}

حين يتكسّر الثبات الدلالي عند أعتاب الأزرق

إسراء عرفات 6 مايو 2026


في كلّ مرة تقعُ فيها عيني على عبارة إبراهيم نصر الله: "الحرية هي الشيء الوحيد الذي يجعلكَ تُشبه نفسك"، أستذكر مقطعًا شعريًا لأحمد شوقي يقول فيه: "وللحرية الحمراء بابٌ بكلّ يدٍّ مضرجةٍ يُدقّ"، ثمّ أستذكر مقطعًا غنائيًا آخر للسيدة فيروز تقول فيه: "يا حرية يا زهرة نارية يا طفلة وحشية"، وأفكّر عندها في لون الحرية الأحمر التي يأتي المقطعان كما لو كانا يُريدان أن يُطبّعاه في أذهان الجماهير.

أشعر في تلكّ اللحظة بأنّ رأسي يرفعُ شعار ممانعته لتطبيع الحرية باللون الأحمر، لأنّه يَقرنها بلونٍ آخر هو الأزرق؛ هذا اللون الذي يأتي دائمًا وكأنّه يُحاكي مقولة حسين البرغوثي "طوبى لمن يتّسعون"، إذ يمتدّ في مساحات الحياة ولوحاتها، ويبسطُ نفسه فيها رافضًا الوقوع تحت وطأة الضيق أو الانكماش أو الانحسار وغيرها من الصفات المتعلقة بالثبات الدلالي وما يرتبط به من ملل وسأم.

وكأنّ الأزرق يعلنُ انتفاضته الدائمة على حالات الثبات والتكرار، ويصرّ على أن يبرز في المساحات الحياتية بدلالات ومعانٍ متعدّدة، تحكي عنه كلون حمّالٍ للأضداد؛ يَحتمل امتداد السماء وعمق البحر في آنٍ معًا، ولا يقيم على معنى واحد، بل يظلّ عابرًا بين دلالاته، كأنّه يرفض أن يُختَزل، ويأبى إلّا أن يبقى مفتوحًا على احتمالاته.

في هذا السياق، تكثر الأعمال الأدبية والفنية العربية والأجنبية التي يتسلّل الأزرق في متونها تاركًا بعضًا من دلالته فيها، ومن هذه الأعمال رواية "دنيا زاد" (دار الشروق، 2022) للكاتبة المصرية مي التلمساني، وهي رواية تروي فيها الأم فاجعتها بموت طفلتها (دنيا زاد) وهي في رحمها نتيجة انفصال تام في المشيمة، حيثُ يشعر القارئ باللون الأزرق وهو يُخيّم على جو الرواية العام، ويأتي كلون يقود إلى الموت ويدلّ عليه.

تكثر المواضع التي تُشير فيها الأم إلى الأزرق كلون موتٍ امتقع به وجه طفلتها لما لفظت أنفاسها الأخيرة، وظلّت تتذكّرها به، إذ تقول: "انمحت صور دنيا زاد من الذاكرة. لم يبقَ سوى لونين. الأزرق وجهها، والأبيض أكفانها. وقريبًا لا تبقى سوى ذكرى باهتة عن درجة ما من درجات الأزرق".

ربّما أنّ ذكرى الأم عن طفلتها في رواية "دنيا زاد" تَصلح لأن تكون ذكرى إنسانية كونية عن صور أحبائنا الميتين، أولئك الذين نراهم في رقدتهم الأخيرة مكلّلين بالأزرق المتوحش، بشفاه زرقاء، وجلد أزرق بارد.

هناك عمل فنّي آخر يظهر فيه الأزرق محمّلًا بدلالة أخرى لا تشير إلى الموت تمامًا وإن كانت ترتبط به، وهو مسلسل "جلسات نسائية" من كتابة أمل حنا وإخراج المثنى صبح، فمشاهد المسلسل ممتلئة بلوحات تظهر في كادراته معلّقة في منازل البطلات الأربع، وهي لوحات تعود إلى الفنان السوري صفوان داحول، ويطغى عليها اللون الأزرق، والأزرق فيها ليس لون ديكور ولا إحالة جمالية عابرة؛ بل لون يُعبّر عن الحزن الذي يعتري النساء على اختلاف همومهنّ وتنوّعها، وكأنّه يصلح للتعبير عن مزاج نسائي كوني أو حالة شعورية عابرة للفوارق بين النساء.


يجيء الأزرق هنا حمّالًا لهموم البطلات الأربع ومعبّرًا عنها؛ إذ يحمل في طيّاته حيرة هالة، الأم العزباء، بين الاستماع لدقّات قلبها وتربية ابنتها، ويعكس في جنباته انتظار سلمى فرصتها في الزواج، تلك التي تقول في يوم الخميس من كلّ أسبوع: "إجا الخميس ولسا ما اتزوجت"، كما تروي تدرّجاته أوجاع عايدة في توقها إلى شعور الأمومة، وافتقاد رويدا لوجود الرجل المناسب في حياتها.

يظهر الأزرق في متن اللوحات كمَن يحكي عن نفسه بأنّه الحمّال الوفي لما تبقّى من هموم النساء على وجه الأرض، ويروي أنّه المساحة الأكثر قدرة على احتواء آلامهنّ والتعبير عنها؛ من أبسطها إلى أكثرها تعقيدًا، من بكاء امرأة أمام حادثة كسر ظفرها، إلى تفجّعها أمام فقدان أحد أبنائها.

