في التجربة النقديّة للباحثة عتيقة السّعدي[1]
تنطلق هذه القراءة في التجربة النقدية للباحثة المغربية عتيقة السّعدي من فكرة مفادها أنّه ما من قراءة للعمل الأدبي إلا وتُضمِرُ تصوّرًا محدّدًا عن الأدب ومفهومه وعلاقته بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي يَتحققُ فيه. حتى القراءة التي يَستحكمُ بها هَاجسُ تذوق العمل الأدبي، والتحرّك الحرّ في مساحاته، لا ريب، أنها تتأسسُ على وعي نظري بمفهوم الأدب وغائيته وموقعه في الحقل الثقافي، وهذا ما يُؤمّنُ للعلاقة بين الأدب والقارئ إمكانات التجدّد المستمر الذي يحميها من الاختزالية، والسّقوط في اللانسقية بأشكالها المتعدّدة.
وعندما يَتعلّقُ الأمر بالقراءة العالمة التي تتقصّدُ استكشاف العمل الأدبي، وإبراز المقومات الفنية والأبعاد الدلالية التي ينطوي عليها، متسلّحة بالمنهج وبأدوات ومفاهيم وتصورات يختارها القارئ بعناية، بعيدًا عن التوجيه والتحكّم، وحرصًا على الملاءمة والانسجام، فإنّ الأمر يغدو شديد الأهمية، إذ يُتيحُ للدّارس أن يَتلمّسَ القيمة التي تكتنزها العلاقة الجدلية بين النقد والأدب عندما تَكونُ موضوعًا للتقصّي من منظور نقد النقد. فلا شكّ في أنّ المعرفة تَتطورُ عندما تَعْرضُ نفسها للنظر والتأمّل والمساءلة، وهذا ما أبرزه أكثر من باحث، غربي وعربي، ممن عنوا بنقد النقد، ذلك المبحث الذي اعتبره الناقد المغربي محمد الدغمومي "إبستمولوجية نوعية خاصّة بموضوع معرفي هو النقد الأدبي"[2]. ولذلك فنقد النقد يتوخّى وضع النقد موضع المساءلة والتأمل بهدف تلمّس علاقته بالموضوع الذي يستكشفه، وطبيعة المعرفة التي ينتجها[3]. إن ما يُميزُ المعرفة الأدبية من تعدّدٍ واختلافٍ بحكم إمكانات التأويل اللانهائية، يَنطبقُ، كذلك، على المعرفة التي تبنيها القراءة فيما هي تَأخذُ شكل نقد النقد. "المعنى ليس معنى مطلقًا أو متعاليًا أو عالميًا أو نهائيًا أيضًا، فهو كذلك رحلة دائمة نحو المعاني المحتملة الأخرى... يَجبُ أن نقبل أنّ القراءة ليست تامّة أو كاملة أبدًا، أية عودة إلى النص تغير المعنى، ولو لأنها كذلك على وجه التحديدِ عودة، وبالتالي، قراءة ثانية لا يُمكنُها أبدا إلغاءُ الأولى تمامًا"[4].
