يكاد يتّفق جلّ الباحثين الذين درسوا اليوميات الخاصة على أن لهذا الجنس الأدبي خصائص قارّة وثابتة، أهمها الافتقاد إلى بنية واضحة، وإلى منطق سردي مثل ذلك الذي نجده في أقرب الأجناس الأدبية إليها، مثل السيرة الذاتية والمذكرات، ثم كونها تتوفر على مساحة مثالية للحرية؛ فهي مكان لتفريغ أعباء العقل وللتعرّف على الذات بشكل أفضل. سنحاول في هذه المقالة الإجابة عن سؤالين أساسيين: هل يمكن لليوميات الخاصة أن تتخذ مكان المقدّمة في أعمال كاتب معيّن، إلى درجة أنه يمكن اعتبارها أفضل وأجمل ما كتب في حياته (حالة أندريه جيد وتولستوي وألبير كامو مثلًا)؟ وهل يمكن لهذه اليوميات أن تتجاوز كونها مجرد ملخصات يومية، وقوائم لأحداث، وتأملات سريعة لما مرّ به الكاتب، بحيث نجده يكتفي بتدوين ثلاثة إلى خمسة أشياء إيجابية أو سلبية جعلته يندفع نحو توثيقها وهو يبتسم أو يبكي؟ وبطبيعة الحال يمكن أن تتفرّع عن هذين السؤالين أسئلة أصغر من حيث الأهمية والحجم، من قبيل: هل يمكن لليوميات أن تصبح مساحة مفتوحة للنفس؟ للمشاريع الإبداعية؟ للأحلام؟ أو لخطط السفر والعمل؟
اليوميات الخاصة هي نصّ فريد من نوعه. ولن نجد هنا أفضل من يوميات الكاتب الفرنسي أندريه جيد، فهي تتجاوز الحدود المألوفة، وتتحدى المعايير الأخلاقية السائدة، سواء تعلّق الأمر بالمحرّمات الجنسية، أو الأفكار الجاهزة، أو العبارات المبتذلة، أو الأيديولوجيات، أو الدين. لأن كاتب اليوميات عمومًا، وأ. جيد خصوصًا، يحتفظ في الوقت ذاته بمدًى ورحابةٍ يفوقان التوقعات.
قد نتساءل تلقائيًا: لماذا يوميات أ. جيد؟ إن ذلك لن يحتاج إلا إلى شرح قصير. فبالرجوع إلى السيرة الذاتية، يؤكد الدارسون على أن بزوغ السيرة الذاتية وبلوغها مرحلة الوعي الذاتي الكامل، أو، إن شئنا، تاريخ نضجها واكتمالها كجنس أدبي (وهو ما يختلف عن تاريخ نشأتها الفعلية الذي لا يزال غير محدد بجان جاك روسو)، فإن اليوميات الخاصة لم تُعتبر جنسًا أدبيًا قائمًا بذاته إلا حين ظهور يوميات أندريه جيد. في هذا الصدد تكتب الناقدة البارزة بياتريس ديدييه: "لن تُعتبر اليوميات جنسًا أدبيًا قائمًا إلا عندما بادر كتّاب كبار، من أمثال أندريه جيد، إلى نشر يومياتهم للجمهور، وهم لا يزالون (الكتّاب) على قيد الحياة".
| |
| تُعدّ "يوميات مزيّفي النقود" دفتر تدوين إبداعيًا كتبه أندريه جيد بين عامي 1919 و1925، وصدر عام 1926، ليكون مصاحبًا لروايته الكبرى "مزيّفو النقود" |
لقد لعبت يوميات أندريه جيد دورًا رياديًا؛ إذ ساهمت في الارتقاء باليوميات الخاصة إلى مصافّ الأعمال الأدبية القائمة بذاتها وهو على قيد الحياة. إن نقطة التحوّل في هذا الجنس الأدبي كامنة في أ. جيد باعتباره أحد أوائل الكتّاب البارزين الذين نشروا مذكراتهم خلال حياتهم، كاسرًا بذلك التقليد القاضي بنشر المذكرات حصرًا بعد الوفاة. إضافة إلى أن هذه اليوميات شكّلت حصيلة عمر. لقد كان أ. جيد ينظر إلى يومياته بوصفها عملًا قائمًا بذاته، حيث أثراها بتأملاتٍ حول أسفاره، وعمله كروائي (كما حدث إبّان كتابة رواية "مزيّفو النقود")، والتزاماته السياسية.
