ما تزال القبلة على شاشة السينما تخضع لجدل بين رؤية المخرج، ورغبة المنتج، وموقف الممثلة؛ فكثيرًا ما نقرأ أو نسمع عن ممثلة ترفض سيناريو فيلم لكونه يتضمن مشاهد ساخنة وقبلات. وفي حين يرى المخرج في القبلة توظيفًا دراميًا يعبّر عن حميمية المشهد العاطفي، ويرى أنها ضرورية للوصول إلى مصداقية المشهد ـ كما عبّر عن ذلك، مثلًا، المخرج رضوان الكاشف حين قال: «إن السينما مثل الدنيا، فيها قضايا كثيرة، منها الجنس، وعلى المخرج أن ينقل ذلك إلى الشاشة» ـ فإن المنتج يرى فيها ميزة تسويقية تسهم في انتشار الفيلم، انطلاقًا من فكرة أن المشاهد يرغب في أن يعيش القبلة على الشاشة، بل يبحث عنها أحيانًا.
وعلى هذه الأرضية، إذا ما وافقت الممثلة على مشروع القبلة، نجد المنتج قد أبرزها في دعايته للفيلم، حتى إننا صرنا نرى ملصقات لأفلام توحي بالمشاهد الساخنة من دون أن تتضمنها بالضرورة. أما الممثلة فإنها تقع بين نارين: نار رؤية المخرج، باعتبار القبلة جزءًا من السياق الدرامي، ونار موقفها الشخصي من هذه القبلة.
القبلة لا المشهد الساخن
والملاحظ أن الاختلاف يدور حول القبلة في حد ذاتها، وليس حول المشاهد الساخنة، أو الطرح الجريء. ففردوس عبد الحميد ـ مثلًا ـ ترفض القبلة على الشاشة، إلا أنها لا تمانع من تقديم طرح جريء، كما في فيلم «طائر على الطريق»، حين قدمت شخصية امرأة تعاني في حياتها الزوجية لارتباطها بشخص ثري عاجز عن إشباع رغباتها الجنسية. كذلك فإن ليلى علوي، التي تتحفظ أيضًا على القبلة، لا تمانع في المشاهد الساخنة التي تتضمن قدرًا من العري والإيحاء الجنسي، كما بدا في فيلمها «الرجل الثالث».
ويستوقفني، في هذا السياق، أن القبلة لم تكن موضع جدل في تاريخ السينما العربية؛ بل كانت موجودة ومألوفة في أغلب الأفلام، تُقدَّم بمناسبة ومن دون مناسبة، سواء أكانت في سياقها، أم خارجه تمامًا. فثمة كثير من الأفلام التي تختتم بمشهد لقبلة بين الحبيبين بعد صراع طويل مع الأحداث.
وأذكر، في هذا السياق، المشهد الختامي لفيلم «خلي بالك من عقلك» لعادل إمام وشريهان؛ فقد كان يمكن، فعلًا، تجاوز القبلة الختامية، طالما أن الفكرة وصلت إلى المشاهد، وهي أن الزوجين تمكنا أخيرًا من أن يعيشا حياتهما الزوجية بشكل طبيعي، بعد تجاوز العقدة النفسية لدى الزوجة، حيث كانت ترتعب كلما اقترب منها زوجها نتيجة تداعيات تعود إلى طفولتها، ومحاولة الاعتداء التي تعرضت لها.
أما فيلم «أبي فوق الشجرة»، الذي حطم الأرقام القياسية في عدد القبل، حتى إن جمهور الدرجة الثالثة كان يعدّها أثناء العرض، وقد بلغت تسعًا وتسعين قبلة، فقد تقبلها المشاهد من دون أن يشعر بأنها خارج السياق، خاصة وأن أغلب القبلات أدتها راقصة، وهو ما انسجم مع الصورة النمطية التي يحملها المشاهد عن الراقصات عمومًا.
لماذا أصبحت القبلة أزمة؟
أستعيد ذلك وأتساءل: ما الذي استجد حتى تهاجم الفنانات الصاعدات القبلة على الشاشة، ويعلنّ ذلك صراحة؟ وما الذي استجد حتى تتعرض كل ممثلة توافق على القبلة لانتقادات وأسئلة حادة؟
كما حدث مع الممثلة منة شلبي، التي لم تسلم من أقلام النقاد بسبب المشاهد الساخنة التي ظهرت بها في فيلم «الساحر»، فاضطرت إلى القول: «إن الشخصية التي أديتها في فيلم الساحر ليست أنا».
