شهد الفنّ في الاتحاد السوفياتي السابق، خلال عقود السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين الفائت، انقسامًا حادًّا تمثّل في مسارين متناحرين: الفنّ الرسمي الخاضع للدولة والذي عُرف بالفنّ الواقعي، وفنٍّ سرّي تقريبًا (غير رسمي)، تمرّد على القيود التي فرضتها الدولة على الفنون عمومًا. برز الفنّ المفاهيمي عبر أعمالٍ وثّقت حالة التناقض داخل المجتمع السوفياتي، وازدهرت معارض الشقق السريّة التي نظّمها الفنانون بعيدًا عن أعين الرقابة. بعد انتهاج سياسة البريسترويكا التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف، خفّت قبضة الرقابة، مما سمح للفنّ غير الرسمي بالخروج إلى العلن والوصول إلى الغرب.
في إطار استعادة ظروف تلك الفترة، وتبيين حالة الفنّ غير الرسمي خلالها، أطلق متحف الفنّ المعاصر "Garage" في العاصمة الروسية موسكو مشروع معرضٍ من نوعٍ خاصّ تحت عنوان "الفنّ على وقع تردّدات حقبة الثمانينيات". اختار القائمون على المشروع ساحةً في الهواء الطلق، لتحتضن مجموعةً من أبرز أعمال فنيّة أبدعتها نخبةٌ من الأسماء البارزة في عالم الفنّ المعاصر السوفياتي والروسي خلال تلك الحقبة، بدءًا من مجموعة موخوموري (الفطر السام/ Amanita)، وصولًا إلى أعمال الفنان المعاصر تيمور نوفيكوف، مؤسّس أكاديمية الفنون الجميلة في سانت بطرسبورغ.
يسلّط المشروع الضوء على تناقضات تلك الحقبة، عندما كانت البيروقراطية الرسميّة تحارب أعمال الفنانين الشباب الفنيّة الجريئة. نتيجةً لتلك المواقف المزرية، تمكّن هؤلاء الفنانون من إيجاد أساليب مبتكرة، والاستفادة من رتابة الحياة اليومية لإبداع نماذجٍ بصريّة زاهية تفضح تناقضاتها. وعندما يمعن المرء النظر في ما يحتويه هذا الكرنفال الفنيّ، المحفوف بالمخاطر أحيانًا، يتضح له الكمّ المدهش من الرومانسيّة والأمل في أعمال الفنّ غير الرسمي أثناء الثمانينيات.في هذا المعرض، احتلّت حقبة ثمانينيات القرن الماضي مساحةً واسعةً. وبالعودة إلى بدايات الفنّ غير الرسمي، يتبيّن أنّها بدأت في واقع الأمر من أواسط السبعينيات وليس من الثمانينيات، وكانت نقطة انطلاقها أعمال مجموعة أطلقت على نفسها اسم "العشّ". تكوّنت مجموعة "العشّ" على أيدي ثلاثة فنانين، هم: غينادي دونسكوي، ميخائيل فيودوروف، وفيكتور سكرسيس. رغم قصر فترة نشاطها (1974-1979)، أثارت المجموعة ضجّة حقيقية في الأوساط الفنيّة. فقد نظّم الفنانون، على سبيل المثال، عرضًا بعنوان "دقيقة بدون زفير"، في محاولةٍ لنفث أقلّ كمية من ثاني أكسيد الكربون في الهواء، في إشارةٍ إلى ضرورة تقليص الانبعاثات الكربونية، وإلى أهميّة مساهمة الفرد في حماية البيئة.
في الوقت نفسه، كان هؤلاء الفنانون وأصدقاؤهم، الذين كانوا موزعين في أنحاء مختلفة من الكرة الأرضية، يقومون في وقتٍ متفق عليه بالنزول إلى حفرٍ كانوا قد حفروها، في إشارةٍ إلى أنّهم يسعون للوصول إلى شعورٍ أقوى بأنّهم بذلك يكونون أكثر قربًا من بعضهم البعض. غير أنّ أكثر مبادرات المجموعة لفتًا للانتباه، والتي استمدّت منها اسمها، كانت العمل الفنيّ الذي أطلق عليه "الروح الحاضنة/ The Incubating Spirit". قدّم الفنانون هذا العمل عام 1975 على أرض أكبر معارض الفنّ غير الرسمي في الاتحاد السوفياتي، الذي كان يُعرف حينها بـ"معرض منجزات شعوب الاتحاد السوفياتي". في جناح "بيت الثقافة"، عُرض العمل الغريب المتمثّل في بيضة يحتضنها عشٌّ ضخمٌ نُسِج من القشّ والأغصان، وكان الفنانون يقفون قرب العشّ داعين جمهور الزائرين إلى المساهمة في احتضان تلك البيضة. ولأنّ لجنة الرقابة لم تستوعب فكرة هذا العمل، فقد حاولت مصادرة العشّ. إلّا أنّ بقية العارضين أظهروا تضامنهم القويّ مع مجموعة العشّ، وهدّدوا بسحب أعمالهم من المعرض، في حال لم توقف الإدارة هذا الإجراء.