هكذا تَنهضُ هذه القراءة على أساس المبدأ القائل بأنّ القراءة الحوارية فقط هي القادرة على الكشفِ عن مدى تَواصُلِ فكر الباحثة وتصورها للشّعر مع الأسئلة المختلفة التي يَطرحُها الأدب، وبالتالي الاقتراب من المطلب النقدي الكامن في عملها. "فالنقد ممارسة دالّة، وهذا يعني أنه يتعذّر فهمه بدون ربطه بثقافة الناقد والموقف الذي يصدر عنه، وكذلك الرؤية التي يدافع عنها، سواء من خلال النصوص التي يقرأها أو من خلال الجوانب التي يعنى بتحليلها والكشف عنها، والخلاصات التي يقوم بتشييدها"[5]. ومن هذه الزّاوية، التي نَرومُ فيها الإنصات للخطاب النّقدي للباحثة، لا بهدف القيّام بقراءة شاملة، ولكن من أجل الإمساك بما نعتبره المنطق النّاظم لعملها، يُمكنُ القول إنّ ما يُميزُ منجزها في النقد الأدبي، ليس، فقط، هو قوة الوعي بما هو معرفي وما هو منهجي، وهو ما تعزّزه المفاهيم والمصطلحات التي تَستندُ إليها، ومدى تمثلها واستيعابها، والإجراء النّقدي الذي يحكم القراءة في مستوياتها المختلفة كالتحليل والتصنيف والمقارنة، بل، وأيضًا، ما تنطوي عليه تجربتها من اهتمام خاصّ بالمكتبة المغربية والأندلسية في العصور المختلفة، وهذا ما يتبيّن لا من العدّة النظرية والنقدية التي تستدعيها الباحثة في مسعى للإصغاء لنبض النصوص التي تحاورها وحسب، ولكن، أيضًا، من خلال الإشكالات والقضايا التي تعنى بدرسها كالتركيب والمعنى، وما يتصلُ بهما من مكونات فنية ولغوية مختلفة تشتغل في الخطاب الشعري.
وفي ذلك كلّه، لا تغيب العلاقة بين الأدب والمجتمع من جهة، وبين الأدب والقرّاء من جهة أخرى. ومعنى هذا أن الباحثة عتيقة السعدي لا تحصر تحليلها في الأثر الأدبي، بوصفه كيانًا مغلقًا، دون اعتبار لمصادره، والظروف التي أحاطت بتحققه. ومن أهمّ أعمالها النقدية التي يُمكنُ الإشارة إليها تعزيزًا لهذا الوعي المنهجي: العقد الفريد لابن عبد ربّه الأندلسي (2020)، النص وبناء المعنى: مقاربات تطبيقية في الشعر المغربي الحديث (2020)، وخصائص التركيب في لغة عبد الرحمن حجي الشعرية (2021) بالإضافة إلى العديد من الكتب التي قامت بتنسيقها مثل: النظرية الأدبية المعاصرة (2024)، والإبداع الأدبي والقيم (2024)...
نَعتقدُ أن التأمّل في هذه العناوين يقود إلى إدراك كيف تتحرّك الباحثة في مساحة الأدب المغربي قديمه وحديثه، وبأجناسه المختلفة، وهو ما يذكرنا بالمساهمات الرائدة التي اطلع بها جيل من الباحثين المغاربة منذ مطلع القرن العشرين في إطار ما سمي بالتفكير في الأدب المغربي بتعبير الناقد نجيب العوفي[6]، أو الظاهرة المغربية[7] بتعبير الناقد بشير القمري. وفيما يتعلّق بالنقاد الأدباء الذين جعلوا من الأدب المغربي موضوعا للتأمّل، يمكن التفكير بـ ابن تاويت وعبد الله كنون ومحمد عباس القباج، وعميد الأدب المغربي الأستاذ عباس الجراري... بالإضافة إلى العديد من الباحثين والنقاد الذين اهتموا بالتفكير في الأدب المغربي من منظور جديد منذ مطلع الستينيات مثل إبراهيم السولامي، محمد برادة، محمد السرغيني، أحمد اليبوري، حسن المنيعي.. وغيرهم، وإذا كان الأدب المغربي قبل الستينيات، مع ابن تاويت وكنون أساسًا، لم يكن ينتظم في إطار تيارات أو اتجاهات فنية محددة، بحكم التأثير الواسع للأدب المشرقي من جهة، وللأدب الفرنسي من جهة أخرى، فإن تبلوره ضمن أفق