تلتفت إلى وجه آخر متعلّق بمجالس المجون والشّبق، وهذا ما انصرفت له المقامتان "الشّاميّة" و"الرُّصافيّة"؛ وفيهما تظهر ميول شبقيّة ومظاهر جنسيّة كانت معهودة في العصر العبّاسيّ.

إلى جانب هذه المواضيع الّتي صنّفناها وأوردناها على سبيل المثال لا الحصر، يمكن الإشارة إلى مواضيع أخرى، كـ الخمر والغراميّات والنّوادر والفقه والحيلة.

في الختام، تحمل مقامات الهمذانيّ براعة أدبيّة وفنّيّة مِن خلال شخصيّاتها المستوقفة وموضوعاتها المتنوّعة الّتي عكست جوانب الحياة الاجتماعيّة والفكريّة بأسلوب إبداعيّ مشوّق ومؤثّر وناقدٍ.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.