ولدرجة أن أحد الصحافيين وجّه سؤالًا للممثلة الصاعدة رولا محمود بسبب المشاهد التي ظهرت فيها في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي»، فقال لها: «ألم تخجلي وأنت تؤدين مثل هذه المشاهد داخل البلاتوه؟».
فردّت بالقول: «وهل يخجل الطبيب، أو المحامي، وهو يقوم بعمله؟ أنا أقوم بعملي، وهو التمثيل».
فعاد وسألها:
«ولكن ألستِ معي في أن بعض المشاهد كانت زائدة عن الحد؟».
فترد: «هذه وجهة نظر المخرج، وأنا أحترمها، وطالما ارتضيت أن أقدم معه الفيلم، ووافقت منذ البداية، فعليّ أن أنفذ تعليماته. وكما قلت: وظيفتي هي التمثيل».
وما يستدعي الانتباه أن التحفظ والجدل إنما يدوران حول القبلة في حد ذاتها، لا حول المشاهد الساخنة. وهذه مفارقة تعيدني إلى ما يحدث فعليًا على أرض الواقع في كثير من العواصم، حيث قد توافق بعض النساء اللاتي يعملن في هذا المجال على أشكال مختلفة من العلاقات العابرة، لكنهن يرفضن القبلة من الفم تحديدًا، لما تحمله من بعد عاطفي يتجاوز الفعل الجسدي نفسه.
فالقبلة، في جوهرها، ليست مجرد حركة عابرة؛ إنها تعبير عن إحساس قد يتجاوز حدود التمثيل، في حين أن الممارسات الأخرى ـ مهما بلغت ـ قد تُؤدى بصورة ميكانيكية، بمعزل عن المشاعر الحقيقية.
هل الأمر يتصل ببعض سيناريوهات الأفلام الركيكة، إلى درجة تجعل الممثلة تصل بشعورها إلى هذا المستوى، فتعلن رفضها تقديم مثل هذه الأدوار؟ أم أن السينما، التي تعكس الواقع بطريقتها الخاصة، قد تجاوزت الواقع نفسه من حيث الجرأة والحرية، فبدا كل ما تبوح به علانية مثيرًا لاستهجاننا.
من يوسف شاهين إلى خالد يوسف
يبدو أن الحديث عن القبلة على الشاشة لا ينفصل، في جانب منه، عن طبيعة العلاقة بين المخرج والممثلة، وعن صورة المخرج نفسه داخل الوسط الفني. فكلما شاع عن مخرج ما أنه يتعامل مع الممثلات بوصفهن أدوات لإثارة الجدل، أو لتحقيق حضور إعلامي، تحولت المشاهد الحميمة في أفلامه إلى موضع ريبة وتساؤل، لا إلى مجرد جزء من البناء الدرامي. ومن هنا يمكن فهم جانب من الحساسية التي باتت ترافق الحديث عن القبلة في السينما العربية، خاصة لدى بعض الممثلات الصاعدات اللاتي أصبحن أكثر حذرًا في التعامل مع هذه المشاهد.
وفي هذا السياق، يبرز اسم المخرج المصري خالد يوسف، بوصفه واحدًا من أكثر المخرجين إثارة للجدل، ليس فقط بسبب طبيعة أفلامه، بل أيضًا بسبب الصورة التي أحاطت به خارج الشاشة، وما رافقها من شائعات وأسئلة وانعكاسات ألقت بظلالها على طريقة تلقي أعماله نفسها.
ويرتبط اسم خالد يوسف بالمخرج الكبير يوسف شاهين، الذي تتلمذ على يديه، ورافقه في عدد من الأعمال، وكان آخرها فيلم «هي فوضى». غير أن العلاقة بين الرجلين لم تكن مجرد علاقة مهنية عابرة؛ فخالد يوسف بدا، في بداياته، مأخوذًا بتجربة شاهين إلى حد بعيد، حتى إنه اختار أن يقترن اسمه باسم أستاذه.