جديد خلال مرحلة ما بعد الاستقلال كان بتأثير عوامل داخلية تمثلت في المعارك السياسية والثقافية التي كان يشهدها المغرب، وأخرى خارجية تمثّلت أساسًا في المثاقفة (Acculturation) التي فتحت منافذ للاطلاع على الآداب والثقافات الغربية، وعلى التجارب الإبداعية الطليعية في هذه المنطقة سواء عبر الترجمات المشرقية أو من خلال الاتصال المباشر، ويُضافُ إلى هذين العاملين الزخم الذي كان يشهده التيار الماركسي في العالم العربي، وهذا ما أعطى لتيار الواقعية الاشتراكية دفعة قوية. وهذان التياران جسدا في العالم العربي الوجه التقدمي للنهوض الشعبي الذي عرفته تلك الفترة. يقول عبد الكبير الخطيبي: "إن هذه النصوص، على اختلاف لهجتها، تلتقي في طابع مشترك، هو أن هؤلاء الكتاب كانوا مقتنعين برسالتهم وبالمهمة الملقاة على عاتقهم. كانوا يسعون إلى التعبير عن مأساة مجتمع متأزم. أكثر من ذلك، فهموا أنهم بتجسيدهم لوضع معطى، يترجمون التحول العميق الوافد مع تصفية الاستعمار، ويطلّون على موضوعات ما تزال حالة: الاغتراب، وفقدان الشخصية".[8]
على هذا الأساس، نرى أن تفحص الأعمال النقدية للكاتبة عتيقة السعدي يقودنا إلى تلمّس مجموعة من الخصائص النظرية والمنهجية التي يقوم عليها فعل القراءة، فهي تَحرصُ في أعمالها النقدية على تنويع المتن المدروس والانفتاح على أكبر قدر من التجارب الإبداعية في الأدب المغربي، بغية بناء خلاصات تتسم بالنسقية والشمولية، وتكون قمينة بأن تمكّن القارئ من بناء صورة أقرب من واقع الشعر العربي. ومن بين التجارب التي اهتمت بها عتيقة السعدي، تجارب كلّ من محمد حجي، علي المتقي، محمد مراح، عبد الرفيع الجواهري، أحمد شوقي وعلال الفاسي... وهي تجارب تتميز بالرّسوخ والقيمة الفنية، كما أنها تتأطر زمنيًا ضمن مراحل مختلفة من تاريخ الشعر المغربي والعربي. ومن هذه الزاوية، نعتقد أنّ القراءة المنجزة من قبل الباحثة، وبعيدًا عن العلاقة المباشرة بالنّص الأدبي، والمؤطّرة أساسًا بسؤال الكشف عن جانبه الفنّي، تتيح للقارئ إمكانية جيّدة للوقوف على القيمة التي يكتسيها الأدب والشعر خاصّة في الثقافة المغربية، وما طرأ عليهما من تحولات ليس فقط على مستوى الشّكل الجمالي، وإنما أيضًا فيما يخصّ المستوى الدلالي.
كما أن السّعدي تَعتمدُ عدّة نظرية ونقدية تتسم بالحداثة، فهي تَنهلُ من معين النظريات المعاصرة حول الشعرية، مثل نظرية هنري ميشونيك في الإيقاع التي استثمرها كثير من النقاد والباحثين العرب للكشف عن المقترحات الجمالية التي تبلورها الشعرية العربية المعاصرة على مستوى الإيقاع الشعري باعتباره مكونًا محوريًا من مكونات العمل الشعري. ويكفي أن نراجع مجموعة من الأعمال لنقاد معاصرين من طراز أدونيس أو محمد بنيس أو شربل داغر أو عبد الجليل ناظم... كي يتبدّى لنا أثر نظرية الشعر الغربية في الخطاب النقدي العربي المعاصر، ليس فقط من خلال منجز ميشونيك، وإنما أيضًا من خلال نقاد كثيرين. ولعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن نقد الشعر في المغرب اهتدى من خلال هذا التفاعل المنتج، عبر المثاقفة، إلى مسارات جديدة، غير مألوفة في قراءة القصيدة المغربية المعاصرة بشكل يَكشفُ عن ضروب الانزياح التي أحدثها الشاعر المعاصر مع بنية الشعر التقليدية كالتمرد على الوزن، والانتقال من بحر إلى بحر.
