يتميّز المشروع الأكاديمي والنقدي والترجمي والإبداعي للكاتب المغربي حسن بحراوي بقدرته اللافتة على استيعاب مجالات كتابية وبحثية متعددة داخل أفق ثقافي واحد، وإثرائها بتراكم كتبه المنشورة والمؤثرة، من دون أن تقع هذه التجربة متعددة الاهتمامات والنصوص في التشتّت، أو التجاور السطحي.
من هنا، يمكن النظر إلى تجربة حسن بحراوي، النقدية والإبداعية، في تنوعها وتراكمها المتصاعد، بوصفها مشروعًا منفتحًا لا يكتفي باقتحام حقول السرد الروائي والقصصي والنقد الأدبي، بل يمتد إلى فضاءات ثقافية متعددة، حيث يتقاطع الأدبي والفني بالنقدي، والتاريخي بالذاتي والجماعي، والكتابي بالشفهي. ففي كتابة بحراوي، على سبيل المثال، لسير بعض الأعلام والفاعلين، من عالم الأدب والفن والثقافة (بزيز وباز وعبد الصمد الكنفاوي وناس الغيوان ورواة طنجة وشيوخ غناء العيطة، وغيرهم...)، هو لا يكتب "سيرًا" بالمعنى البيوغرافي والتوثيقي المحض، وإنما يعيد بناء ذوات هؤلاء، في أبعادها المختلفة، الشعبية والعالمة والرمزية، داخل سياقاتها الثقافية المختلفة، كاشفًا عن شبكة العلاقات التي تربط الإبداع عمومًا بالتحولات الاجتماعية بشكل خاص.
فعندما يقترب بحراوي، مثلًا، من تجربة الثنائي المغربي الساخر "بزيز وباز"، فهو لا يكتفي برصد مسارهما الفني، بل يقرأ الكوميديا بوصفها خطابًا نقديًا مموّهًا يعكس توترات المجتمع وأسئلته المؤجلة. وبالمثل، في تناوله لشخصية الراحل عبد الصمد الكنفاوي، فهو ينفتح على المسرح كفضاء للتجريب الثقافي، حيث تتداخل الكتابة مع الإخراج، والفكر مع الممارسة، في سياق مغربي كان يبحث وقتها عن صوته الحداثي الخاص.
إن هذا الامتداد في اهتمامات حسن بحراوي البحثية يكشف عن وعي نقدي لا يرى الثقافة في حدودها الضيقة، بل باعتبارها كيانًا متشابكًا تتجاور فيه الأجناس والتعبيرات. ولذلك، فكتاباته عن سير الآخرين ليست خروجًا عن مشروعه الثقافي، لأنها تتيح له أن يقرأ الذات المغربية في مرايا متعددة، وأن يعيد طرح سؤال الثقافة بوصفه سؤالًا عن الإنسان في تحوله الدائم.
والباحث بحراوي إذ يتنقل بين تلك المجالات كلها، فبغاية وصلها ضمن رؤية نقدية ترى في الأدب ظاهرة ثقافية مركبة، تتجاوز حدود النص إلى ما يحيط به من أنساق وتمثلات، من ثم، يبدو تعدد اهتماماته وكأنه امتداد طبيعي لمنهج يقوم على الربط والتداخل، لا على الفصل والعزل، وهو ما "يبرز حسن بحراوي باحثًا متمكنًا في مجال اهتماماته وانشغالاته الثقافية، وناقدًا سباقًا إلى تناول قضايا وظواهر وحالات ثقافية غير مطروقة من قبل، بما يعني، هنا، أن بحراوي ما فتئ يشتغل بتأن وذكاء، في إطار مشروع فكري ونقدي يكمل بعضه بعضًا، من بين أجمل خصوصياته كونه مشروعًا يشتغل على البعد المغربي تحديدًا، في صوره وتمظهراته المختلفة، الفنية والأدبية والثقافية والفكرية" (عبد الرحيم العلام، حسن بحراوي: عاشق السير، ضمن كتاب "لن تسعفنا العبارة..."، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء 2011، ص 57).
