}

السبعينيات وذاكرة الحداثة العربية

أشرف الحساني 28 يونيو 2026
استعادات السبعينيات وذاكرة الحداثة العربية
فرقة "ناس الغيوان"
تمثل السبعينيات داخل العالم العربي حركة ثقافية مركبة يصعب أن تتكرر من جديد. ذلك أنّ المتابع للمنجز الثقافي العربي لهذا الجيل، سيجد نفسه أمام ظاهرة عجيبة تتمثل في التلاقي بين الأيديولوجي والثقافي لدرجة يصعب على القارئ أنْ يفرّق بينهما، نظرًا للغنى الفكري الذي يطبع تاريخ هذه العلاقة، لا باعتبارها قضية مفكَّرًا فيها، بل انتسجت بطريقة تلقائية وسلسة تتحكم فيها ظروف تاريخية أكثر من كونها تقنية. نجح جيل السبعينيات في أن يكون علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية بمختلف أشكالها الأدبية وتعبيراتها الفنية، حيث يعد اليوم صناع الحداثة في العالم العربي والقوة الناعمة التي حررت الثقافة العربية من التقليد وجعلها تنخرط في سلسلة تحولات سياسية وثقافية وفنية بدأت تكتسح طوبوغرافية العالم العربي وتُغيّر الكثير من أنساقها وميكانيزماتها ومواضعاتها بطريقة أضحت المعارك الثقافية امتدادًا عميقًا للرجّات التي طاولت الثقافة الغربية المعاصرة. بيد أن فطنة هذا الجيل لا تتوقف عند نجاحه في فك الارتباط عن التقليد المعرفي والسلفية الثقافية والرجعية الفنية، بل من خلال تحديث الفكر ودفع المبدعين إلى التفكير خارج مدارات الواقع العربي المتصدّع الذي ينتمون إليه. إذ مع بداية السبعينيات ستظهر مجلات حداثة مثل "الموقف الأدبي" (سورية) و"آداب الرافدين" (العراق) و"الكرمل" (فلسطين) و"أنفاس" و"الثقافة الجديدة" (المغرب).
فهذه المجلات الثقافية وغيرها استطاعت أن تبلور رؤى جديدة داخل الحقل الثقافي، إذ ساهمت في الثورة على الأشكال التقليدية، بعدما أصبح الرهان على الحداثة يشكل مطلبًا حيويًا في بنية الأعمال الأدبية. ذلك أن القارئ لمجموعة من النصوص يجد أنها قطعت مع الكثير من الأفكار التي تشكلت منذ حصول العالم العربي على استقلاله والتي كانت في مجملها تلامس الخطاب الوطني وتدغدغ مشاعر الناس. في حين أن الأدبَ الذي ظهر خلال السبعينيات لم يكن هاجسَه أن يصبح لسان الحركات الوطنية، بل عمل على تشكيل صورة دقيقة للواقع الذي ينتمي إليه. فكانت الكتابات تأتي وفق منزع تخييلي يروم إلى تفكيك البنى الاجتماعية والأسس السياسية التي طبعت العالم العربي. أما من جهة الفنون التشكيلية العربية، فشكلت هذه المرحلة نوعًا من القطع مع الإرث الكولونيالي المترسّب في بنية اللوحة المسندية، حيث بدأ التفكير في تجاوزها للخروج إلى الفضاء العام.