وللاقتراب من وعي الباحثة بالأهمية التي تكتسيها افتراضات هنري ميشونيك، يمكن أن نستحضر قولها: "يولي هنري ميشونيك الإيقاع أهمية كبيرة، فيحدّد وظيفته في ترتيب المعنى وتنظيمه داخل الخطاب، ذلك أن الإيقاع مستوى بنائي أساس من مستويات النص الشعري إبداعًا وتلقيًا، إذ يتحكم في نسق الخطاب، فيبني عناصره مراعيًا تنظيمها وترتيبها وفق نظام خاص، وهو عنصر دال من بين عناصره، يسهم في إنتاج الدلالة، ولا تقلّ أهمية هذا المستوى عن باقي مستويات النّص الشعري، إن صوتًا أو تركيبًا، أو صرفًا أو معجمًا"[9]. يظهر هذا القول أن الباحثة مطلعة على النظرية الشعرية المعاصرة، واعية بالأسئلة التي ما فتئت تثيرها، وبالتالي فهي قادرة على استثمارها للتفكير في أسئلة النّص الشعري، وفرادة صوره الفنية سواء في علاقتها بالتفاصيل أو في العلاقة بالعالم. ومن بين الظواهر الشعرية التي اهتمت الباحثة بالإضاءة على مستويات اشتغالها، ظاهرة التوازي الصوتي التي تعدّ من بين أكثر المستويات التي عني بها درس الشعر سواء عند النقاد العرب القدامى أو الدارسين المحدثين.
من أبرز السّمات المميزة للقراءة النقدية عند عتيقة السعدي، هو أنها في دراستها للشعر تستدعي رؤى ومرجعيات متنوعة للاقتراب أكثر من موضوعها، بعيدًا عن الركون إلى اليقين المطلق أو الأجوبة الجاهزة. فإذا كان القارئ لمنجزها يَستطيعُ أن يلمس كونه أمام باحثة متتبعة للحركة النقدية والشعرية، وملمّة بالجوانب المختلفة التي تسلّط عليها الاهتمام من قبل نقاد الشعر، فإنّه يستطيع، بنفس القدر، أن يدرك أيضًا قدرتها على الاقتراب مما يَسمُ الخطاب الأدبي المعاصر، خاصة الشعر من ضُروب التشعّب والاستعصاء. وهذا ما ألمح إليه الناقدُ المغربي نبيل منصر عندما كتب: "إنّ تشعّب مكان الشعر العربي المعاصر، الذي هو جزء من تشعّب زمننا الثقافي، بما يهيئه للشاعر من تقاطعات علمية، فلسفية، بصرية وموسيقية، وبما يفتحُ أمامه من مجالات التدخّل، يستدعي الصدور عن إشكالية جديدة تقلب وجهة النظر السائدة حول الموضوع، فيما هي تعيد بناءه على أسس علمية مغايرة، تستمدّ مشروعيتها الإجرائية من ثراء شعرنا المعاصر"[10].
لنقل إن هذا التشعّب، وهو سمة مميزة للشعرية الحديثة، لا يفسّر فقط، في حالة الباحثة عتيقة السعدي، التنويع في أجهزة القراءة، بل يَكشفُ أيضًا أنّ الباحثة على وعي عميق بأن الشعر خاصة، والأدب بصورة عامة، يتعذّر أن يختزله الدّارس في جانب واحد من جوانبه، سواء اتصل ذلك بالشكل أو المضمون، المعنى أو المبنى. فالعمل الأدبي هو من التعقيد واللغزية إلى الدّرجة التي يُمكنُ وصفه فيها باللانهائي، فهو لا يكفّ عن إنتاج المعاني والدلالات، ولا يُمكنُ للقراءة النقدية أن تستنفد إمكاناته أو تدّعي القدرة على إنتاج معرفة نهائية به. وهذا ما يفرضُ على القارئ العودة إليه من جديد، والاستعانة بمداخل أخرى من أجل مزيد الفهم والتأويل. ومن هذا المنظور، يمكن أن نفهم تعدّد وتنوع زوايا القراءة عند الباحثة، وقدرتها على بناء أدوات أخرى لدرس عمل يتعذّر دائمًا على السّبر.