يوسف شاهين:
المخرج الذي يصنع عالمه الخاص
كان يوسف شاهين مخرجًا نخبويًّا بالمعنى الفني للكلمة؛ فآخر ما كان يشغله هو شباك التذاكر، أو عدد الحضور في صالات العرض. كان همه الأساسي أن ينجز رؤيته السينمائية كما يريدها، حتى لو جاءت أفلامه بعيدة عن المزاج الشعبي السائد.
وقد يؤخذ على شاهين ابتعاده أحيانًا عن نبض الشارع، خاصة إذا ما قورن بمخرجين واقعيين كبار، مثل صلاح أبو سيف، إلا أن هذا لم ينتقص من قيمته الفنية، ولا من قدرته على تقديم سينما شديدة الخصوصية. ففي أفلامه لا تبدو الصورة مجرد خلفية للأحداث، بل جزءًا من اللغة نفسها؛ الحوار مقتصد، والكادر محسوب، وحتى الشخصيات الثانوية تؤدي أدوارها بدقة توحي بأن لا شيء في المشهد موضوع مصادفة.
كما امتلك شاهين قدرة لافتة على إعادة اكتشاف الممثلين وتقديمهم بصورة مختلفة. فمن يشاهد نبيلة عبيد في «الآخر» يصعب عليه أن يراها بالعين نفسها التي ظهرت بها في أفلامها التجارية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى لبلبة، وماجدة الخطيب، وغيرهما ممن استعادوا معه وهجًا فنيًا خاصًا.
خالد يوسف:
من مشروع الأستاذ إلى رهانات السوق
| |
| خالد يوسف اعتمد في أفلامه على الجرأة، والصدام، والإيقاع السريع، والاقتراب من القضايا الملتهبة، على خلاف معلمه يوسف شاهين |
لكن خالد يوسف، بعد انفصاله الفني عن أستاذه، بدا وكأنه اختار طريقًا مختلفًا. فهو لم يكن معنيًا بالنخبوية التي التزم بها يوسف شاهين، بل حاول الاقتراب أكثر من الجمهور العريض، معتمدًا على أفلام تقوم على الجرأة، والصدام، والإيقاع السريع، والاقتراب من القضايا الملتهبة.
في فيلم «أنت عمري»، حاول تقديم دراما رومانسية عن رجل وامرأة يجمعهما المرض والحب، وكاد ينجح في ذلك، لولا الإطالة في الثلث الأخير من الفيلم، حين استمر في تتبع الشخصيات بعد وصول الحكاية إلى ذروتها الطبيعية، ففقد العمل جزءًا من توهجه.
وفي «خيانة مشروعة»، بدا واضحًا ميله إلى التشويق المباشر، حتى على حساب العمق الإنساني للشخصيات، بينما ذهب في «حين ميسرة» إلى أقصى درجات القسوة البصرية والاجتماعية، محاولًا تقديم صورة صادمة عن العشوائيات والفقر والتطرف. غير أن المبالغة في الحشد الدرامي جعلت بعض الشخصيات تبدو وكأنها تتحرك داخل عالم شديد القتامة، أقرب أحيانًا إلى الاستعراض منه إلى الواقع.
ولا يمكن، هنا، تجاهل أن الجدل الذي أحاط بصورة خالد يوسف الشخصية انعكس على طريقة النظر إلى أفلامه، وإلى طبيعة المشاهد الحميمة فيها تحديدًا. فحين يصبح المخرج نفسه موضع نقاش دائم لا يعود المشاهد يتلقى القبلة، أو المشهد العاطفي، بوصفه جزءًا عاديًا من الدراما، بل يبدأ في البحث عما وراء الكواليس، وعن طبيعة العلاقة التي تربط المخرج بالممثلة، وعن الحدود الفاصلة بين الفن والاستغلال.
وربما لهذا السبب تحديدًا أصبحت بعض الممثلات الصاعدات أكثر تحفظًا تجاه هذه المشاهد، وأكثر ميلًا إلى إعلان رفضها لها بصورة علنية، ليس فقط بدافع أخلاقي، أو اجتماعي، بل أيضًا بسبب مناخ كامل من الشكوك والالتباسات بات يحيط بهذا النوع من الأدوار.


تحميل المقال التالي...