الحرب والسلم كلمتان تتردّدان على امتداد كل القرون. فهما لفظتان تستدعي واحدةُهما الأخرى. الثانية هي ظلّ للأولى. الثانية حاضرة في الأولى بشكل لا يُصدّق. كلمة وشبحها. لفظة وظلها. وفي مجال الأدب قام الروائي الروسي ليون تولستوي بمنحهما الشهرة اللازمة بفضل روايته الضخمة "الحرب والسلم"، التي نشرها متسلسلة في صحيفة بين عامي 1865 و1869. تسرد الرواية تاريخ روسيا خلال فترة حكم نابليون الأول، وخاصة الحملة الروسية عام 1812.
وإذا أردنا الانتقال إلى الرواية الأميركية، فالحرب الأهلية الأميركية (1861-1865) تُعدّ موضوعًا رئيسيًا في الأدب الأميركي، إذ تتناول الانقسام الوطني والعبودية والصدمات النفسية. كما أن هناك روائع أدبية أخرى مثل "ذهب مع الريح" لمارغريت ميتشل، صوّرت فيها المؤلفة الحياة في الجنوب في أثناء الحرب، إلى روايات واقعية أخرى مثل "العلامة الحمراء للشجعان" لستيفن كرين، والتي صوّرت الحياة النفسية لجندي شاب، و"الجبل البارد" لتشارلز فريزر، وتصور الرحلة الطويلة لجندي هارب من جيش الكونفدرالية للعودة إلى الوطن. كل هذه الروايات صوّرت وحشية الحروب والصراعات الدامية.
بعد هذا العرض السريع لهذه الروايات العظيمة في أدب الحرب، يمكن طرح هذا السؤال: هل هناك حروب عادلة؟ وهل من المعقول استعمال مثل هذه الكلمة؟ نبحث عن جزء من الجواب عن هذا السؤال الكبير عند الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني برتراند راسل (1872-1970)، الذي عُرف أيضًا بكونه داعية للسلام. تتسم رؤية الحرب في فكر الفيلسوف برتراند راسل بتطور عميق، إذ انتقلت من الواقعية إلى نزعة سلمية جذرية والتزام راسخ. ويمكن إيجاز النقاط الرئيسية في فكره حول الحرب في كونه، على الرغم من اعترافه بشرعية بعض الحروب الدفاعية في بداية مسيرته، كما في كتابه "أخلاقيات الحرب"، أصبح راسل معارضًا شرسًا للحرب العالمية الأولى، مما أدى إلى سجنه عام 1918. كما أنه اعتقد أن الحرب تسلب الفرد إنسانيته وتفرّده وحقّه في المواطنة.
الفلاسفة ليسوا بمنأى عن هذا الموضوع. فهم لا يرون في الحرب مجرد مواجهة من أجل نيل النصر وإلحاق الهزيمة فقط، بل تناولوا موضوعة الحرب باعتبارها صراعًا دمويًا لا يرحم يضع الموت في صميم اهتمامات الأمة بأسرها. حتى لو ركّز هؤلاء الفلاسفة على الحياة بدلًا من الموت، وفضّلوا المشاعر التي تقوّي إرادة الحياة والقدرة على الفعل، ورفضوا تلك التي تُضعف هذه الرغبة وتُعيق القدرة على الفعل، فإن الموت حاضرٌ بإلحاح كل يوم؛ فهم في نهاية المطاف يؤمنون به، أو بالأحرى، يُقاد كل واحد منهم إلى الإيمان بموته أو موت عزيز عليه، وهو الرجل (الجندي) المُضحّى به. يُضحّى بحياة سعيدة من أجل حياة بطولية، ويُضحّى بالنفس من أجل ما يُسمّى بالدولة القومية. يجب الحفاظ على ذكرى المقاتل والاحتفاء به كبطل، يجب وضع جثامين الموتى في قلب المدينة. هنا الأمر يتعلق بتمجيد البطل، أي الجندي الشهيد. يرى جلّ الفلاسفة أنهم بإمكانهم التضحية بأبنائهم ليصبحوا جنودًا يقاتلون من أجل الأمة. لا أحد منهم يُشجّع أبناءه على تجنّب القتال: يُهنّئ برغسون ابنه الروحي بيغي على تجنيده وانضمامه إلى الجبهة، وكذلك يفعل هوسرل وفرويد ("ميتافيزيقا الحرب: الموت والجندي"، كتاب جماعي: إدموند هوسرل، هنري برغسون، برتراند راسل، سيغموند فرويد وروجر برويرون).
