}

عفيفة كرم: الحاضرة بعد مائة سنة على الغياب

ميشلين مبارك ميشلين مبارك 30 يونيو 2026
يأتي شهر تموز/ يوليو لنستعيد معه ذكرى الروائية والصحافية اللبنانية عفيفة كرم، وذلك في زمنين مختلفين من الشهر نفسه. وُلدت كرم في بلدة عمشيت (من جبل لبنان) في 26 تموز/ يوليو 1883 من أبوين مثقفين. والدها يوسف كرم عمل طبيبًا ولاحقًا كاتبًا عند ميخائيل بك طوبيّا، مؤسس أول مستشفى في جبل لبنان، وهو مستشفى مار ميخائيل عمشيت. أمّا والدتها فروسينا حبيب شربل (من البترون شمال لبنان)، فكانت على قدر كبير من الثقافة والنشاط الاجتماعي في القرية، حيث كانت تجيد القراءة والكتابة، وهذا الأمر نادر لامرأة تعيش في منتصف القرن التاسع عشر.

تلقت عفيفة مبادئ الكتابة والقراءة على أيدي والديها، لكنّ وفاة والدها المبكرة في عام 1895 دفعت والدتها إلى إرسالها إلى مدرسة "الراهبة أورسولا عبيد" في جبيل. وما هي إلا أشهر قليلة حتى تمّ تزويجها إلى ابن عمها المغترب حنا صالح كرم (المعروف بـ جون كرم)، وبعدها هاجرا إلى لويزيانا في الولايات المتحدة الأميركية. وفي الواقع شكّل هذا الزواج المبكر فيما بعد أول مادة لروايتها الأولى باسم "بديعة وفؤاد" التي تمّ إصدارها عام 1906.

في أميركا، ثابرت عفيفة كرم على المطالعة وقراءة الكتب والصحف الأميركية، وتمكنت من الكتابة التي امتهنتها في ثلاثة أساليب أدبية: الصحافة، والرواية، والترجمة.

خاضت غمار الصحافة في زمن كانت النساء لا تُقدم بسهولة على مثل هذه الخطوة. فراسلت الصحف العربية، ونشرت وهي في السادسة عشرة من عمرها أول مقال لها في جريدة "الهدى" التي أسّسها الناشر اللبناني نعوم مكرزل في الولايات المتحدة الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر. ومنذ أن رست مكاتب الصحيفة في مدينة نيويورك، أصبح لعفيفة كرم فقرة خاصة تُعنى بقضايا المرأة والتشجيع على تعليم البنات. وما لبثت أن تولّت رئاسة تحرير جريدة "الهدى". في عام 1911 أصدرت مجلة "المرأة السورية"، ومن بعدها بسنة أصدرت مجلة "العالم النسائي الجديد" التي تُعنى بشؤون المرأة العربية في المهجر.


من الناحية الروائية، نشرت عفيفة كرم أول رواية عربية ذات بنية سردية أدبية حملت عنوان "بديعة وفؤاد"، تروي قصة حبّ بين بديعة التي تعمل كخادمة عند عائلة فؤاد الميسورة ماديًا. الحبكة كانت بسيطة، لكن أسلوب الروائية هو الذي جذب القراء والنقاد على حدّ سواء؛ إذ وجّهت الكاتبة نقدًا للعادات القديمة وبنيوية المجتمع الطبقية والنفوذ الاجتماعي الذي كانت الفئة الميسورة تتمتع به. وفي الوقت نفسه، تحدثت عن المرأة المتمسكة بالأخلاق والقيم، مشددة على دور المرأة كجزء أساسي من المجتمع. فجعلت قصة الحب التي جمعت بين فؤاد وبديعة هي التي تنتصر على تقاليد المجتمع عبر زواج الحبيبين في النهاية.

في عام 1909 كتبت رواية "فاطمة البدوية" التي طُبعت في مطبعة جريدة الهدى في نيويورك، وفي عام 1910 نشرت رواية "غادة عمشيت".

بالتوازي مع عملها الصحافي والروائي، كانت عفيفة كرم تترجم كتبًا وروايات من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، منها على سبيل المثال: رواية "ملكة ليوم" (1908) طُبعت في مطابع "الهدى" في نيويورك؛ ورواية "نانسي ستاير" (1914) لإيلينور ماكرتني لاين؛ وكتاب "ابنة الوصي" لأكسندر دوما، وأطلقت عليها اسم "ابنة نائب الملك" (1918)؛ وكتاب "محمد علي باشا الكبير" (1919)، وهو ترجمة عربية لكتاب "محمد علي ومنزله" للكاتبة الألمانية لويزا مولباخ.

