(من غير اللائق أن يصطادَ شخصٌ ما سمكةً أكبرَ من التي يَصطادها الرئيس)
(1)
علم النفس بفروعه الكثيرة، لا سيما علم النفس التحليلي، يمكنه أن يؤشر إلى المرض النفسي للأفراد والجماعات البشرية، لكنه لا يستطيع تقديم العلاج له. فالعقل والضمير والخيال والوسواس والشك واليقين ليست بيولوجية ولا مادة جسمية. وقد اجتهد الطبيب كارل يونغ أن يقدم حلولًا عامة عن السلوك البشري المتناقض في علم النفس التحليلي عن طريق (العقل الباطن)، لاعتقاده بأنه مصدر رئيسي من مصادر الشفاء حين يتم "دمج قوى ودوافع اللاوعي الكامنة وراء السلوك البشري". رؤيته كانت تجريبية أول الأمر، باعتبار أن النفس تماثل العقل في ظواهرها المختلفة، وبما أن الاثنين لهما أسرار معقدة، فتجربته انصبّت على تفسير الأحلام والأساطير التاريخية من هذا المنظور، ليصل إلى نتائج ليست حاسمة بالطبع، فالتشكيل العقلي للإنسان فيه تعقيد ومفارقات كثيرة. أي أن يونغ لم يقدم حلولًا ناجعة في تفسير السلوك البشري في مراحله المشتبكة كثيرة التعقيد. ونظن أنه في اجتهاداته في تفسير الأحلام لم يتوصل إلى قناعة شفائية لمرضى النفس. فهذا يُعد من المستحيل طبقًا لتشابك تكوين الإنسان العقلي الذي يرتبط بالروح والنفس، وهما من باطنية الإنسان التي تقف العلوم النفسية أمامها عاجزة، وعلم النفس التحليلي منها، والذي حاول عبر يونغ وقبله فرويد الوصول إلى حقيقة التكامل النفسي عبر "فهم ودمج دوافع اللاوعي الشخصي والجمعي مع العقل الواعي".
(2)
الثقافة، الفطرية أو المكتسبة، لها دور في معالجة مثل هذا الاشتباك في دوافع الوعي واللاوعي، في دمجهما عبر العقل الشخصي. وهذه محاولة قد تكون نظرية وحسب، في إيلاء العلم النفسي أهميته التشخيصية ودوره في استمكان خلل العلاقة بين الشخص وتكوينه العقلي ووعيه ولاوعيه وباطنيته. لكن، بتعريف إنساني وشعبي واضح، فإن الثقافة العامة والشخصية هي سلوك وأخلاق ووعي وعطاء وجمال أيضًا. وما من أحدٍ يريد أن يعلو على هذه الثقافة البديهية إلا وكان الاشتباك الداخلي يهيّئ له السقوط كنهاية متوقعة لا بد منها.
قد يمر الإنسان العادي بهذه التجربة، لكن الزمن المتقلّب يعلّمه ما لم يعلم، لأنه فرد. والفرد لا يمتلك القوة اللازمة لتقيه الكثير من منعطفات القسوة في الحياة، غير أن الأمر يفترق عندما يكون الفرد جيشًا وسلطة قوية ومركزًا عاليًا في الدولة، إذ سيبدو الأمر لا يحتاج إلى فذلكة شخصية واجتماعية. فالكثير من الصفات المختفية فيه ستظهر الواحدة بعد الأخرى مع الوقت، وأوسعها جرأة هي الغطرسة. ومنها الاستعلاء والترفع والكبر والعجرفة والزهو والتعاظم والتطاول، كما تفيد به شروحات القواميس العربية. كل هذه المعاني هي صفات للديكتاتور والمتسلط والحاكم الشمولي الذي لا يثق بمن حوله، ويعدّ ذاته هي الخبيرة والعالمة والعارفة.
في هذا، يعرّف أرسطو الغطرسة بأنها "أن يتخلى الإنسان عن قيم الوسطية الجميلة ويتصرف بشكل خاطئ لأنه يقتنع بأنه يتفوق على الآخرين..."، على اعتبار أن المعاني الظاهرة والباطنة للسلوك الشخصي-الفردي هي إنتاج ذات مريضة مصابة بما يُسمّى بجنون العظمة، من دون وسطية سياسية واجتماعية. بما يعني أن الذات تتضخم وتتمركز في الأنا في نشوتها العليا وسلوكها الفردي، وهذا ما يتميز به رؤساء وحكام كثيرون منذ فجر التاريخ وحتى اليوم. فالاستبداد مظهر سلطوي ذاقت الشعوب القديمة منه، والحديثة، الويلات.
