شكّلت تجربة الراحل توفيق صايغ افتراقًا واضحًا عن صورة ومرجعيات الشعر الفلسطيني، إلى حدّ نستطيع معه القول إن تلك التجربة – حتى لمن يختلف معها – حملت لقارئ الشعر اقتراحات فنية تقارب المغامرة غير المسبوقة، بما فيها من جسارة ومن تحدٍّ يقاربان تخوم المغايرة الكلية التي تمتحن جدارتها في جدّة الرؤيا وجدّة المنابع التي نهل منها، والتي تنتسب لثقافة هي مزيج متناسق من رؤى شرقية لها انتماء يقع في تاريخ تزدحم فيه الوقائع العامة والأفكار البسيطة، مع لون آخر جديد في تكوينه وجديد في شكل حضوره من صوفية مسيحية ترى نفسها أصيلة تنتمي للمكان الشرقي وما يحمله على كتفيه من إرث إنساني بالغ الخصوصية.
توفيق صايغ السوري والفلسطيني واللبناني، المولود لعائلة عاشت في قرية "خربا" في محافظة السويداء جنوب سوريا، بعدها ارتحلت عائلته إلى فلسطين حيث أقامت بيتها في "طبريا" حتى أجبرتها النكبة الكبرى على الرحيل إلى لبنان، لتشكّل هناك عائلة من الموهوبين الكبار المؤلفة من إخوة كان أبرزهم الراحل الدكتور أنيس صايغ، الكاتب والمفكر ومؤسس "مركز الأبحاث" في منظمة التحرير الفلسطينية، وهو في طليعة من حملوا راية الكدّ في دروب المعرفة والدراسات الجدية للتعرّف على حقيقة العدو كما هي في الواقع وليس كما هي في مخيلتنا نحن الضحايا، والتي كانت – غالبًا – تتشكل من أدوات معرفية قاصرة بل بعيدة تمامًا عن الحقيقة.
تلك النشأة امتلكت، إلى جانب كل ما قلناه، تربية أكاديمية صارمة لها عمق انتسابها للحداثة، خصوصًا وأن صاحبها درس في كبرى الجامعات الأميركية، ثم عاد وصار أحد مدرّسي أدبها وآداب "اللغات" الإنكليزية الكبار، ورحل عن عالمنا وهو لم يزل يمشي في دروب ممراتها الأكاديمية.
هو شاعر أولًا، حتى وإن قدّم تجربة حيّة في الترجمة، وأهميته الشعرية تأتي أولًا من حضور الروح الفردية المتوثبة والجامحة، وإن بلغة هادئة تزدحم في سطورها قوة المعاني مزدانة بمخيلة ثرّة، خصيبة، وتمنح قارئها دهشة خاصة بل "دهشة بدائية" تقارب دهشة القراءة الأولى لـ"الكتاب المقدس" بعهديه القديم والجديد. توفيق صايغ هنا هو شاعر التعبير عن لاهوت التأمل في الرحلة الإنسانية، الفردية والبالغة الخصوصية، وتجريب استنطاقها وحثها على الرؤية الناصعة لمآلات العيش من خلال تأمل ما وراء الكلمات، وتأمل سطوة المشهد الشعري المتخيل إلى حدود التماهي مع الفن والبصر المباشر والثقافي الآني والتجريب، على نحو غير مسبوق ولا يشبه أية تجربة شعرية عربية سابقة.
قارئ شعر توفيق صايغ سيتوقف كثيرًا أمام "معلقة توفيق صايغ"، والتي تشير بدءًا من عنوانها لطموح صاحبها في القبض على مناخ شعري تمتزج فيه ثقافة شعرية عربية تراثية تعود بنا إلى زمن الشعر الجاهلي، وما فيه من عوالم مفتوحة على صحراء كبرى تتفاعل في خيامها وكثبانها صراعات بدائية لبيئات ما قبل الدولة ومجتمعاتها القبلية وشبه الحضرية الأولى، وثقافة أخرى تنتسب لروح الحياة الجديدة التي خلقتها حرية رأس المال وثوراته التي أنهت "العصور الوسطى" وأنهت معها فنونها وآدابها، وأفسحت طرقات الأدب كلها لولوج بواباتها بحرية كاملة أمام من يرغبون في بناء ثقافة مختلفة ترى العالم نفسه بطرق وزوايا نظر لم تكن موجودة أصلًا، ويحضر الشعر فيها على نحو مختلف يصنع دهشته ويضع "المسلمات القديمة" في سياقات وبنائيات خلخلت استقرارها الطويل في التاريخ وفي العقول، والتي ظنّ الجميع أنها باقية راسخة إلى الأبد.