لذلك حرص الفنانون العرب على محاولة اجتراح أفق بصري عربي ينطلق من الخصوصية المحلية والتنوع الثقافي لإعادة بناء مشروع بصري يحاول أن يقضي على الأفكار والتصورات والمواقف والمفاهيم التي عمل الاستشراق الفني على تكريسها حول العالم العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر. ففي المغرب خرجت جماعة 65 لتُعيد بناء وعي تشكيلي جديد أكثر انغماسًا في التربة المغربية، بعدما أصبحت اللوحة مع أحمد الشرقاوي ومحمد المليحي وفريد بلكاهية بمثابة مختبرٍ للتفكير في كثير من الأسئلة المعلقة ذات الصلة بالذاكرة والتراث والتاريخ والعلامة والهوية والرموز وغيرها من المفاهيم المركزية التي غذت نسيج الخطاب الفني حول التشكيل المغربي. لقد فطن جيل السبعينيات إلى ضراوة المرحلة التي ينتمون إليها، فكانت أعمالهم الفنية والأدبية والفكرية تهجس بسؤال الحداثة، وعيًا منهم بالسياق التاريخي الذي ينتمون إليه، ثم دلالات المفهوم وقيمته الرمزية التي يمثلها، باعتبار التماهي معه يمثل الانخراط في الفكر الكوني.
نادرة وشحيحة هي الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية التي حاولت أن تقارب مرحلة السبعينيات وما كان يدور في فلكها من جدل وأفكار ونقاش، إذ تظل هذه المرحلة في حكم اللامفكر فيه، مع العلم أنها مرحلة مؤسِّسة في تاريخ الثقافة العربية بطريقة تبدو فيها الثقافة العربية اليوم وكأنها تعيش على أمجاد هذه المرحلة.





ذلك أن المجلات والأعمال الفنية والأفلام السينمائية التي أنتجت في هذه المرحلة تشمل اليوم وثيقةً تاريخيةً هامة على تطوّر مفهوم الحداثة، والتي غالبًا ما يعود إليها المثقف العربي لقياس مدى معدل الحداثة وأثره في بنية الممارسات الثقافية العربية، وهو أمرٌ يحمل أكثر من معنى عن قيمة هذا الجيل ومكانته الخاصة في الذاكرة الثقافية العربية.
نجح المخرج السينمائي علي الصافي في "قبل زحف الظلام" في أن يعيد بناء السردية التاريخية للجيل السبعيني، إذ استهل فيلمه بشكل خفي بسؤال مركزي مفاده أنه إذا كان المغرب عرف خلال السبعينيات ثورة ثقافية ونضارة فنية وحركة سياسية وعمالية تماهت في ممارساتها الإبداعية والسياسية والنضالية مع العالم العربي ككل، ما السبب الذي جعل هذه المرحلة، رغم فقرها المادي وقلة إمكاناتها، أن تكون لحظة فارقة في تاريخ البلاد العربية في علاقتها بالتحديث والحداثة؟ إن السؤال أعمق مما نتصوّر أمام اللغط الثقافي والارتجال الفني وعدم قدرة الثقافة العربية اليوم على تجديد نفسها وتمتين روابطها وتأصيل مفاهيمها بطريقة تجعلها تنتمي إلى فكر الحداثة. ففي الوقت الذي حقق فيه الإنتاج البصري العربي مثلًا قفزة نوعية في تاريخ هذه الثقافة، جعلها تخرج من الإطار الشفهي ـ المكتوب الذي تأسس عليه منذ العصر الوسيط، ما زالت ثقافتها تعتبر أن الرواية لسان حال المرحلة التي نعيشها.



في حين أن الواقع الفيزيقي الذي ننتمي إليه يُظهر عكس ما يتداوله أقلام المثقفين. ذلك أن الأفلام الفلسطينية التي أصبحت قاطرة العرب صوب العالمية، بسبب نجاحاتها المتكررة في أن تكون على رأس قائمة المهرجانات الدولية، تحتاج اليوم إلى ضرورة العناية بها نقديًا وفكريًا، لكونها تقدم الواقع الفلسطيني من منظور مختلف وأكثر قوة مما يطالعنا في الأعمال الشعرية والنصوص الروائية. لذلك فإن الوعي بقيمة هذا التحول الأنطولوجي شغل صاحب "دموع الشيخات" وجعله يبني تصوره السينمائي انطلاقًا من الجيل السبعيني العربي، حيث تبدو مظاهر التأثر واضحة بسينما الحرب الأهلية اللبنانية مع جان شمعون ومارون بغدادي ورندة الشهال وجوسلين صعب، لكن وفق آلية تجعله يستمد الشكل البصري وحرارة الصورة وقوتها في أن تصبح وسيلة لإدانة الواقع وجرحه.