(3)
يبدو للوهلة الأولى أن كتاب "تاريخ الغطرسة" للباحث آري تورنين (*) يقع في جنس كتب التنمية البشرية التي وجدت لها مساحة قرائية منتشرة في العالم العربي. فعنوانه الهامشي "هل تعرف مع من تتحدث؟" يشير إلى ذلك إلى حد ما. مع أنني وجدته عنوانًا تجاريًا ربما يكون الناشر قد وضعه، لكنه غير ذلك أبدًا. لكنه كتاب تاريخي يأتي من الماضي إلى الحاضر، بسير المغرورين والمتغطرسين والمتكبرين والاستبداديين والطغاة والمنفصمين نفسيًا عبر البحث المصدري في التاريخ البشري العام، لصناعة حالة بشرية مألوفيتها تُعد جنونًا اجتماعيًا وفقدانًا للسيطرة على السلوك البشري في خلاصة مفهومة بأن التاريخ يعلمنا "بأن الغطرسة لم تفرز شيئًا سوى الحروب والكوارث والكراهية". وهذه من بديهيات معروفة لدى الشعوب المبتلاة بطغاتها الجبارين.
يمكن عدّ الانتصار في المعارك كنوع من أنواع التخدير الشخصي، حينما يفرز العقل فيه هرمونات النجاح الوقتي في تضخم الأنا والتمركز حول الذات بشكل مفرط، إذ تُعد نشوة الانتصار "عملية كيميائية" تفرز "مرض الانتصار"، وهو مرض يصيب الجبابرة والطغاة والمتعالمين. وقد فسّر الفيلسوف فيلوديموس بأن المتغطرس ينشغل بمكانته وقدرته، ويتوهم بأنه أكثر أهمية من الآخرين، ولا يحافظ على التوازن في علاقاته وصداقاته، وبالنتيجة فإنه يُصاب بجنون العظمة الذي أصاب رؤساء وقياديين وحتى مثقفين. لهذا يولد الطاغية عبر الغطرسة الفردية والغرور والتباهي، حتى تكون مصائر الأبرياء على المحك. وفردية الطاغية وشمولية حكمه في جعل السلطة بين يديه أمر فيه التباس اجتماعي وسياسي، ولدينا، في هذا الكتاب أو ما نعرفه، أمثلة وفيرة على الطغاة والمتغطرسين والديكتاتوريين في عالمنا العربي، في أوضح صورة كشفتها وعرّتها ما يسمى بثورات الربيع العربي. وهي نماذج زحفت من ثقافات التاريخ القديم إلى الوسيط إلى المعاصرة، مع تطورات التكنولوجيا والإلكترونيات.
ومثل أولئك وهؤلاء يجمعهم عنوان "الغطرسة" كعامل يساهم في صناعة الديكتاتور ويهيئه إلى الحياة السياسية والاجتماعية، وبالتالي فإن هذا الكتاب المهم يغور في أعماق بعيدة وقريبة من التاريخ البشري الذي مرت عليه حقب سوداء عانى فيها من الويلات والكوارث في الحروب والانقلابات والمؤامرات، وفرض قشور الدين بالقوة، من تلك التي تضخّمه وتثير الخوف فيه، وتجعل المرء عبدًا لسلوكيات كان يرفضها، غير أنه يعتادها مجبرًا وكارهًا.
ومع أن هذا الكتاب، بفصوله الـ 27، لا يمر على هذه الفجوات التاريخية كثيرًا، إلا أنها بعض إنتاجها الأكيد، لكن من الطبيعي أن يسأل أسئلة كثيرة في مقدمته أو تضاعيفه السردية، وهو بصدد إيلاء عناية تاريخية بالنماذج الكثيرة التي تغطرست في حياتها من سياسيين وقادة، بل حتى من المثقفين. وأهم الأسئلة التي سألها: هل هناك غريزة حيوانية تدفعنا للقبول على أنه لا بد للإنسان أن يتغلب على إخوانه من البشر...؟
(4)
علم النفس التحليلي بقيادة يونغ لم يستطع تقديم وصفة علاجية للمستبدين والطغاة المتغطرسين، بدليل تكاثرهم كالجراثيم في العصر الحديث، حتى في الدول التي تتمنهج دستوريًا مع الديمقراطية. وما يعنينا ونحن نقرأ الكتاب هو عرض النوع المتغطرس من المثقفين والأدباء المعاصرين وغير المعاصرين، والسياسيين المعروفين في صحيفة الخراب العالمية. لذلك -مثلًا- نطالع عينات تُحسب على الثقافة والآداب العالمية:
• الفيلسوف بروتاجوراس قبل 2500 سنة قال إن الإنسان هو مقياس كل الأشياء.
