غالبًا ما تُستعاد تلك الحادثة، الاغتيال، عند تذكّر تلك الحرب التي استمرت حتى نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1918، وغالبًا ما تصبح الحكاية الأكثر شعبية لدى عامة الناس، ربما لما احتوته من دراما فبركتها وزادتها تشويقًا السنوات الطويلة منذ ذلك الوقت.
في الواقع، حادثة سراييفو هي الشرارة، وليست البرميل. فالبرميل كان يزداد امتلاءً منذ نهاية القرن التاسع عشر، إلى أن وصل حدّ الانفجار عند تلك الحادثة، فاندلعت الحرب.
وضع العالم اليوم يأتي بالقرائن من التاريخ في محاولة لفهم ما يجري، ما يطرح أسئلة متنوعة، على رأسها سؤال: هل كان العالم حينها يفهم الأسباب التي أدّت إلى اندلاع الحرب، أم إن هذا الفهم جاء متأخرًا؟ وكم علينا أن ننتظر، انطلاقًا من اليوم، لنفهم ما يجري في العالم، ونفهم انزياح طبقات القوة في عالمنا، التي يزحزحها زلزال على مستوى الكرة الأرضية، وما هو موقعنا ودرجة خطورته في هذا العالم؟
بالرجوع إلى أرشيف التاريخ، يمكن فهم الصورة بشكل أكثر وضوحًا، فحادثة اغتيال وريث الإمبراطورية النمساوية المجرية كانت هجومًا سياسيًا في منطقة تمور بالتوترات، وخريطتها غير مستقرة. هذا الاضطراب جذب القوى الكبرى حينها، من الإمبراطورية النمساوية المجرية التي تريد الهيمنة على مملكة صربيا، وكانت إمبراطورية متعددة الأعراق، لذا فهي ضعيفة أمام النزعات القومية الصاعدة منذ عقود، إلى روسيا التي ترنو إلى حماية نفوذها بين السلافيين، إلى ألمانيا التي ترقب حليفها الإمبراطورية النمساوية-المجرية وتنظر إليها كشريك في الجنوب الشرقي، ثم المملكة المتحدة وفرنسا اللتين كانتا قد وقّعتا اتفاقًا "وديًا" في عام 1904 يسوّي النزاعات ويحقق تقاربًا سياسيًا، من دون أن ننسى الإمبراطورية العثمانية الآيلة إلى السقوط، والتي في بداية القرن العشرين كانت تفقد الأراضي المنضوية تحت سلطتها في البلقان. هذا التراجع خلق فراغًا في السلطة، فعندما تضعف سلطة ما، يحاول العديد من الفاعلين ملء هذا الفراغ، وكلّ تراجع عثماني سوف يحرّض ويحرّك النزعات القومية لدى الإمبراطوريات الأخرى، كما إن تراجع العثمانيين يفتح باب المنافسة الدولية التي تمهد لأحداث عام 1914. وبهذا تشكّل البلقان ساحة صراع بين هذه القوى.
وهناك التنافس البحري، على وجه الخصوص بين لندن وبرلين، فالمملكة تدرك أن قارة يسيطر عليها الألمان ستكون خطرة، وبالتالي راحت تبحث عن حلفاء، بينما الجانب الألماني الذي كان يطوّر سفنه البحرية والحربية على وجه الخصوص، يرى في هذه التحالفات أو التقارب نوعًا من الحصار، وهكذا فإن التوترات البحرية تُعدّ من أسباب الحرب العالمية الأولى، فالحرب المحتملة لا تتعلق بالحدود فحسب، بل بالتجارة والموارد والطرق الإمبراطورية. إن الطرق البحرية كانت منذ ذلك الحين هدفًا استراتيجيًا وبالغ التأثير والخطورة، إلى يومنا هذا الذي أكدت فيه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أهمية الممرات المائية والطرق البحرية في الحياة البشرية والصراعات بين القوى الكبرى، والاستراتيجية البحرية تفتح أبوابًا، ربما تفوق التوقع، على سيناريوهات متطرفة، مثل الحصار والحرب الاقتصادية، التي تُربك القادة من أضعف الدول إلى أقواها.
وفي الحديث عن الحرب العالمية الأولى، لا يمكن إغفال نتائج الثورة الصناعية والتقدم التقني وفائض رأس المال الذي راح يبحث عن ميادين استثمارات خارجية ويرنو إلى تأمين الموارد والسيطرة على الطرق، في ظل نزاع متنامٍ بين الإمبراطوريات السائدة حينها، هذا أيضًا ساهم في تطوير ابتكارات وصناعات عسكرية، والاستثمار في الأسلحة والخدمات اللوجستية، ففي نهاية القرن التاسع عشر، دخلت أوروبا مرحلة أصبحت فيها القوة العسكرية تعتمد على الصناعة.