لم يرزق القدر عفيفة كرم بالأولاد، لكنها تركت روايات أدبية وترجمات للعربية عن روايات أجنبية عكست ثقافتها الواسعة وغزارة إنتاجها الأدبي.

في التاسع والعشرين من تموز/ يوليو عام 1924، توفيت عفيفة كرم عن 41 عامًا، تاركة وراءها نضالًا نسائيًا شكّلت عبره مثالًا يُحتذى للعديد من النساء العربيات فيما بعد.

***

في استعادتنا لذكرى هذه الكاتبة الرائدة في شهر ولادتها ووفاتها، كان لـ "ضفة ثالثة" حديث مع الباحثة والأكاديمية اللبنانية (ابنة عمشيت أيضًا) الدكتورة بربارة بدوي، التي نقّبت عن عفيفة كرم تنقيبًا دام سبع سنوات، واقتفت أثرها وصولًا إلى الولايات المتحدة الأميركية، إلى أن كتبت أول بحث جامعي معمّق عنها، وطبعته في كتاب أسمته: "عفيفة كرم: حياتها وأعمالها" (2001).

(*) أين تكمن أهمية عفيفة كرم الأدبية، وهي التي مارست الصحافة وكتبت الرواية وعملت في الترجمة؟

أنا شخصيًا أعجبت بعفيفة كرم الروائية، إن من ناحية أسلوبها الانسيابي الذي عكس العصر الذي عاشت فيه، أو من ناحية الجرأة التي تحلّت بها، خصوصًا في معالجة مشاكل اجتماعية ذات حساسية عالية: من تزويج القاصرات، أو الطبقية المجتمعية، أو الزواج المختلط، وصولًا إلى دور الدين ورجاله في تحطيم العائلة والمجتمع، وغيرها من المواضيع. في بحثي، اكتشفتُ قدرة عفيفة كرم على تطويع اللغة لوصف الأحداث والأماكن، بالإضافة إلى مقدرتها في الوصف السيكولوجي للحالات النفسية التي تمرّ بها شخصيات رواياتها.

إنّ تشعّب الحبكة الروائية عند كرم وتعدد الشخصيات وأدوارهم لهو دليل على تمكنها من البنية الأدبية، فضلًا عن مقدرتها في مخاطبة القارئ خلال سرد أحداث روايتها. فتقول على سبيل المثال في رواية "بديعة وفؤاد"، في الصفحة 45:
"… وقد يلاحظ القارئ اللبيب عظيم التضحية التي ضحتها بديعة حبًا بواجب الأمانة …."

وفي الصفحة 120: "فلنذهب بالقارئ إلى ظهر باخرة من بواخر مساجري ماريتيم…"

أمّا عفيفة كرم الصحافية، فلا يمكن تجاهلها أيضًا، إذ تمكنت من أن تكتب لجريدة "الهدى"، التي هي من كبريات الجرائد في المهجر الأميركي، يوميًا ولسنوات متتالية. وفي بحثي اكتشفتُ أنّ غزارة قلمها مثيرة فعلًا للإعجاب والتقدير. فقد تناولت كرم في مقالاتها مواضيع اجتماعية عديدة، من تربية الأطفال فالدراسة والتعليم، إلى الاندماج في العالم الجديد والتخلي عن العادات البالية، إلى الزواج المختلط، فالزواج المدني وحرية اختيار الزوج، والزواج المبكر… بالإضافة إلى المواضيع السياسية كرفض الانتداب الفرنسي، والطائفية، والمطالبة بفصل الدين عن الدولة… والغريب المبكي في الأمر أن من يقرأ مقالاتها اليوم يظنها كاتبة معاصرة عادت لتوها من جولة في أسواق بيروت السياسية، رغم مرور مائة عام ونيف على وفاتها.

وبالطبع، تكلمت لغات عديدة، ولكنها تمكنت من اللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، وهو الذي أبرز أيضًا تمكنها من الترجمة والتعريب.