• تم إلزام شانتيلي -زوجة الشاعر فافار- أن تكون عشيقة لمارشال ساكسونيا، وهذا الأخير حصل على مرسوم جمهوري يقضي بذلك من الحكومة الملكية.
• الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين قال إن حواراته مع زملائه كانت غير لائقة "فهم مبتذلون ويرتدون ملابس غير لائقة".
• برتراند رسل أخبر حبيبته بأن شعورًا تملّكه من أنه يتحدث لغة الأطفال الرضّع عندما يتحدث مع الناس العاديين...!
• إيمانويل كانط خلص إلى أن لون البشرة يشير إلى وجود اختلافات في القدرات العقلية/ وكان هو أسود البشرة كما قيل.
• الكاتب البريطاني إيان فليمنغ (مبتكر شخصية جيمس بوند) كتب عن لبنان ممتعضًا بأن النداء الداخلي في مطار بيروت يتم في المقام الأول باللغة العربية.
• الكاتب الإنكليزي توبياس جونز يعتقد أن الأشخاص الذين يتمتعون بالجمال وحدهم من يرتقون إلى مكانة عليا في إيطاليا...!
• المغني باري مانيلَو طالب أن تكون درجة حرارة الغرفة ثابتة عند 18 درجة بالضبط أثناء تدريباته المعتادة، من دون الشعور بالآخرين.
• المغنية ماريا كاري طالبت بأن تكون هناك أرانب وقطط صغيرة في تغيير ملابسها، وتريد دائمًا مياه من نوع إفيان مرتفعة السعر وشمبانيا كريستال. ويذكر الكتاب أنه في جولتها إلى الصين رافقتها في جولتها 4 سيارات تكدست فيها 60 حقيبة سفر و350 زوجًا من الأحذية، واشترطت أن تكون مناديل مرحاضها ذات لون وردي...!
(5)
من يُحسبون على الثقافة العامة، والآداب منها بصورة خاصة، ليسوا كثيرين، وإن كان الكتاب يأتي بالمصادر المعرفية الكثيرة من أقصى التاريخ. لكن الوفرة المتغطرسة هي من أصحاب السلطة المتعالين الذين ينظرون بعين واحدة إلى المجتمع والدولة، مثلما ينظرون إلى الآخر بالعين ذاتها. حتى بعض الشعوب زحفت إليها الغطرسة بسبب التدجين المستمر في حياتها أمام سلطة واحدة تتكرر على مدار السنوات.
على سبيل الأمثلة التي أتاحها الكتاب:
• آشور القديمة ترى أن القوة وحدها هي التي تخلق الشرعية، وأن الأقوى هو ما يكون دائمًا تحت حماية الآلهة.
• الصينيون يتصورون بأنهم مركز العالم، ولا داعي لوجود القارات في الخرائط أو حتى في الواقع. وإمبراطور الصين تشين شيه وانغ داي أحرق جميع الكتب بمملكته، ودفن 460 عالمًا وهم أحياء، وتبريره بأنهم لم يستطيعوا أن يقدموا له النصيحة بشأن طريقة تمكنه من الخلود؛ فهو كما يعتقد يمتلك صفاتٍ إلهية.
• ماو تسي تونغ أباد جميع العصافير في الصين من أجل المحافظة على الحبوب، ثم قضى على الثقافة الصينية القديمة عندما أحرق أربعة آلاف مبنىً تاريخيًا في بكين إبان الثورة الثقافية. في حين أن غريزة القتل قادت "كاستر" إلى شن هجوم على قبيلة الشايان عام 1868 وقتل 103 منهم، ووُصف بأنه قاتل النساء والأطفال، بينما أعلن تونغ في وقته أنه يمكن التضحية بنصف الصينيين في سبيل الأيديولوجيا والدولة.