هناك الصلب الذي استُخدم لصناعة مدافع أقوى، وسفن أثقل، وسكك حديدية أكثر، والكيمياء التي طوّرت المتفجرات والذخيرة، وهناك القطارات، والتلغراف الذي سرّع الاتصالات، كل هذا ساهم، إضافة إلى التوترات والنزاعات المضمرة، ومنطقة البلقان التي هي ملتقى بين أوروبا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأدنى، والتي كانت الحدود فيها تتعارض مع نزعات الشعوب نحو "لملمة" الهوية القومية، فهناك السلاف الجنوبيون، واليونانيون، والبلغاريون، والألبان وغيرهم، يعيشون في دول مختلفة أو في إمبراطوريات عدة، ساهم في اندلاع الحرب التي تُعدّ الأكثر دموية في التاريخ.
لكن ماذا عن حالة الشعوب، وعن دور الإعلام في التحضير للحرب وإذكائها، بل وجعلها تشكّل رمزًا للسيادة لدى الشعوب وتستنهض الهويّات القومية، وتجعل في المقابل الأداء العسكري انعكاسًا لهذه المشاعر، بل ومطلبًا شعبيًا أيضًا؟ الرأي العام والصحافة أداتان فائقتا الأهمية بالنسبة إلى السلطات، وبينما كانت الإمبراطوريات التي ترسّخ سردياتها الخاصة فوق أراضيها المترامية وتقدّم المعارض الاستعمارية، والصحف، والملصقات صورة بطولية للتوسع، كانت هناك دعاية في المقابل تعلي من قيمة الشرف الوطني وتعزّز الهوية القومية.
إن حادثة يونيو/ حزيران 1914 لم تحدث في عالم هادئ، بل في عالم مليء بالتوترات والآلات والخطط العسكرية المستعدة بالفعل للانفجار. إذ تجذب الصناعة رؤوس الأموال، وبالتالي تصبح أداة للتنافس الدولي. لذلك، تغذّي المنافسة الاقتصادية المنافسة العسكرية، وتسرّع إحداهما الأخرى. سباق التسلح هذا كان ضمن أسباب الحرب العالمية الأولى، السباق الذي لا يطيق التمهّل، وهو يرسل رسائل سياسية في ما بين القوى المتصارعة، والأحلاف المنعقدة.
التكنولوجيا، خاصة عندما تُطوَّر الصناعات الحربية، تجعل الحرب أثقل، أسرع في الاشتعال، وأكثر صعوبة في التوقف. فكيف يمكن ألّا ينزلق العالم بأجمعه اليوم في سرداب القلق والخوف والنظر إلى المستقبل الضبابي كفزّاعة تفقده أمانه وسلامه في ظل التقدم التكنولوجي الفائق اليوم؟ التقدم الذي تجاوز فيه الإنسان نفسه وصار مهدّدًا بسلطة الذكاء الاصطناعي؟
ومثلما أزمة البلقان لم تكن أبدًا "محلية"، فإن أزمة إيران والشرق الأوسط، من دون نسيان وجود دولة الاحتلال، عمومًا ليست محلية أيضًا، بل عالمية، حتى ولو كانت الأطراف الظاهرة للعيان، والمتورطة بشكل مباشر في الحرب هي الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، لكن الصفيحة الأساسية في هذا الزلزال العالمي الذي يهدد الكوكب تحمل من الأثقال ما يكفي لأن تجعله زلزالًا مدمّرًا ستتمادى هزاته الارتدادية في مستقبلنا إلى أن تستقر الصفائح الجيولوجية/ السياسية، ويستقر ميزان القوى. هذه الارتدادات لم نكن بمنأى عنها حتى قبل نشوء الحرب، فلكل بلد في المنطقة أزماته التي امتدت بما يكفي لتجعل الانهيار حتميًا، وكل أزمة تترك وراءها ضغائن، مما يجعل الأزمة التالية أصعب، هذا ما يعاني منه الشعب السوري بطريقة مدمّرة.
وإذا كان توسع الصحافة الجماهيرية في ذلك العصر جعل الأزمات الدولية علنية، ولعب دورًا في نقل الأخبار والتحليل الذي يعمل على المبالغة والتضخيم، فما هو القول عن الصحافة الصفراء بكل أشكالها وأدواتها اليوم؟ ليست الصحافة الورقية هي المقصودة فحسب، بل الميديا التي لم تَعُد اليوم تُعدّ، متحالفة مع سخاء الذكاء الاصطناعي وموهبته الفذة وحِرفيّته في الفبركة والتضليل، في وقت تعاني فيه غالبية شعوبنا من الأمية التقليدية، فكيف بالأمية الرقمية؟ نحن في الغالب، على مستوى الشعوب، لا نمتلك القدرة ولا النية على الفهم، بل نضمر أوهامًا بأننا يجب أن نكون تابعين لجهة أو أخرى، ننتظر منها المساعدة، بل ولا مانع من أن نتجند لخوض الحروب معها، نفخر بالولاء إلى هويات دينية أو قومية، مستعدين لخوض الحروب في ما بيننا على هذه الأسس ما دام أن تلك الأطراف تغذّي في صدورنا هذه النزعات المتطرفة والمغالية، نربطها دائمًا بالشعور الوطني أو القومي، أو الانتماء إلى أمّة أوسع.