من هذا المنطلق، تتخذ أعمال حسن بحراوي طابعًا تركيبيًا، حيث تتغذّى مقارباته السردية، على سبيل المثال، من حسّ ثقافي ونقدي منفتح، وتستفيد قراءاته للتعبيرات الأدبية والشعبية، وغيرها من أدوات التحليل الأدبي، في تطور مناهجه ومدارسه الغربية، في حين تتيح له الترجمة، كما يمارسها بحثًا وتنظيرًا ونصًا، توسيع أفقه النظري، وإدماج مرجعيات جديدة في مساءلة النصوص التي ترجمها، أدبية وتاريخية وإثنوغرافية، وهذا التفاعل المستمر بين الحقول جميعها يمنح مشروع بحراوي دينامية خاصة، ويجعل من كل اشتغال جزئي مدخلًا لإضاءة أسئلة أوسع تتعلق بوظائف الأدب والنقد والترجمة والثقافة الشعبية، وأشكال حضورها في المجتمع.
الغناء المغربي
ينطلق بحراوي في كتاباته عن الغناء المغربي من موقف نقدي واضح إزاء ما يمكن تسميته بـ "المركزية الثقافية النخبوية"، التي طالما همّشت الأشكال الشعبية، أو دعت إلى تجاوزها تاريخيًا (عبد الله العروي على سبيل المثال، في دفاعه عن حداثة تقوم على القطيعة المعرفية، وهو ينظر إلى الأشكال الشعبية بوصفها تعبيرًا عن مرحلة تاريخية تقليدية ينبغي فهمها ثم تجاوزها، وهي عنده جزء من "بنية ذهنية" سابقة على الحداثة، أي أنها مرتبطة بالشفاهية، وبوعي غير تاريخي بالمعنى الدقيق...)، وذلك لصالح أنماط تعبيرية مكتوبة، أو "عالِمة". لذلك يتجه بحراوي إلى الاهتمام بما كان يُعدّ هامشيًا أو ثانويًا، كغناء "العيطة"، والحكاية الشفوية، والفرجة الشعبية، ليعيد إدماجه في قلب الدرس النقدي، وهذا الاختيار ليس بريئًا أو محايدًا، بل هو موقف معرفي لدى بحراوي يروم توسيع مفهوم الثقافة نفسه، بحيث يشمل كل ما تنتجه الجماعات في حياتها اليومية، لا فقط ما يُؤسس داخل المؤسسات الأكاديمية، أو الثقافية والأدبية...
ومن الناحية المنهجية، يكشف هذا الاشتغال عند بحراوي عن تداخل واضح بين النقد الأدبي والدراسات الثقافية والأنثروبولوجيا، فهو لا يكتفي بتحليل النصوص أو الأشكال، بل يسعى إلى فهم شروط إنتاجها وتداولها داخل المجتمع، مستحضرًا السياقات الاجتماعية والتاريخية التي تمنحها معناها. كما يتجلى في أعماله المنشورة حسّ توثيقي قوي يتجسد في جمع المعطيات المختلفة، وكذا البيوغرافيات، وتصنيفها (نصوص الأغاني، كُتاب الكلمات، ملحنون، مغنون، الأجواق الموسيقية، أعضاء المجموعات الغنائية…)، وهو ما يندرج ضمن محاولة أوسع من الباحث لحفظ الذاكرة الثقافية الشعبية من النسيان والاندثار.
غير أن أهمية هذا المشروع البحثي لدى حسن بحراوي حول الأغنية المغربية لا تكمن فقط في موضوعه، بل أيضًا في أفقه النقدي؛ إذ يسهم في إعادة صياغة العلاقة بين المكونين "الشعبي" و"النخبوي"، عبر تجاوز تلك الثنائية من التعالي والدونية التي حكمت طويلًا النظر إلى الثقافة الشعبية. فبدل اعتبارها مجالًا للتسلية، أو الفولكلور، يقدمها بحراوي بوصفها فضاء لإنتاج المعنى، ومكونًا حيًا من الهوية الثقافية، لا مجرد بقايا من الماضي، ومجالًا غنيًا بالدلالات الجمالية والشعرية والسردية، وأيضًا مجالًا لفهم التحولات الاجتماعية العميقة.