• غزا الإسكندر المقدوني آسيا الوسطى بأكملها/ وهو مخمور/ فأحرق العاصمة الفارسية برسبوليس/ ثم قتل قائده الأبرز كليتوس، وقتل مؤرخ البلاط كاليستينيس من دون سبب يذكر.
• قال موري جيلمان -مكتشف الكواركات في الفيزياء- إنه محاط بالأقزام، فقد تملكه الغرور ورأى في الناس أقزامًا يحيطون به.
• كان نابليون يحتقر فكرة الاختلاف معه، وعانى من اضطراب في شخصيته النرجسية، وهو القائل إنه سيصبح سيد الكون.
• عندما وصل الإسكندر الأكبر ونابليون إلى السلطة تغير التركيب الكيميائي لدماغيهما، إذ تدفقت النواقل العصبية من الدوبامين والسيروتونين فيها.
• لويس الرابع عشر حدد للمواطنين الذوق العام في قصر فرساي، ولا يجوز الإخلال به.
• العلاقة مع الأسماء لها دلالات رمزية على بعض الرؤساء والملوك، فقد أطلق جورجيوس السابع على نفسه ما يمكن اعتباره شخصًا مهمًا على مستوى العالم، ويجب على جميع الأمراء الانحناء أمامه وتقبيل يديه، ولا يجوز لأحد أن يدينه. حتى الملك الصيني هونغ وو (1368) هو اسم يعني الشخص القوي عسكريًا بشكل فائق. وهذا الفائق حكم على العديد من المواطنين بالإعدام، حتى إنه قطع رأس رئيس وزرائه مع جميع أفراد عائلته وجميع من كانوا على اتصال به؛ وبلغ عدد الرؤوس التي قطعت 40 ألف رأس، لأن رئيس وزرائه كان مثار شك لديه...!
• في عام 1135 طالبت الملكة ماتيلدا أن يتم الاحتفاء بها كالأميرات بعد قتالها مع ستيفن الذي كان يقاتل من أجل العرش نفسه، كما أمرت كبار جنود لندن بتقبيل موضع قدميها.
• تروتسكي كان يرفض العمل مع فريق، ربما لشعوره بأنه أفضل الجميع، حتى تخلص منه ستالين. وهذا الأخير أودى بحياة 30 مليون شخص في حروبه، وكان يقول إن موت الملايين هو مجرد إحصائية.
• هتلر وتشاوشيسكو كانا شريرين.
• موبوتو سيسي سيكو حاكم طاغية في زيمبابوي، كان يرتدي الملابس المزخرفة بنقش الفهد ليصور للجميع بأنه قوي وشرس ومفترس.
• توني بلير وجورج دبليو بوش كانا يعانيان من الثقة المفرطة بالنفس، لهذا فهما قلقان حياتيًا وسياسيًا ولم يستمعا إلى أية نصيحة أو استشارة.
• كان الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز يظهر أمام الكاميرات كل يوم، وجعل في بلده 10 قنوات، لكنه في عام 2010 أمر الحكومة بإغلاق 6 قنوات تلفزيونية لأنها لم تنقل خطبه...!
يحتمل هذا الكتاب الثمين قراءات كثيرة في الوقوف على آثار الطغاة والمتغطرسين في التواريخ كلها. فالمتغطرس عصابي يدير بلدًا بأكمله تحت تأثير نمط سلوكي خطير، لم ينجح التحليل النفسي في تمريض الطاغية المتغطرس، الذي يحتمي بأجنحة الجيش والقوات الأمنية المساندة له، لكن الأخطر من هذا أنه تصعب عليه الحياة لو تمت إحالته على التقاعد، فالشعور بما وراء ذلك يُشعره بالفراغ الكلي، من دون حاشية ولا متملقين. عندها يجد نفسه بأنه فرد وحيد، كأنما المياه تتسرب من تحت قدميه، وهذه إحدى النزعات القوية التي تجعله متمسكًا بالسلطة والحكم والكرسي. وهي ثقافة الاستبداد السائدة من زمن تاريخي بعيد، ولا نعتقد بأنها ستزول، لا سيما في عالمنا العربي.
هامش:
(*) تاريخ الغطرسة: هل تعرف مع من تتحدث؟ - آري تورنين - ترجمة: د. سمر منير - العربي للنشر والتوزيع - ط2 - القاهرة 2023.


تحميل المقال التالي...