ومن بين الأمثلة التي يُمكنُ أن نُعزّز بها هذا الاستنتاج، استثمارها الفضاء الشعري ممثلًا في فضاء الأندلس ذي القوة الرمزية التي تعطي القصيدة قدرة تكلّمية. ومن المعروف أن الأماكن الأندلسية شكّلت مصدر إلهام بالنسبة للعديد من الشعراء والكتاب العرب والمغاربة لأنها تذكر بلحظة مهمة من التاريخ العربي والإسلامي، لحظة تَشهدُ على القيم الإنسانية الإيجابية التي جسّدت الرافعة الأساسية للحضارة الإسلامية. بالإضافة إلى اهتمامها بدرس الخطاب المقدّماتي الذي يَتعينُ بوصفه أحد المكونات التي أفرد لها النقد العالمي المعاصر اهتمامًا خاصًا. ويعدّ كتاب خطاب الرواية (Le discours du roman) لهنري ميتران، وكتاب "عتبات" (Seuils) لجيرار جينيت من الأعمال المهمة التي أوحت لمجموعة من الدّارسين العرب بدراسة خطاب المقدّمة باعتباره خطابًا موازيًا، والكشف عن الوظائف المعرفية والأيديولوجية التي ينهضُ بها. ولو تأملنا تحليلَ الباحثة للمقدّمة في الخطاب الشعري، باعتبار المقدّمة تُمثلُ عتبة مهمة من عتبات العمل الأدبي إلى جانب العناوين والعناوين الفرعية والإهداء والتمهيد، لوجدنا أنها تهتمّ، أولًا، بتعريف المصطلح وتوضيحه ووضعه ضمن إطار المقاربة التي ينضوي فيها، فهي تعي أن "المصطلح أساس وجود النقد"[11]. في هذا السياق تقول الباحثة: "تعدّ المقدّمة من أهم عناصر النص الموازي، لأنها تكتسي أهمية في تقديم الكتاب، وفكّ ألغازه، وتثير لدى القارئ رغبات تحفزه على اقتحام عالم النص برؤية مسبقة، تجنبه مزالق الفهم وشطط التأويل، لذلك كانت لها الأولوية على باقي عناصر النص"[12]. إنّ تعريف المصطلح يبيّن مدى الوعي لدى الناقدة السعدي بأن "المصطلح يتقدّم باعتباره تحديا هامّا يواجه العملية النقدية، بالنّظر إلى الموقع الخاصّ الذي تتخذه صناعة المصطلح مقابل المعجم ووضعيته، باعتباره يمتلك صفة فوق لغوية. وإذا كان هذا ما تطرحه النظرية الغربية، فإن القضية ذاتها على الصعيد العربي تبدو أكثر تعقيدًا، وتتقدّم على أنّها أكبر تحدّ واجه ولا يزال عملية الارتباط بين ما ينتجه الفكر الغربي من فكر، وما يمارسه النقد العربي من تلقّ"[13]. هكذا نجد الباحثة في اشتغالها بمفهوم المقدّمة، تتوقفُ عند مستويات مختلفة كالمقدمة الذاتية التي يوقعها كاتب النص نفسه، والمقدمة الغيرية التي يتكفّل مقدّم آخر للنص بكتابتها، بالإضافة إلى وظائف المقدمة وعلاقتها بالتناص، ذلك المفهوم الذي شكّل محطّة رئيسة في نظرية الأدب خلال القرن العشرين، وهو ما تمثله بقوة تحليلات الفيلسوف الروسي ميخائيل باختين والناقدة البلغارية جوليا كريستيفيا.
هذا المنظور المنهجي الذي يمحض اللغة النقدية، باعتبارها لغة واصفة، اهتمامًا خاصًا نجده أيضًا في كتابها "خصائص التركيب في لغة عبد الرحمن حجي الشعرية"[14] حيث تبدي اهتمامًا واضحًا بالمصطلح. و"ما يثيره مثل هذا التعامل العلمي مع المصطلح هو الغاية المنهجية والعلمية والمعرفية. لا شكّ أن تقديم المصطلح هو من صميم المثاقفة، بحيث يدرك الباحث بأنه يقدّم مصطلحًا جديدًا، في الغالب، يتطلب تكوين قارئ جديد أيضًا لتحصل الاستجابة بين الخطاب ومتلقي هذا الخطاب"[15].