تقول الأبحاث إن في 23 تموز/ يوليو 1914، أرسلت النمسا-المجر إلى صربيا إنذارًا نهائيًا شديد الصرامة، بمهلة قصيرة جدًا. والهدف كان الحصول على تنازلات تجعل صربيا تحت ضغط مستمر. صيغ الإنذار حينها ليكون صعب القبول بالكامل لأنه يمسّ بالسيادة. في 25 تموز/ يوليو جاء الرد من صربيا، قبلت بكثير من البنود، لكنها رفضت بعض النقاط التي عُدّت تتناقض مع استقلال الدولة، وهذا ما أدّى إلى رفض الإمبراطورية هذا الردّ، ولقد كانت جاهزة للهجوم، ولديها ما يكفي لـ"العقوبة"، وفي هذه الحالة فإن التفاوض لم يكن كافيًا بالنسبة لها، فأعلنت الحرب على صربيا في 28 تموز/ يوليو 1914. وفي ظل الظروف التي أضاءت عليها هذه المقالة، والتحالفات الجاهزة للصراع في ما بينها في أوروبا، اشتعلت حرب دامت أكثر من أربع سنوات.
ألم يكن هناك دبلوماسية تسعى إلى التهدئة والوساطات؟ بالطبع كانت هناك دبلوماسية، لكنها لم تكن بسرعة القرارات العسكرية، ولا مواكبة لتسارع الأحداث وتداعياتها. كل طرف يريد السلام، إنما السلام الذي يضمن مكانته ويحقق طموحاته، فعندما تبدأ الخسائر، يصبح من المستحيل سياسيًا التراجع بدون انتصار، أو وهم انتصار. ما أشبه أمس باليوم، فنحن لا نعرف من المنتصر في الحرب الحالية، أهي أميركا أم إيران؟ لكننا نشعر بخسارة الشعوب في العالم.
من المؤكد أن الحرب ليست نهاية حتمية أو مصيرًا حتميًا كما لو أنها قدر، بل هناك سلسلة من الخيارات التي تصنعها إرادات وأدوات وطموحات مختلفة، ووقائع تفرض حضورها، فإذا كانت التحالفات عشية الحرب الأولى واضحة، والأزمات السابقة ما زالت حاضرة، والشعور القومي يتنامى، والتسلح والتعبئة في أوجهما، فإن ما وقع في سراييفو لم يفعل أكثر من إشعال البرميل، فحدّد اللحظة التي لا يمكن الرجوع عنها.
هل يمكن السؤال بعد كل هذا: من المسؤول؟ أو من اتخذ قرار الحرب العالمية حينها؟ كان هناك كثير من المتورطين أو الضالعين في الحرب، أو المذنبين بحق الشعوب، ومنها شعوبنا بالتأكيد، لكن لا يمكن تحميل المسؤولية لفرد وحيد، كل ما يمكن تأكيده أن النظام العالمي حينها لم يكن مستقرًا، كان لديه كل مبرّرات التصادم الذي غيّر الخرائط بعدها. وانهارت أربع إمبراطوريات كانت تتقاسم النفوذ والسيطرة على معظم العالم.
اليوم، وبعد حرب ابتدأت في الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، وانتهت بتوقيع تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، مع وقف إطلاق النار، تمادت آثارها على أنحاء الكوكب، من دون أن يكون واضحًا بالنسبة إلى الشعوب، على المستوى العام، ما هي التحالفات، ومن هي الأطراف التي تتمتع بالقوة المؤثرة والنية والإرادة في المساهمة بإدارة هذه الأزمة/ الحرب، لكن غالبيتنا يردّد مقولة إن النظام العالمي يعاني أزمة، ضاقت به القوالب السابقة وهو يبحث عن رقعة شطرنج بديلة. من المسؤول؟
يمكن أن نتعلّم من التاريخ تجنّب قبول فرضية أن هناك "مذنبًا" وحيدًا أو مسؤولًا عن زلزال عالمي بهذا الحجم على أنها حقيقة، بل هناك مسؤوليات مشتركة وعدة دول تسهم في التصعيد، بينما يلعب البعض دورًا حاسمًا في لحظات محددة. ومن المؤكد أننا ما زلنا بيادق في اللعبة.
هل يفيدنا كلّ هذا؟ ألا يستحق واقعنا أمام هذه المتغيرات العالمية الكبرى، والتحولات باهظة الكلفة، أن نلتفت إلى واقعنا؟ أن نعرف موقعنا من هذا العالم ونسأله ما يريد منا؟ أن نمتلك الكفاءة لأن نصنع هدفنا ومشروعنا المستقبلي الذي يضمن عيشنا في دول تحفظ كراماتنا؟ ها هو التاريخ يعطينا الدروس، ليس التاريخ البعيد فحسب، بل حاضرنا الذي يتحوّل تاريخًا في كل يوم من دون أن نفهمه أو نفهم دروسه.


تحميل المقال التالي...