وبذلك، يمكن القول إن انشغال حسن بحراوي بالثقافة الشعبية عمومًا، وفي صلبها الأغنية المغربية، لا يندرج فقط ضمن اهتمام ذاتي، أو موضوعي، بل يشكل رهانًا معرفيًا أوسع يسعى إلى إعادة كتابة تاريخ الثقافة المغربية في أحد مكوناتها الأساسية، من زاوية مختلفة تجعل من الصوت الشعبي ـ في تنويعاته ـ عنصرًا مركزيًا في فهم الذات الجماعية، وإدراك تحولاتها.
على هذا النحو، إذًا، يشكل انشغال بحراوي بالثقافة الشعبية أحد الأعمدة المركزية في مشروعه النقدي، وليس مجرد اهتمام عابر، أو جانبي. فالغناء المغربي، ضمن هذا الأفق، يُفهم عنده بوصفه جزءًا من منظومة أوسع هي الثقافة الشعبية، بكل تجلياتها الشفوية والرمزية والاحتفالية. ومن ثمّ، فإن اشتغاله على الأغنية المغربية يندرج ضمن تصوّر أشمل يسعى إلى إعادة الاعتبار لهذه الثقافة بوصفها حاملًا للمعنى، وفضاء لإنتاج الوعي الجماعي.
وفي هذا الإطار، نستحضر إسهامات حسن بحراوي في الكتابة عن الغناء المغربي، كونه يعد، بالمناسبة، من الباحثين المغاربة القلائل الذين تمثلوا الغناء المغربي في كتاباتهم، وواصل الاشتغال عليه في أنماطه المختلفة، تأريخًا ونقدًا وتوثيقًا، وهو ما تبرزه كتبه الثلاثة الصادرة على التوالي في هذا المجال، بدءًا بكتاب "فن العيطة بالمغرب: مساهمة في التعريف"، الصادر سنة 2002 عن منشورات اتحاد كتاب المغرب في الرباط، وفيه يركّز حسن بحراوي على مقاربة فن "العيطة" بوصفها نداء، أو صرخة جماعية تعبّر عن الألم، أو الفرح، أو المقاومة، وباعتبارها أحد أهم أشكال الغناء الشعبي المغربي، وأشهرها وأعقدها، فيدرس أنواع هذا الفن الشعبي (ممثلًا بالحصباوية، والحوزية، والمرساوية...) وسياقاته الاجتماعية والتاريخية، مع شرح خصائص كل نوع على حدة. ويعد هذا الكتاب مدخلًا أساسيًا لفهم الجذور الشعبية للغناء المغربي، ما يجعل "العيطة" خطابًا شفهيًا يحمل ذاكرة جماعية وتاريخًا اجتماعيًا، وتتمثل خلاصة رؤية بحراوي في هذا الكتاب، في اعتباره "العيطة" بمنزلة أرشيف شفهي حيّ يعكس نبض المجتمع المغربي في عمقه القروي والشعبي، فيما يتجسد بعدها التاريخي في علاقتها بفترات المقاومة والاستعمار أحيانًا. ويربط بحراوي هذا الفن بسياقه القبلي والاحتفالي، مبرزًا علاقته بالمواسم والأعراس، ودور "الشيخات" في نقل هذا التراث، ومؤكدًا أن "العيطة" تشكل جزءًا من الاقتصاد الرمزي للفرجة، حيث تتقاطع الوظائف الفنية والاجتماعية.
تُبرز هذه المقاربة مدى اهتمام بحراوي بالثقافة الشفوية، حيث تصبح "العيطة" وثيقة تاريخية غير مكتوبة، تحفظ تجارب الجماعة، بما في ذلك لحظات المقاومة والتحول. وفي هذا السياق، تبدو "العيطة"، نموذجًا دالًا على هذا التوجه؛ فهي ليست مجرد موضوع دراسة، بل مدخلًا إبستمولوجيًا لفهم كيفية اشتغال الثقافة الشعبية. فالعيطة، بما هي خطاب شفهي، تكشف عن آليات حفظ الذاكرة خارج الكتابة، وعن قدرة الجماعة على تحويل التجربة التاريخية إلى مادة رمزية قابلة للتداول والامتداد والتجدد. ومن هنا، فإن اهتمام بحراوي بـ"العيطة" يتقاطع مع مقاربات أنثروبولوجية ترى في الشفهي نظامًا معرفيًا قائمًا بذاته، لا مجرد مرحلة بدائية تسبق الكتابة...