كتبت بربارة بدوي أول بحث جامعي معمّق عن عفيفة كرم 


(*)
ما الصعوبة التي واجهتِها في البحث عن عفيفة كرم، وهي التي كانت منسية إلى حدّ ما، وقد أحييتها من جديد؟

لا شك في أنّ عفيفة كرم كانت تُذكر هنا وهناك على هامش الأبحاث المتعلقة بالأدب النسائي المهجري. تكمن صعوبة بحثي أنني قمتُ به في تسعينيات القرن الماضي، بدأت الرحلة السندبادية في البحث عن عفيفة كرم، في زمن لم يكن فيه الإنترنت متوفرًا، لذلك مع مرور السنوات وقلة المعلومات بدأت أشعر كأني أطارد خرافة، "ومن يطارد الخرافات يتعب"، كما يقول نزار قباني!

من ناحية أخرى، إنّ كتب ومقالات عفيفة كرم كانت صعبة المنال لأنّ ما كتبته نُشر في أميركا، والقليل من إصداراتها تم "تهريبه" إلى لبنان. اكتشفتُ أنه، وعلى الرغم من تنظيم الانتداب للطباعة والصحافة ومساهمته في نشر المدارس في لبنان، غير أنّ أفكار عفيفة كرم كانت تقدمية جدًا، مما أثار حفيظة رجال الدين والسياسة… وفي الواقع، بما أنني وإياها من البلدة نفسها، أي عمشيت، فكنت أسمع عنها وعظمتها الأدبية والإنسانية، ولكن استطعتُ في النهاية الوصول إلى رسائل بخط يدها، حتى إلى مراسلات شخصية وعبر الصحف الصادرة في ذلك الحين، بينها وبين الأديبة مي زيادة، وبينها وبين الأديبة المصرية ملك حفني ناصف (باحثة البادية). اليوم، خرجت عفيفة كرم من قمقم النسيان والتجاهل، وأصبحت في يومنا هذا محط اهتمام كبير من اللبنانيين والأجانب، في الوطن والمهجر، حتى أصبح لها وجود على صفحات الإنترنت وفي المدارس وفي حضور المجالس الأدبية. هي حاضرة وكأنها نتاج فكري معاصر نظرًا لتقدّم فكرها التحرري.

(*) أين تكمن أهمية نضال عفيفة كرم في زمن كان يصعب على النساء أن يكون لهنّ صوت؟ وبمن تأثرت؟

لا شك في أنّ عفيفة كرم هاجرت إلى الولايات المتحدة الأميركية وهي جدّ يافعة، فلم تتلقَّ الكثير من العلم، لكنها اتّكلت على نفسها بتعلّم القراءة والكتابة واللغات العربية والإنكليزية والفرنسية. ولا شك في أنّها تحلّت بالجرأة الكافية والثقة بالنفس للاتصال بجريدة "الهدى"، لأنها كانت صاحبة قضية، وصاحب القضية هو مناضل. من ناحية أخرى، إنّ تلاقي الفكر العربي مع الفكر الغربي ساهم في تحديد أسلوبها الكتابي الذي أصفه بأسلوب حادّ، سليط وجريء، فنراها تسمّي الأشياء بأسمائها، وتبتعد عن المواربة. ولأنها صاحبة قضية، جنّدت قلمها ومالها للنضال في الساحة الأدبية والإنسانية.

من ناحية التأثر، ومن وجهة نظري البحثية، أعتقد أنّ وجود نعوم مكرزل وتشجيعه ساهم كثيرًا وجليًا في صقل قلم عفيفة كرم وتأطير فكرها الأدبي. بالإضافة، وجود زوجها المثقف في حياتها ودعمه واحترامه لها منحاها المساحة التي تحتاجها لتفرد جناحيها وتنطلق خلف قلمها وأحلامها.

(*) نعلم أنّ عفيفة كرم لم تُرزق بالأولاد، كيف انعكس ذلك على عملها؟

عفيفة لم تنجب الأطفال لاعتلال في صحتها، لكنها تبرعت بالكثير من أموالها وببدلات اشتراكاتها في الجرائد لتوزعها على تلامذة بعض المدارس والأيتام في لبنان وأميركا. وامتلأت جرائد ذاك الزمان بتعابير الشكر والامتنان على كرمها. وقد ساهمت عفيفة بإنشاء المدارس ودعم المؤسسات الخيرية. كرمها لم يكن حاتميًا، بل عمشيتي...

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.