في "زمن تولستوي" نظر الكُتّاب والمثقفون إلى وجود القطارات وقدرتها على تقريب المسافات باعتبار ذلك عاملًا استثنائيًا للضغط على أعصاب البشر وإثارة قلقهم، خصوصًا أن تلك الثورة التي أحدثتها القطارات الأولى (رغم بطئها قياسًا لما أصبحت عليه بعد تطورها اللاحق) جعلت الكتّاب والمبدعين – خصوصًا في مجال الرواية – يبدون أكثر حضورًا في أمكنتهم الأولى ومن ثم أقل ارتباطًا بها، وجعلت الروايات أكثر انفتاحًا على الخارج واستحضاره على نوع ما من "خلخلة" المحلية بما هي تعبير عن المكان وعن ناسه وما يعيشونه في يومهم بتفاصيله ودقائقه.
هي رؤية تبناها البعض، فيما اعتبرها كثر آخرون طبيعية بل مفهومة وإيجابية تمنح الرواية، كجنس سردي، مؤهلةً لـ"موازاة" الحياة ورسم تفاصيلها وتحقيق نوع من "التأريخ الفني" لبعض تلك التفاصيل التي تخدم الرواية وتضخ في سطورها دم الحياة التي يمكن أن تأتيها من بيئات أخرى، وهو ما صار بعد عقود من التطور التقني الهائل نوعًا من "توحيد المكان"، أي جعل العالم كله بيئة واحدة بعد زمن من اعتبار العالم بيئات قريبة متجاورة.
نتحدث هنا عن تشابه موضوعات الرواية رغم تباعد المجتمعات وتنوع صورها وتفاصيلها التي لا تحكمها بالضرورة التطورات الهائلة في التقنيات الجديدة. وهي التي لا يمكنها – رغم سطوتها الكبرى – القفز عن حقيقة ارتباط الأدب السردي عمومًا بواقعه بما هو نوع من "المحلية" التي لا يمكن للرواية الواقعية الخروج منه بسبب ارتباط الواقعية بالتاريخ كحالة اجتماعية لها خيوطها التي لا يمكن تجاوزها؛ ولها بالتالي تجاورها الحتمي بعوالم وشخصيات وأحداث موجودة هناك وتقع في أمكنة محددة ومعروفة، ولها ناسها بما هم بشر حقيقيون ويفرضون وجودهم في السرد الروائي باعتبارهم أبطاله وشخصياته ويحملون فكرهم الخاص ورؤاهم الإنسانية والاجتماعية الخاصة.
في رؤية تلك التفاصيل وارتباطها بمواكبة التطورات التقنية، وخصوصًا مسألة العلاقة بين الرواية وحالة عالم اليوم التي أصبحت أكثر قربًا وتوحدًا، تحضر السياسة واختلافاتها وما فيها من صراعات كبرى، لتجعل التناقضات بين أجزاء "العالم الواحد" تستعيد بالضرورة حاجتها للتباين، وتستعيد مع التباين امتلاك صورها المتنوعة بل والمختلفة. ولعل ما نقوله هنا يفسر ما قاله كثر من النقاد الأوروبيين حين أشاروا إلى فضل روايات الكتّاب المهاجرين لبلدان الغرب الأوروبي في رفد الرواية الأوروبية بزخم إبداعي وفني هائل بسبب امتلاك الروائيين المهاجرين رؤى مختلفة لم يعرفها جمهور قرائهم من الأوروبيين، وهم يرون في أدباء المهاجرين لأوروبا عوالم زاخرة بتفاصيل جديدة ومختلفة ولها نكهة أخرى تفتح لهم فرصة التعرف إلى تلك العوالم وما فيها من آفاق لها تفاصيلها وجمالياتها، مثلما لها في الوقت نفسه قضاياها التي تزدحم بإشكالياتها وهمومها وآلام أهلها وما تحمله تلك الآلام من آثار السيطرة الأوروبية والغربية عمومًا على مصائر بلدانهم التي جاءوا منها.