يضمّ المعرض الحالي نسخةً من العشّ، أُعيد تشكيلها من جديد. أمّا النسخة الأصلية فتمتلكها اليوم مؤسسة (ROSIZO) - المسؤولة عن تنظيم أنشطة المعارض الأجنبية في المتاحف الروسية.
بمرور الوقت، أصبحت المظاهر الكرنفالية عنصرًا أساسيًا في الفنّ السوفياتي غير الرسمي، فقد ألّف تيمور نوفيكوف وإيفان سوتنيكوف لاحقًا وثائق عبثية من وحي الأسلوب البيروقراطي السوفياتي، ساخرين عبرها من "رابطة الفنون الجميلة التجريبية" التي أُسّست لتكون بديلًا عن "اتحاد الفنانين" الرسمي. إلا أنّ الوليد الجديد بدا شديد الشبه بـ"الأخ الأكبر"، أي اتحاد الفنانين الرسمي. ومع ذلك، بقي الخطّ الفاصل بين السخرية والجديّة في إبداعات الفنّ غير الرسمي غير واضح المعالم تمامًا. وخير مثالٍ على ذلك أعمال مجموعة "ذرى وسط روسيا"، التي شكّلها فنانو المفاهيم (Conceptual Art)، الذين يولون الفكرة أو المفهوم أهميّةً أكثر بكثير من المهارة اليدوية أو القيمة الجماليّة.
شهد المعرض أيضًا عرض فيلم "Assa" الذي جاء بمثابة وثيقةٍ حيويّة توضّح للمشاهد بجلاء الوضع في تلك الفترة. أهمّ ما يميّز هذا الفيلم هو تصميم الديكورات المدهش، الذي أبدع فيه الفنان سيرغي شوتوف. في هذا الديكور، شكّلت أجواء الثمانينيات، التي رُصدت بدقّةٍ متناهية، وكذلك صورة المدينة المكسوّة بالثلوج، والآخذة في التداعي (وهي التي كانت عادةً مدينة مغطاةٍ بالخضرة والأزهار)، خلفيّة رائعة للصراع الدائر بين نمطي الحياة: القديم والجديد. في هذا الصراع، لم يخرج أحدٌ منتصرًا، فقد تكبّد كلا الطرفين الخسائر. لذا كان لا بدّ من أن يحصل في نهاية المطاف الصدام بين الواقع السوفياتي، الذي بدا في يومٍ من الأيّام راسخًا لا يتزعزع، وبين المطالب المتنامية كلّ يوم والتي كانت تنادي بالتغيير.
في كلّ صراعٍ من الصراعات التي شهدها العالم، كان التاريخ يثبت على الدوام حتميّة المضي قُدُمًا إلى الأمام. فقد نشأت في روسيا أيضًا سوقٌ للفنّ، وإن كان حجمها ضئيلًا للغاية مقارنةً بالسوق في الولايات المتحدة الأميركية أو في الصين. بالإضافة إلى ذلك، كانت تدور في ذلك الوقت معركة خفيّة أُخرى بين الفنّ الخالص والفنّ التجاري. لقد كانت حقبة الثمانينيات في الاتحاد السوفياتي السابق تمثل عصر الفنّ الخالص، البعيد كلّ البعد عن المرامي التجارية. ولا غرابة في ذلك، فسوق الفنّ لم تكن قد تشكّلت بعد، وكان العديد من الفنانين يعمل حينها في الخفاء، مدفوعًا برغبةٍ شخصية ومن دون توقعاتٍ كبيرة، فقط لأنّه لم يكن أمامه خيارات أُخرى. اليوم، تبدو تلك نزعة أولئك الفنانين الرومانسية ضربًا من الوحشية، أو نوعًا من الحماقة، لا سيّما إذا ما عرفنا أنّ الفنانين المعاصرين يبنون مساراتهم المهنيّة منذ البداية بأسلوب عمليّ. في ذلك الوقت، لم يكن الفنّ قد تحوّل إلى "صناعةٍ" قائمةٍ بحدّ ذاتها، على الرغم من أنّ بذور ذاك التحوّل قد كانت قد بُذِرت بالفعل. فعلى سبيل المثال، لم يكن من باب الصدفة أن تُقام عام 1986 فعاليات فنية، مثل "معركة من أجل الفنّ" أو "الفنّ في مواجهة التجارة"، التي شارك فيها الفنان نيكيتا أليكسييف بملصقاتٍ تحمل شعاراتٍ مثل "حاربوا التأثيرات البرجوازيّة!!!".
انتقل بعض فناني حقبة الثمانينيات، مثل أندريه رويتر، إلى الغرب، واستطاع شقّ طريقه المهنيّ هناك بنجاح. أمّا الفنان سفين غوندلاخ، وهو أحد مؤسسي مجموعة "موخوموري"، فقد هجر عالم الفنّ نهائيًا لينخرط في عالم الأعمال. من ناحيةٍ أُخرى، وبعد أن أصبحت الكلمة الفصل للسوق وحدها، طوى النسيان الكثير من فناني الثمانينيات، ولم يعودوا إلى دائرة الضوء إلا مؤخرًا، بفضل مشاريع فنيّة مشابهة.


تحميل المقال التالي...