الأزرق في هذه اللوحات هو لون الحزن الخاصّ بكلّ واحدة من البطلات الأربع، لكنّه في الوقت ذاته لون الحزن العام، الذي يُمثّل أرضية مشتركة تجتمع عليها نساء الأرض كافة بحكم الجنس والطبيعة الأنثوية، وهو الحزن الذي روته مي زيادة حين قالت: "إنّ تاريخ المرأة استشهادٌ طويل".

من الأعمال الأخرى التي تقود مباشرة نحو الأزرق ودلالاته كتاب "الضوء الأزرق" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004) لحسين البرغوثي، وهو كتاب سيرة يروي فيه البرغوثي بعضًا من أحداث حياته في شكل سردي مبتكر يمتزج فيه الأدب بالفلسفة، وتتداخل في متنه حدود العقل والهذيان، حتى لا يعود معها القارئ يُفرّق بينهما.

يقود عنوان كتاب "الضوء الأزرق" إلى السرد كحالة جنونية منفلتة من عقال الشكل الأدبي والأسلوب، حيثُ يُرشِد إلى ما أورده قاسم حداد في كتابه "ليسَ بهذا الشكل ولا بشكلٍ آخر" (مسارات للنشر والتوزيع، 2015)، وهو الذي يؤكّد فيه على ضرورة قيام المبدعين بالسعي لإحداث ما أسماه "الاختراق التعبيري" في نصوصهم، أي تجاوز أشكال الكتابة الأدبية السائدة، والوصول بنصوصهم إلى أشكال كتابة أكثر حرية وتمردًا، وذلك في سبيل غاية مفهومة تستهدف كسر سلطة الشكل في النصّ الأدبي، والتحليق به خارج فضاءات التحديد والتقييد.

يُمكن القول إنّ جماليات السرد في "الضوء الأزرق" تتجلّى بوضوح، ليس فقط فيما أحدثه حسين البرغوثي من اختراقٍ تعبيري، بل أيضًا في ما تُحدثه هذه الجماليات في أذهان قرّائها من اختراقٍ تأويلي يتجدّد مع كلّ قراءة؛ إذ تتبدّل طبقات المعنى، وتنكشف تدريجيًا مساحاتٌ لم تكن مرئيّة في القراءة السابقة.

هناك أيضًا قصيدة "طائر أزرق" للشاعر الأميركي تشارلز بوكوفسكي، التي يظهر فيها الأزرق كعلامة على هشاشة الإنسان الداخلية، ذلك الجزء الرقيق في الذات الذي يريد أن يخرج ويعبّر عن نفسه، لكنه يُقابَل بقسوة العالم الخارجي وبقسوة الإنسان على نفسه أيضًا. الطائر الأزرق هنا هو الإحساس بالضعف، والرغبة في البكاء، وصوت الرقة الداخلي الذي يُراد له أن يبقى مخفيًا حتى لا يربك إيقاع النجاح والاستقرار والشهرة في حياة الشاعر/ الإنسان على العموم.

تتضح دلالة الأزرق مباشرة في قول بوكوفسكي: "في قلبي طائر أزرق يريد الانطلاق، لكنني أعامله بقسوة، آمره بالبقاء وأقول: لن أسمح لأحد مطلقًا أن يراك!"، حيث يتحول الداخل الإنساني الهشّ إلى شيء يُقمع ويُمنع من الظهور. ويستمر هذا القمع في صورة أكثر حدّة: "أسكب عليه الويسكي، واستنشق دخان السجائر"، وكأن الذات تحاول تخدير هذا الضعف بدل مواجهته أو التعبير عنه. ومع ذلك، يظلّ هذا الطائر حيًا، يظهر خافتًا في الليل: "سمحت له بالخروج أثناء الليل أحيانًا"، مما يؤكد أن الهشاشة لا تختفي، بل تُؤجَّل وتُخفى فقط، وتبقى جزءًا حيًا في الداخل رغم كل محاولات كبتها.

أما أغنية "أزرق" لباسل زايد فينفتح فيها الأزرق على العديد من المعاني والدلالات، وخصوصًا تلكَ المعاني المتعلّقة بالمرأة وعالمها، فهو لون يأس النساء عندما يفوتهنّ قطار الزواج "البنات القطر فاتهن بخّ تحت عنيهن أزرق"، ولون انكسارهنّ الهشّ وتخبّئهنّ في عتمة يومية متعبة "واللي ضايعة تستخبى تحت ليلة هلس أزرق"، ولون وقايتهنّ من العين والحسد "والجميلة كي لا تُحسَد كان لا بدّ الفصّ الأزرق".

أخيرًا، فإنّ فرج بيرقدار يقرن في روايته "خيانات اللغة والصمت" (دار الجديد، 2006) بين الحرية والزرقة وهو يصف لحظة خروجه من السجون الأسدية، حيثُ أصابته ما سماه بـ"صدمة الحرية"، تلك التي استشعرها عندما استنشق الهواء لأول مرة خارج الأسوار، ويقول بيرقدار إنّ الزرقة المفاجئة خنقته، ولعلّ هذا الاقتران الذي أقامه بيرقدار يُعدّ دليلًا بارزًا على الاستحقاق الدلالي للأزرق كلون يُشير إلى الحرية ويَرمز لها ويدلّ عليها. 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.