هي معادلة تحكم مسيرة التطور في ارتباط الثورة التقنية بالواقع الاجتماعي، رغم تقارب "العالم الواحد" وتعرّف أجزائه ومناطقه المختلفة والمتباعدة على بعضهم، وامتلاكهم أدوات اتصال وتواصل واحدة باتت سهلة الاستخدام وحاضرة في الأماكن كلها تقريبًا. وربما تشير هذه الحالة إلى العلاقة الوشيجة بين أدب الواقعية وبين المكان والبيئة ذاتها من ارتباط شرطي يضع المخيلة ذاتها في تفاعل إيجابي مع محيطها. وسنرى هذا الارتباط واضحًا وجليًا في إبداعات الرواية الفلسطينية، ربما أكثر وضوحًا من أية روايات أخرى، ذلك أن الرواية الفلسطينية تتجلى فيها – رغم اختلاف مبدعيها – علاقتها بالمكان، وبصورة أكثر وضوحًا علاقتها بناس المكان وهمومهم، وخصوصًا شؤون قضيتهم التي تجاوزت منذ البدايات الأولى كونها وقائع سياسية وحسب، وذهبت لأن تكون مرآة صافية الوضوح لصورة المجتمع الفلسطيني في مختلف أماكنه المتعددة والمتباعدة بما هي منافٍ ومناطق لجوء. نرى ونقرأ روايات كتبها روائيون يعيشون في فلسطين وآخرون يسكنون أماكن نائية تقع في الشتات العربي أو الأوروبي، روائيون اكتسبوا ثقافات أخرى ورؤى فنية هي ابنة بيئات أخرى غريبة وبعيدة، ولكنها رغم ذلك تنتسب في مضمونها السياسي والاجتماعي لأجواء ومناخات شديدة "المحلية"، ولها خصوصيتها، إذ هي تحمل في سطورها كما في "نسغ" ذاكرتها وتكوينها نبض المأساة الوطنية وتعبيراتها وصورها وانتسابها إلى فكرة البحث عن الخلاص الوطني الجماعي.
هنا بالذات نشير إلى تجارب الأجيال الفلسطينية من الروائيين، الذين احتفلوا بتجارب الروائيين الفلسطينيين الرواد الثلاثة: غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا، وما قرأوه من روايات عربية وعالمية، ثم حققوا رواياتهم الخاصة في صورة غزيرة، خصوصًا في سنوات العقد الأخير. هنا بالذات تحضر هذه الروايات الجديدة بما فيها من تقنيات فنية تواكب حضورًا لافتًا لأمكنة جديدة لا تقتصر على المخيمات أو حتى المدن الفلسطينية أو العربية، بل هي تذهب نحو البلاد والمدن البعيدة لاستحضار صور حياة الفلسطينيين هناك، وما ترسمه في ذاكرتهم من حياة أخرى لها آلامها مثلما لها حكاياتها وقصصها وانشغالات أصحابها ورؤاهم لحضارة الغرب وما فيها من تناقضات ومن جوانب إيجابية أيضًا.
هو الزمن يراكم الحضارة مثلما يراكم التناقضات، وهو في كل ذلك وبالرغم منه يحتفظ بالتناقضات التي لا تغيب ولا تلغيها المسافات التي تتقلص وتتقارب، ورغم ذلك تحتفظ بخصوصياتها وملامحها الحميمة في عالم لا تختفي من بانوراما رؤيته تلك الملامح المتفردة لهذه التراجيديا المتنوعة التي تجعلنا عالمًا واحدًا. لكنها لا تنسينا أننا إذ نحدق فيه نرى في عمقه آلام الشعوب ومآسي حياة البشر، وفي القلب منها المأساة الفلسطينية باعتبارها مأساة العصر الكبرى بنزفها الدامي وبإبداعها معًا.
للزمن أن يقف مراقبًا وأن يرى المسافات تقترب، وللفن أن تظل له سلطة إبداعه التي تنتسب للحياة دائمًا.


تحميل المقال التالي...