"مزيّفو النقود"، هنا، مربط الفرس. قلّة من الكتّاب يواظبون على تدوين يومياتٍ لأعمالهم بالتوازي مع كتابة الرواية، ثم ينشرونها في حياتهم؛ غير أن أندريه جيد فعل ذلك تمامًا مع روايته الشهيرة التي تتناول مرحلة المراهقة المضطربة، "مزيّفو النقود".
توثّق "يوميات مزيّفي النقود" حوار جيد المستفيض مع شخصياته في أثناء تبلورها داخل رواية "مزيّفو النقود" (نُشرت عام 1925). فمن خلالها، ينغمس الكاتب في الأجواء الملبّدة التي تعيش فيها شخصياته الرئيسية؛ إدوارد (الذي يدوّن هو الآخر يومياتٍ خاصة به)، وأوليفييه مولينييه، وبرنار بروفيتانديو، وغيرهم. وفي خضم هذه العملية، يتعلّم جيد التعايش معهم، متجاوزًا أحيانًا حدود الرواية ذاتها. وتُتيح هذه اليوميات، التي تعمل أيضًا بمثابة "دفتر بحث" للعمل، فهمًا أعمق لآليات الإبداع، والفكر النقدي، ونزعة السخرية لدى هذا الروائي العظيم.
تُعدّ "يوميات مزيّفي النقود" دفتر تدوين إبداعيًا كتبه أندريه جيد بين عامي 1919 و1925، وصدر عام 1926، ليكون مصاحبًا لروايته الكبرى "مزيّفو النقود". يمثّل هذا العمل مختبرًا حقيقيًا للكتابة، حيث يكشف عن تأملات المؤلف النظرية وشكوكه وعملية تشكّل وتأليف عمله الأدبي. ومن حيث النشأة والتصوّر والمشروع، دوّن أ. جيد هذه اليوميات بالتزامن مع كتابة الرواية، مما أتاح له فحص البنية الأدبية والدخول في حوار مع شخصياته. يضمّ العمل، من حيث المحتوى، دفاتر تضمّ ملاحظات جمالية، وقصاصات صحافية تتناول أحداثًا واقعية، ومسودات أولية للشخصيات، ومراسلات مع القراء. لذلك شكّلت هذه اليوميات قطيعة مع التقاليد. لقد اعتبر جيد هذا الكتاب "روايته الحقيقية الأولى"، إذ سعى من خلاله إلى التحرر من الأعراف السردية التي اتسمت بها أعماله السابقة. لقد خصّص أ. جيد هذه اليوميات لواحدة من رواياته التي تُعدّ اليوم واحدةً من أهم روايات القرن العشرين. كما أنها تُعتبر تمهيدًا لحركات أدبية مثل "الرواية الجديدة". وفي عام 1950 نالت "الجائزة الكبرى". كما أُدرجت ضمن قائمة "أفضل روايات نصف القرن العشرين".
هكذا سجّل أ. جيد في يومياته رؤية متعمقة للصعوبات التي واجهها ومصادر كتابته للرواية. فقد حرص على تضمين يومياته مقالات صحافية كملاحق، إلى جانب مسودات لحوارات، مع تحفّظه على اتخاذ أي موقف نظري من كتابة الرواية. إنها تكاد تكون "بيانًا جماليًا" صاغ فيه أ. جيد بوضوحٍ وحزمٍ مبادئ الكتابة، وتجربة القراءة المنشودة، التي تحكم ممارسته الإبداعية بما يتجاوز نطاق هذه الرواية وحدها (مثل الرغبة في زعزعة استقرار القارئ، وضرورة إعادة قراءة النص، وما إلى ذلك). وبينما صُمّم العمل في الأصل ليكون "دفتر تمارين" مُهدًى لزميلٍ روائي من أبناء عصره (جاك دو لاكريتيل)، فإنه يغدو في نهاية المطاف شاهدًا على اهتمام جيد الدائم والمستمر بفعل الإبداع ذاته. وبذلك تشكّل "يوميات مزيّفي النقود" دليلًا على أن اليوميات الخاصة لا تُكتب فقط للشهادة، أو لتسجيل مجريات الأيام، بل أيضًا للغوص في أعماق الأفكار النقدية.


تحميل المقال التالي...