أما أحمد المعنوني فقد حمل في فيلمه "الحال" هذه المرحلة إلى أفق فكري لمحاورة الواقع وفهم التغيرات التي استبدّت فيه من خلال فرقة غنائية ساير تطورها وأثرها في بنية الغناء الشعبي العربي. فمن الناحية السينمائية، حرص المعنوني في مجمل أفلامه الوثائقية على تبنّي مفهوم "الخرق" بكل ما يحمله من أبعاد فكريّة تتيح للمخرج إمكانية تجاوز الحدود الفنّية التقليدية والسياجات الجماليّة المميتة التي عادة ما تنمّط الإبداع السينمائي وتجعله يغدو ضربًا من التكرار البصريّ غير المرغوب فيه. لذلك فطن المعنوني إلى قيمة المفهوم، فعمل من خلال فيلمه الوثائقي "الحال" على ابتداع شكل سينمائي يتأرجح بين التجريدي والوثائقي والتخييلي والتاريخي، مع العلم أنّ المخرج لا يؤمن بهذه "التصنيفات الأكاديمية" لكونها تلعب دورًا سيئًا بالنسبة للوثائقي وتجعله أسير رؤية مدرسية تحنّط التخييل البصري وتُخضعه إلى منطق القوالب الجاهزة والتصنيفات المنمّطة. ذلك أن تاريخ الفن هو عبارة عن تاريخ ثورات الأشكال، فكلما تجدد الشكل الفني، إلا ويصبح المخرج السينمائي صاحب حظوة رمزية، بحكم المساحات الجمالية التي يتيحها له الاهتمام بالشكل على حساب الموضوع.
لقد فطن صاحب "أليام أليام" (1978) إلى القوة الجمالية التي تتأتى من خلال الشكل السينمائي، لذلك قرر إخراج فيلم سينمائي مختلف، جعله يغدو أحد أبرز الأسماء في تاريخ السينما المغربية، ممن تمتلك مشروعًا سينمائيًا مختلفًا يظل على الدوام يهجس بالتجريب والاختلاف والتنوع. ونظرًا للأثر الجمالي الذي تركه "الحال" في ذاكرة السينمائيين العرب في فترة تاريخية اتسمت بالتقشّف على مستوى الإنتاج، حظي الفيلم بعدد وفير من المقالات العلمية والدراسات النقدية التي شرحت معالم الفيلم وأبرزت القدرات التقنية والفنية والفكرية التي طبعت سيرة أحمد المعنوني في علاقته بهذه التحفة السينمائية الأثيرة داخل الفيلموغرافية المغربية. ليس اختيار المخرج أحمد المعنوني لتوثيق سهرات فرقة "ناس الغيوان" الأيقونية بين أكادير وقرطاج وباريس، هو ما جعل الفيلم يحظى بإشادة عالمية، بسبب مركزية الأغنية الغيوانية في نفوس ووجدان العالم العربي، بل من وعيه الدقيق بهذا النوع من الأفلام الوثائقية التي ترافق سيرة الموسيقيين والفنانين داخل سياق تاريخي عربي، ظل فيه الفن السابع يتأرجح في عمومه بين الإرث الفيلموغرافي الكولونيالي وبين سينما وطنية رومانسية تحنّ إلى الماضي وتتعثر من فرط رقابة الحاضر.