يرى برتراند راسل أنه يمكننا أن نذكر العديد من الحروب التي تم تبريرها قانونيًا. وفعلًا، فقد شهدت الإنسانية حروبًا كثيرة ادّعى فيها أحد طرفي النزاع هذا التبرير. ولكن يمكننا أيضًا أن نتحدث عن حروب يُتوقّع منها الخير لا الشر؛ وهنا نعتمد تصنيفًا مختلفًا. وقد كان من السهل عليه ذكر هذه الحروب. إن مقاومة المستعمر تقع في خانة الحرب العادلة. لقد كان الإنكليز عادلين في حربهم ضد الإسبان. ونفس الشيء بالنسبة للهنغاريين الذين قاوموا وناضلوا من أجل الحرية. الإنكليز ربحوا المعركة، فيما الهنغاريون خسروها. نفس الشيء يمكن قوله عن المغرب والجزائر وتونس وليبيا. لكن ب. راسل يقول إننا إذا بدأنا بالحكم بناءً على النتيجة، فسيكون تقييمنا مختلفًا تمامًا. قد نتساءل: هل يمكن أن يخرج شيء جيّد من الحرب؟ لنفترض حربًا بلا أي مبرر قانوني على الإطلاق: "على سبيل المثال، احتلال البيض لأميركا الشمالية. يمكنني القول، عمومًا، إنه كان أمرًا جيدًا، رغم انعدام الأساس القانوني لها".
الحروب العادلة بالنسبة إلى راسل هي حروب التحرير. إنها عادلة بشكل مطلق. لكنها لم تكن كذلك من الناحية القانونية. يؤكد راسل: "من الحقائق أنه إذا ذهبت إلى الولايات المتحدة، فعليك أن تدين جورج واشنطن ضمنيًا؛ وعليك أن تؤكد أنه لا ينبغي استخدام القوة أو العنف ضد أي حكومة قائمة بشكل قانوني. بالتأكيد إن ما أقوله هنا هو مجرد نظرة إلى الماضي" (برتراند راسل، رؤيتي إلى العالم، غاليمار، 1962، ص. 39).
لا بد من التنقيب أكثر في فكر ب. راسل، وسنكون على عجلة من طرح هذا السؤال: هل هناك حروب نجحت؟ قياسًا على قوله عن الحروب العادلة. جوابًا على السؤال يعطي راسل مثالًا من الماضي عن الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر، وهما مثالان استثنائيان عن عبقرية الحرب. كان قيصر يحارب في الصفوف الأولى، ويتصرف كملك محارب تكتيكي؛ بل كان أقرب إلى الاستراتيجي والسياسي، وقاد جيوشه بطموح إمبراطوري مماثل. كانا معًا ينطلقان في خوض الحروب بدون مبررات قانونية، لكن حروبهما كانت لها نتائج جيدة. لقد نشرت قوات الإسكندر الهيلينية في جميع أنحاء الشرق الأدنى، كما نشرت اللغة اليونانية، وحافظت للأوروبيين على التراث الثقافي لليونان. "من المرجح جدًا أننا اليوم لن نعرف ما قدمه الإغريق للحضارة لو لم يكن الإسكندر موجودًا... أما يوليوس قيصر فغزا بلاد الغال، ووحّدها مع العالم المتحضر، ومن ثم تمكنت اللغة الفرنسية، التي نعجب بها كثيرًا، من الظهور من جديد. وكل ذلك بفضل قيصر"!


تحميل المقال التالي...