وفي هذا السياق، يُمكنُ أن نلاحظ أنّ الباحثة تَحْرصُ على تقديم المصطلح وتوضيحه بدءًا من عنوان الكتاب؛ الأمر الذي يعكس وعيها العميق بأهمية تموضع القارئ ضمن الأفق النظري الذي ينفتح عليه عملها، وذلك بغية تأسيس حوارٍ نقديٍّ منتج ومفيد. أما إذا فكّرنا في اللغة النّقدية الموظفة في القراءة، فيظهر مدى الوعي بالمصطلح النقدي. فهي تقول، مثلًا، في تعريف التشاكل: "التشاكلُ أو التباينُ مبدآن يتحكمانِ في الظواهر العالميةِ وفي السلوكِ الإنساني. ولعلّ نظرة فاحصةً في المتنِ الشعري المدروس، تبدي تحقق هذين المكونين بوصفهما خاصتين أسلوبيتين مائزتين. وسنتخذ المصطلحين ركيزتين نستند إليهما في هذا الفصل، باحثين في خَصائصِ لغة حجي النقدية"[16].
ويتبيّن من خلال التحليل أن الباحثة تعود بالمصطلح إلى جذوره العلمية والفلسفية كما تتوقف عند من أسهموا في نقله إلى الدراسات العربية، ومنهم الأستاذ محمد مفتاح، وبنفس الوعي تشير أيضًا إلى من اشتغلوا به من الدّارسين الغربيين كالسيميائي ألغيرداس غريماس. وبغضّ النّظر عن الدّلالات التي يأخذها المصطلح عند الباحثة، فإن القارئ يستطيع أن يتبيّن مدى تمثلها واستيعابها للدّرس النقدي الحديث، وإلمامها الواسع بمرجعياته وافتراضاته المختلفة. وهذا ما ينعكس على مفهومها للشعر، والأدب بشكل عام، ذلك المفهوم الذي يندرج في أفق الحداثة، لأنّه يركز على اللغة باعتبارها الوسيط الأساس الذي نتلقى من خلاله العمل الأدبي رغم بنيته المجردة. إنّ مركزية اللغة في الشعر عمومًا تقتضي أن تكون هي المدخل إلى عالم الشاعر، فهي ليست لغة هامدة مثل الحجر، بل هي مثقلة بتاريخ استعمالاتها السابقة ما يتطلب الصّدور عن وعي نظري مختلف، بقدر ما ينهل من الحداثة، فإنه يمتح أيضًا من الإمكانات التي ينطوي عليها التراث النقدي والبلاغي. وهذا ما ألمح إليه الناقد العراقي محسن جاسم الموسوي عندما كتب: "من المفيد أيضًا أن ننظر إلى هذه المسألة من خلال النظريات الحداثية العالمية، ما دام الشعراء العرب اليوم لا يقلون انفتاحا على الثقافات الأخرى على أسلافهم الذين عاشوا بين القرن التاسع عشر والثاني عشر للميلاد. فالماضي، في اللغة العربية، ما يزال يحمل مدلوله، لا لأنه باق كلغة فقط، وباق في الحسبان، وفي الرموز والقيم، ولكن لأنه ما زال يفعل فعله في الحاضر من خلال ذلك أيضًا"[17].