حين نشاهد "الحال" يستيقظ فينا ذلك الشعور بالافتتان والتساؤل عن الطريقة التي يمكن بها إنتاج مثل هذا الفيلم بميزانية منخفضة جدًا، لكنه مع ذلك أصبح من فلتات السينما المغربية. ذلك أن الفيلم ليس صعبًا ولا يعتمد خلطة فنية سحرية أو وصفة مركبة تجعله غامضًا ويتسم في نظر المُشاهدين بـ"الصعب"، بل هو عبارة عن فيلم بسيط تلقائي في صوره ودافئ في سرده والتقاطاته البلورية التي تحول الفضاء إلى خشبة مسرح تتحرك فيها فرقة "ناس الغيوان" وتنسج لنفسها أفقًا ساحرًا مع الآخر. لكنْ ما ينبغي أن نشدد عليه أن الفيلم تم إنجازه بعد سنوات الرصاص أو الجمر (السبعينيات)، وهي مرحلة تاريخية صعبة وتتميّز في كونها تُعد مختبرًا للحداثة المغربية. ذلك أن مجمل المعارض التشكيلية والأغاني والمقاطع الموسيقية والدواوين الشعرية والنصوص المسرحية وُسمت بهاجس التجديد الذي تحولت معه بشكل تلقائي مختلف التجارب السبعينية إلى صانعة للحداثة، وذلك لأن مختلف ممارساتها الثقافية كانت تهجس بسؤال الحداثة وبضرورة القطع مع ثقافة مغربية تقليدية موروثة عن الحركة الوطنية والتي ظلت راسخة في الجسد الثقافي إلى حدود نهاية ستينيات القرن العشرين. فلا غرابة أن يطالعنا "الحال" باعتباره من النماذج السينمائية المضيئة التي خضعت لمفهوم الحداثة، إذ يبدو ذلك بارزًا في نوعية الفيلم وطريقة التصوير وأداء الممثلين والموسيقى التصويرية والحرص على إظهار البصمة السبعينية داخل مختلف المشاهد والصور التي تطالعنا منذ بداية العمل السينمائي.
لم يكن من الممكن أن ينجح الفيلم بعيدًا عن هذا السياق التاريخي الذي عرفه المغرب، وهو سياق فكري أكثر من كونه إيديولوجيًّا، وذلك لأن الأسئلة التي يطرحها الفيلم على لسان فرقة "ناس الغيوان" كانت نفسها تُطرح بقوة داخل الأحزاب والنقابات والجرائد والجامعات والمسارح وغيرها من الفضاءات التي يتجمهر حولها الناس. لقد شكلت السبعينيات مرحلة خصبة لتحديث الثقافة المغربية، حيث ظهرت مجلات من قبيل "أنفاس" (عبد اللطيف اللعبي) و"الثقافة الجديدة" (محمد بنيس) ساهمت في خلق نقاش ثقافي حقيقي، بل ولأول مرة سيتم إنجاز ملفات خاصة حول السينما والتشكيل والالتزام في علاقته بالفن. من هنا، سيكتسب الجسد الثقافي وعيًا جديدًا بالدور الذي تلعبه الثقافة لا باعتبارها بذخًا، بل ضرورة ملحة تفرض نفسها على الأفراد. لذلك يعد "الحال" لأحمد المعنوني و"قبل زحف الظلام" لعلي الصافي، من الأفلام التي جعلت من السبعينيات والثمانينيات أفقًا للتفكير في واقع المغرب سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، ذلك أنّ فيلم المعنوني وإن كانت مشاهده عبارة عن كاميرا تتجول وحيدة في الممرات والكواليس والمسارح وتلتقط تموجات أجساد فرقة "ناس الغيوان" وأصواتها الجريحة في ذلك الإبان، فإن عملية تصوير الفرقة نفسها تضمر في طياتها خطابًا سياسيًا يساريًا أصيلًا، لأن الكاميرا تغدو حينها عبارة عن موقف وآلية لخلق نوع من التضامن مع الفرقة التي خرجت من قاع مدينة الدار البيضاء (الحي المحمدي) ومن أكثر الأحياء الهامشية التي اشتهرت بالنضال والمقاومة والغبن والجوع والتشرد والفقر، فأغاني "ناس الغيوان" عبارة عن انعكاسٍ حقيقي لما كانت تعيشه مدينة الدار البيضاء من تحولات سياسية واجتماعية وجدت ملاذها في حناجر "ناس الغيوان"، بما جعلها تتحول إلى أيقونة غنائية اشتهرت في كونها "بيتلز" المغرب.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.