}

حين يؤكد السياسي أنه لا يقول شعرًا

راسم المدهون 8 مايو 2026
استعادات حين يؤكد السياسي أنه لا يقول شعرًا
انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، 1988 (Getty)
في العلاقة بين الشعر والسياسة مساحةُ فراغ تملؤها عادةً هواجس وتحفظات، بعضها موضوعي ومفهوم، غير أن الكثير منها متوارث ولا مبرر حقيقي له، وهو يعكس وعيًا شعبويًا شائعًا ينسب إلى الشعر ما ليس فيه، فيدفع السياسي كلما رغب في التعبير عن وضوح أفكاره إلى سؤال جمهوره: هل أنا أقول الشعر؟
سؤال ناشز، بدءًا من أنه يضع الشعر وجهًا لوجه نقيضًا للحقيقة التي لا تحتمل رؤيتين للواقع الأحادي حتمًا، وغير القابل للرؤية في صورة غير الصورة الوحيدة. الشعر هنا، وفي سياق نظرة تتجاوز المجاز وتنفي علاقته بأية فكرة مغايرة في الشكل الخارجي، حتى ولو كانت حاملًا موضوعيًا لإيصال المضمون في صورة أجمل، وقادرة على التعبير عن نفسها بكثافة بلاغية تملك إيقاعها وتشي بالرؤية أكثر وأصدق، وأقرب إلى حضور المخيلة وتأثيرها.
السياسي يبدو في جملته الموروثة والمتداولة تلك يضع الشعر العربي عمومًا في مكانة لا علاقة جدية لها بالتاريخ العربي، بكل ما فيه من أحداث كبرى ساهمت كثيرًا في تشكيل الثقافة والوعي وبلورة ما يمكن أن نسميه طرائق التفكير وأدوات التعبير عن الحياة، بل ووسائل النظر إلى جوهر الأشياء. وفي سياق نظرٍ يبدو منساقًا وراء المألوف والشائع، دون تقليبه على عواهنه أو استبصار مضامينه، فالحقيقة التاريخية لا تسكن القصائد الشعرية ولا تنضبط لأحكامها، وهو قول صحيح، ولكنه لا يجوز له أن يعني وضع الشعر خارج الواقع وجعله نقيضًا ومجافاةً له، بل يضع الشعر (أهم فنون التعبير بالكلام) في مقامٍ لا يصلح سوى في جلسات السهر، حيث التباسط والأحاديث الجميلة، ولكن التي لا تضر ولا تنفع، ولا يجوز لأحد أن يعتبرها بالأساس أحاديث جدية، ينساها الناس عادةً في اليوم التالي.
من ينسى ما قاله القيصر عند سماع مخاوف العرّافين بأن مؤامرة ستقع لاغتياله، فراح يتحدث عن ثقته بالمحيطين به، حتى قيل له أخيرًا: انتبه لكاسيوس، إنه لا يحب الشعر.
قال تلك الجملة العبقرية شكسبير على لسان عرّاف، ليختصر فكرة أهم، هي أن من لا يحب الشعر هو بالضرورة مجرد عقل بارد لا عواطف لديه، أي أنه هو ولا أحد غيره من يمكنه أن يكون متآمرًا، بل وقاتلًا بين مجموعة من أصدقاء القيصر المقربين.
في المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في العاصمة الجزائرية عام 1988، وبخصوص "وثيقة الاستقلال" التي صدرت عنه، سرت إشاعة بين الحضور أن المجلس سحب من محمود درويش مهمة كتابة الإعلان، وحين سألته عن الحقيقة قال لي حرفيًا إنه أساسًا لم يكن مكلفًا بكتابة إعلان الاستقلال، بل فقط كتابة المقدمة الاستهلالية، التي كان مطلوبًا ومهمًا أن تكون بلغة أدبية تتناسب مع فكرة طموح الفلسطينيين كشعب لتحقيق استقلال، والتأكيد على أنه ينطلق من حقائق سياسية وتاريخية صحيحة، وما يبقى بعد تلك المقدمة الأدبية هو شأن قانوني يكتبه المختصون في القانون الدولي بالصيغة التي لا تخالف ما استنّه العالم من قوانين.




نتحدث عن الشعر والمسافة التي يضعه البعض فيها، بعيدًا عن الحقيقة والواقع، فنرى أن وعيًا يرى الأشياء بكيفية حرفية وصارمة الشكلانية، هو وعي يجانب أسس الحضارة وتوثبها النابع أصلًا من فكرة إنسانية كبرى لا ترى أن العلوم والاختراعات والاكتشافات الكبرى في التاريخ لم تكن قبل اختراعها واكتشافها إلا "مجرد أحلام" في مخيلة أصحابها، فهم من رسموا صورها في خيالهم أولًا، ثم سعوا بعدها لتحقيقها في الواقع بشتى السبل والوسائل والأساليب.
أبرز ما قيل عن الشعر الحديث من اتهامات أنه في كثير منه "غامض" ويتعالى على الجموع من القراء المفترضين، وهو اتهام يقارب فكرة الشعبويين عن مفارقة الشعر للحقيقة وبُعده عن الواقع، وهي الفكرة التي قلنا إن السياسي حين لا يفهمه سامعوه سيرد مستنكرًا بأنه لا يقول شعرًا، مع أنه هو نفسه سيعود في مقام آخر من خطبته للاستشهاد بأبيات شعرية حين تعوزه الحاجة لاستثارة حماسة مستمعيه وحثهم على النهوض بأمر ما يدعوهم لتحقيقه. يفترض الشعر المجاز أحيانًا كثيرة، بل إنه يجعل المجاز زورقه الجميل لعبور بحار الواقع كما بحار الخيال، لأن كونه فنًا بالتحديد هو ما يسوقه نحو تلك النقطة البعيدة التي تبدو كنجمة تشع وتصل كل حدود الأرض، فتلفت انتباه الآخرين وتحثهم على تتبعها والاستئناس بضوئها الخافت، وحتى جعله علامة في دروب المسافرين برًا وبحرًا، والساعين إلى رؤية العالم في صورة حيوية تفاعلية، لها سحرها وقدرتها على مواصلة الحياة بهدي يقيم مكانة عليا للجمال والحق والسلام.
تتأسس الحضارة بعلومها واختراعاتها، لكن تلك العلوم والاختراعات تحتاج بالضرورة إلى أن تكون متحدة مع المخيلة الطموحة التي تسعى لاكتشاف الجميل، وتحرص في الوقت نفسه على أن يكون الجميل قيمة عليا تحترم العواطف وتعطيها فطنة الخيال ومساراته وانتباهاته. ومن يحدق في التاريخ يرى أن شكسبير مثلًا ظل حاضرًا في الزمان ووعي الناس وثقافاتهم المتنوعة، بالرغم من غياب سياسيين وقادة كبار ومرموقين، لا لشيء سوى أنهم خاضوا معاركهم وحروبهم الكبرى والصغرى في ساحات القتال والموت، فيما الشعر خاض حروبه النبيلة وقبض على جوهر الحقيقة التي لا يناقض حقيقتها الواقعية، بل يعيد صقلها بالفن وجماله وتقديمها في لغة فكرية وبصرية من نوع آخر يحمل كثيرًا من الألوان.
وفي قراءة العلاقة بين الشعر والسياسة بونٌ شاسع، لكنه وهمي، ينتشر ويشيع بسبب من ثقافة الثابت وتعويلها على المباشر والشكلي، بكل ما فيه من التزام حرفي بصورة الأشياء ووضعها بطريقة زجرية في تناقض حاد مع الفن ومع جموح المخيلة وتحليقها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.