لعل ما يُستشفّ من هذا المنظور الذي تجترحُه الباحثة لقراءة ديوان الشعر المغربي هو الحرصُ على توسيع المفهوم عن الشعر، ما يَجعلُ منه نصًا أو خطابًا يظلّ دائما في حاجة إلى الكشفِ، وهذا ما يُفسّرُ الاهتمام من قبل الباحثة بما يتعدّى نطاقَ اللغة الشعرية. فهي ترى أنّ الشعر "بنية لغوية متميزة، وشبكة تلتقي فيها عدّة نصوص، استطاعَ الشاعرُ أن يجعل منها كنزه الشعري، وذاكرته الشعرية، وهي نُصوصٌ لا تقف عند حدّ النص الشعري بالضرورة، لأنّها حصيلة نصوص يصعب تحديدها، إذ يختلط فيها الحديث بالقديم، والعلمي بالأدبي، واليومي بالخاص، والذاتي بالموضوعي، مما يَجعلُ قراءة النص الشعري بعيدة كلّ البعد عن النظرة الأحادية، التي تَتعاملُ معه بوعي ساذج لا يَقدرُ على الكشف عن خبايا النص كعمل متكامل ومتاهة لانهائية"[18]. وليس في الأمر أي تزيّد إذا قلنا إن هذا المفهوم عن الشعر، هو ما يُعزّزُ الحاجة الماسّة إلى قراءة مختلفة يَكونُ في إمكانها الإصغاء لما تنطوي عليه القصيدة المعاصرة من مقترحات جمالية تُعدّ ثمرة مُختبرِ الكتابة الشعرية التي تُكسّرُ الحدود التي تضعها الأجناس، وتَنفتحُ على المقتضيات الفنية الطليقة، سواء أكانت في التراث أو في الآداب العالمية. وكلّما كانت المادة الخام للشعر مستوحاة من واقع وفضاءات وذاكرة الإنسان العربي، كلما أخذ الإبداعُ يَبتعدُ عن النماذج والقوالب المستعارة ليجعلَ من الممارسة سبيلًا إلى معانقة النّص الحامل لسماته الذاتية ورؤيته وذاكرته الخاصّة[19].
تبرز هذه العناصر كلها بعدًا محوريًا من أبعاد النقد عند الباحثة عتيقة السّعدي، إذ يبدو من خلال العلاقة التي تقيمها بالنّص الأدبي أن مفهومها عن النّقد، هو أقرب إلى القراءة بالمعنى الذي نجده عند الفيلسوف ألتوسير، وأيضًا عند منظّر الأدب بيير ماشري الذي ينتظم تصوره للأدب ضمن الأفق الذي كان ألتوسير سبّاقا إلى الإرهاص به. يقول ماشري: "بعبارة أخرى، لقد سعيت إلى تعزيز مفهوم، ليس ثابتًا، بل ديناميكيًا للعمل الأدبي، والذي بموجبه يتعيّن العمل الأدبي كمكان أو فضاء حيث تحدث، في الواقع، العمليّة التي يستمدّ منها ضرورته الخاصة: وهذه العمليّة، بدلاً من أن تجمّده، فهي تدرك هذا الفضاء على أنّه قيد التشكّل أو الإنجاز، حيث إنها تستمرّ إلى ما لا نهاية حتى في ذهن القارئ الذي يعيد هذه العمليّة بطريقته الخاصة، مِنْ خِلَالِ عَرْضِهِا على وجهة نَظَرِهِ الخَاصَّةِ، بِطَرِيقَةٍ تَجمَعُ بَيْنَ الحسْمِ وَالحُرِّيةِ، وَلَيْسَتْ بِأَيِّ حالٍ مِنَ الأَحْوَالِ مُغْلَقَةً أَوْ مشرُوطَةً "[20]. إن ما نودّ التشديد عليه، هنا، ليس هو القراءة بوصفها بناءً على النّحو الذي نادى به تزفيتان تودوروف في مقالة له بهذا العنوان، حيث النّص يتعين بوصفه مكتفيًّا بذاته متضمنًا العناصر التي تتيح تفسيره والكشف عن معناه، "إنّ ما يوجد، أولًا وبشكل أساسي، هو النّص نفسه، وليس ثمة إلا النّص، إننا نبني، من خلال قراءتنا، عالمًا متخيلًا عن طريق إخضاع النص إلى نمط محدد من القراءة"[21]، وإنما القراءة بوصفها ضربًا خاصًّا من التعامل مع النّص الأدبي، وبالتالي فهي إقامة متواصلة في فضاءاته وبياضاته اللانهائية، في مسعى لدفعه إلى الإفصاح عمّا يريد له أن يظلّ منسيا أو غير مصرّح به. إنها إذًا نوع من التأويل.