تلا الكتاب السابق كتاب "الأغنية المغربية العصرية: التاريخ والاتجاهات"، الصادر سنة 2024، عن مطبعة جوهر العلوم بمكناس، ويعد أهم عمل صادر حول الغناء المغربي العصري. وفيه يقدّم حسن بحراوي قراءة تاريخية لتطوّر الأغنية المغربية الحديثة منذ بداياتها المرتبطة بالإذاعة في الثلاثينيات، حيث يربط نشأة هذا الشكل بظهور الإذاعة، وتأسيس الأجواق الموسيقية. وقد أسهمت هذه المؤسسة في نقل الأغنية من الفضاء الشفهي إلى الإنتاج المنظم.
ويناقش فيه الباحث التأثيرات الخارجية المشرقية (خصوصًا المصرية والشامية) على الذوق المغربي، الذي سعى تدريجيًا إلى بناء خصوصيته، بحيث يحلل بحراوي التأثيرات المشرقية، عادًا إياها مرحلة من مراحل التكوين، قبل أن تتجه الأغنية نحو بناء خصوصيتها المحلية، كما يتناول فيه نشأة الأجواق الموسيقية، وتحوّلات الأغنية بين المحلي والمستورَد. ويضم الكتاب أيضًا معاجم للملحنين، وكتاب كلمات الأغاني، ونماذج من الكلمات. وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه لا يكتفي بالتأريخ، بل يحاول فهم الاتجاهات الجمالية والاجتماعية للأغنية المغربية العصرية، مفسرًا التحولات الفنية التي طرأت عليها بتغيرات سياسية واجتماعية.
ويمتد هذا الوعي بالثقافة الشعبية لدى حسن بحراوي إلى تحليله للأغنية المغربية العصرية، حيث لا يراها قطيعة مع التراث، بل تحوّلًا في أشكال التعبير داخل الحقل الثقافي نفسه. فحتى عندما تدخل الأغنية مجال الإنتاج المؤسسي تظل مشبعة بعناصر مستمدة من الثقافة الشعبية، سواء على مستوى الإيقاع، أو اللغة، أو الموضوعات. فما يهم بحراوي هنا هو تتبع كيف تستمر الثقافة الشعبية داخل أشكال حديثة، وكيف يعاد تشكيلها وفق شروط جديدة من دون أن تفقد جذورها بالكامل.
فيما صدر الكتاب الثالث:"بصدد الظاهرة الغيوانية" سنة 2024 عن مطبعة جوهرة العلوم بمكناس. وهو عبارة عن دراسة نقدية حول الظاهرة الغنائية الغيوانية (خصوصًا تجربة المجموعة الغنائية الشهيرة "ناس الغيوان")، باعتبارها واحدة من أهم الظواهر الفنية/ الغنائية في المغرب الحديث، نشأت في سياق اجتماعي وسياسي متوتر خلال سبعينيات القرن الماضي. والظاهرة الغيوانية (بمكوناتها المختلفة: مجموعة ناس الغيوان، مجموعة جيل جيلالة، مجموعة المشاهب، مجموعة تكادة، مجموعة أوسمان، مجموعة إنزارن)، هي، حسب حسن بحراوي، ليست مجرد تجربة موسيقية، بل حركة ثقافية ذات بعد احتجاجي وشعبي.