* كاتب من المغرب.
مراجع:
[1] - في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 رحلت عن عالمنا الناقدة المغربيّة الدكتورة عتيقة السعدي التي شغلت منصب أستاذة التعليم العالي بجامعة القاضي عياض، ورئيسة قسم اللغة العربية، ثم مديرة لمختبر تكامل المناهج في تحليل الخطاب بكلية اللغة العربية. تركت الباحثة مجموعة من الأعمال النقدية المهمة التي تعكس اهتمامها بأدب الغرب الإسلامي، وبالأدب الأندلسي بشكل خاص.
[2] - محمد الدغمومي، نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر، منشورات كلية الآداب، الرباط 1999، ص10.
[3] - إذا أردنا أن نقدم مثالًا عن مبحث نقد النقد، فإننا نشير بالنسبة للدراسات الغربية إلى العمل الأساس لـ Tzvetan Todorov, Critique de la critique, Un roman d’apprentissage, Editions du Seuil, Paris 1984. أما بالنسبة للدراسات العربية فيمكن الإشارة إلى أعمال سعد البازعي، محمد مفتاح، أحمد أبو حسن... بالإضافة إلى العمل الذي قدّمه الأستاذ محمد الدغمومي بعنوان: نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر، منشورات كلية الآداب، الرباط 1999.
[4] - Bertrand Gervais-Rachel Bouvet, Théories et pratiques de la lecture littéraire, Presses de l’Université de Québec, 2007, p.16.
[5] - إدريس الخضراوي، الكتابة النقدية عند محمد برادة: المرجعية والخطاب، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء 2020، ص26.
[6] - نجيب العوفي، التفكير المغربي في الإبداع الأدبي، مجلة الثقافة المغربية، العدد 16، مايو/ أيار 2000، ص116.
[7] - بشير القمري، جينيالوجيا الخطاب النقدي لدى عبّاس الجراري، في: الأدب المغربي إشكالات وتجليات، تنسيق إبراهيم المسدلي- محمد ظريف، منشورات كلية الآداب، الرباط 2006، ص95.
[8] - عبد الكبير الخطيبي، الكتابة والتجربة، ترجمة محمد برادة، دار عكاظ، الرباط 1989، ص15.
[9] - عتيقة السعدي، النص وبناء المعنى، مقاربات تطبيقية في الشعر المغربي الحديث والمعاصر، مؤسسة آفاق، مراكش 2020، ص13.
[10] - نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال، الدار البيضاء 1997، ص5.
[11] - محمد الدغمومي، نقد النقد، ص262.
[12] - عتيقة السعدي، النص وبناء المعنى، ص95.
[13] - سليمة عذاوري، النظريات النقدية الغربية وإشكالية التلقي العربي، دار رؤية، القاهرة 2020، ص146.
[14] - عتيقة السعدي، خصائص التركيب في لغة عبد الرحمن حجي الشعرية، مؤسسة آفاق، مراكش 2021.
[15] - أحمد أبو حسن، المصطلح ونقد النقد، في: الدراسات الأدبية الجامعية بالمغرب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 18، الرباط 1991، ص303.
[16] - السعدي، خصائص التركيب، ص17.
[17] - محسن جاسم الموسوي، مسارات القصيدة العربية المعاصرة، ترجمة أحمد بوحسن، دار توبقال، الدار البيضاء 2017، ص31.
[18] - عتيقة السعدي، النص وبناء المعنى، ص132.
[19] - محمد برادة، تحولات مفهوم الالتزام في الأدب العربي، مجلة نزوى، العدد 25، يناير/ كانون الثاني 2001، ص27.
[20] - Pierre Macherey, Pour une théorie de la production littéraire, ENS Editions, Lion 2014, p.282.
[21] - تزفيتان تودوروف، القراءة بناء، في: سوزان روبين سليمان- إنجي كروسمان (محرّرتان)، القارئ في النص: مقالات في الجمهور والتأويل، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم الحاج، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت 2007، ص88.


تحميل المقال التالي...