ويحلل بحراوي في هذا الكتاب الخطاب الفني لهذه الظاهرة ودورها الثقافي، وينظر إليها كظاهرة فنية متميزة يصعب تكرارها، ويتحدد بعدها الاحتجاجي في التعبير عن هموم الناس، والفقر، والقمع، والبحث عن الحرية، ما جعلها تتحول إلى وسيلة للتعبير عن القلق الاجتماعي، وعن الاحتجاج الرمزي، وإلى صوت شعبي واسع الانتشار، ممثلة لحظة فنية فريدة في المغرب، حيث يلتقي الفن بالاحتجاج، والتراث بالمعاصرة.
في هذا الكتاب، أيضًا، تظهر الثقافة الشعبية بوصفها خزانًا رمزيًا يُعاد توظيفه في سياق معاصر ذي بعد احتجاجي. فالتجربة التي تمثلها مجموعة "ناس الغيوان"، على سبيل المثال، لا تُفهم، في نظر بحراوي، إلا من خلال استعادتها لعناصر من التراث الشعبي، ثم إعادة شحنها بدلالات جديدة تعبّر عن القلق الاجتماعي والسياسي. وهنا تتحول الثقافة الشعبية من مجرد موروث إلى أداة نقد واحتجاج قادرة على التعبير عن توترات الحاضر.
وعمومًا، فعند جمع هذه الكتب الثلاثة لحسن بحراوي، يتضح أن مشروعه يقوم على ربط الغناء المغربي بسياقه الاجتماعي والتاريخي، والنظر إليه كخطاب ثقافي لا مجرد ترف فني، وتتبع تطوره من الشعبي (العيطة) إلى الحديث (الأغنية العصرية) إلى الاحتجاجي (الغيواني). وهكذا، يكشف لنا تحليل منهج حسن بحراوي في دراساته حول الغناء المغربي عن مشروع نقدي متماسك يتجاوز الوصف والتأريخ إلى بناء رؤية ثقافية مركّبة للفن، باعتبار الأغنية المغربية، هنا، ليست مجرد لحن أو نص، بل باعتبارها خطابًا ثقافيًا يعكس تحولات المجتمع، فـ"العيطة"، مثلًا، يقرأها كذاكرة جماعية للقبيلة، و"الأغنية العصرية" يربطها بصعود المدينة وتغير الذوق، أما "الظاهرة الغيوانية" فيبرز بعدها الاحتجاجي، وهو ما يجعل بحراوي، هنا مرة أخرى، مساهمًا في حفظ الذاكرة الفنية المغربية، بما يقرب منهجه من مناهج النقد الثقافي التي ترى الفن جزءًا من البنية الاجتماعية، لا معزولًا عنها، ما يجعله نقدًا ثقافيًا تاريخيًا وتوثيقيًا يقرأ الغناء المغربي بوصفه خطابًا اجتماعيًا متحولًا.
ومن أبرز نقاط قوة تحاليل حسن بحراوي في كتبه الثلاثة اشتغاله على فنون تعدُّ، وإلى يومنا هذا، مهمشة أكاديميًا، مثل "العيطة"، وانفتاحه على الثقافة الشفوية، لا النخبوية فقط، وهنا تقترب تحاليله من توجهات الأنثروبولوجيا الثقافية، حيث يصبح "الهامش" مركزًا للفهم، كما تقترب من النقد العقلاني أكثر من الانطباعي.
هكذا يقدم لنا حسن بحراوي، من خلال هذه الأعمال مجتمعة حول الغناء المغربي (كما هي الحال في أبحاثه الأخرى حول الأصول السوسيوثقافية للمسرح المغربي، في تناوله لمجموعة من الظواهر الشعبية ذات الصلة الوثيقة بالقوالب المسرحية البدائية السابقة على ظهور المسرح بمعناه الحديث)، تصورًا متكاملًا للأغنية المغربية بوصفها مسارًا تاريخيًا وثقافيًا يبدأ من الذاكرة الشفوية، مرورًا بالتحديث المؤسسي، ووصولًا إلى التعبير الاحتجاجي الواعي. وبذلك، تتحول الأغنية المغربيّة في أنواعها المختلفة، وفي مشروع بحراوي البحثي، من مجرد فن، إلى وثيقة حيّة تتيح إمكان فهم المجتمع المغربي في تحولاته العميقة والمتلاحقة...


تحميل المقال التالي...