شعر توفيق صايغ نهل من صياغات سلسة، بل بالغة البساطة، وتحمل مباشرة وسردية ناعمة تبتعد عن المداورة في التعبير وتنجح في خلق نوع من الألفة مع القارئ، وفيها يحضر ولع الشاعر في تكوين عوالم شعرية أكثر من اهتمامه بكتابة قصائد مفردة. الأهم الرئيس هنا هو القبض على "الحالة الشعرية"، حيث الشعر فضاء كوني يأتلف موضوعات كبرى أو عادية، لكنه في الحالات كلها وعاء الروح الإنسانية الفردية التي تشكلها الوحدة والاغتراب والرؤى الذاتية في عزلتها وفي حضورها مع الآخر أيضًا.
كل المفردات لا تصف تجربته الشعرية وحسب، ولكنها تضعنا مباشرة في سيرورة حياته التي كان عنوانها الأبرز "الحداثة" بما هي ارتقاء وصعود. فهم توفيق صايغ أنها حداثة تفترض قبل أي شيء آخر "المغادرة"، والكفّ نهائيًا عن الوقوف التقليدي في مساحة التراث الشعري العربي وحسب، فحياته من بداياته الشعرية الأولى انحازت لتجمعات رواد الحداثة والباحثين عن "ولع" آخر بالجديد. هو من انضم لتجمع الحداثيين حول يوسف الخال، وهو تجمع أول قدّم لنا تجربة "مجلة شعر"، وفيها جهود نخبة من الشعراء والكتاب الجدد، الكبار والطليعيين، ومنهم فؤاد رفقة، محمد الماغوط، جبرا إبراهيم جبرا، شوقي أبي شقرا، رياض نجيب الريس، والناقدة خالدة سعيد، وغيرهم ممن عاشوا تجربة "مجلة شعر" في مرحلتي إصدارها وتوقفها الأول عام 1964 وحتى توقفها الثاني والنهائي عام 1970.
تلك التجربة من الدعوات الفنية والفكرية ونقاشات التجريب كان في القلب منها موضوعها الأهم، وهو هنا "قصيدة النثر"، والتي سيلاحظ أي دارس أن أهم من نجح في كتابتها وحقق الانتشار والاهتمام كان السوري محمد الماغوط، وهو من نجح بجدارة في أن يرسخ تجربته وأن يجعلها محط اهتمام وإعجاب الأجيال الجديدة من الشعراء العرب، بنجاحه في تقديم قصيدة نثر لها جمالياتها العالية، كما لها امتلاكها لحرارة موضوعاتها ومناخاتها التي تنتسب لقاع المجتمعات العربية وعوالمها الاجتماعية البسيطة.
توفيق صايغ، في سياق تلك التجربة، شاعر آخر، أبرز ما في تجربته وقع، للأسف، على هامشها، بسبب الصخب العالي حين جرت وقائع سياسية صاخبة حول مجلة "حوار" وبالطبع حوله شخصيًا، وهو صخب انفجر حين تم تداول أخبار عن معلومة اتهام مرعبة كان بطلها الشاعر توفيق صايغ نفسه. في عام 1967 بدأ همس يدور في الأوساط الثقافية والصحافية عن "ارتباط" ما بين مجلة "حوار" التي كان أصدرها توفيق صايغ وبين "منظمة حرية الثقافة" التي مولتها في تلك الأيام المخابرات المركزية الأميركية، ما دفع صايغ يومها لتقصّي الحقيقة ليعلن بعدها بشجاعة، وفي صورة واضحة، انسحابه من تلك التجربة وإيقاف "حوار" عن الصدور، رغم ما حققته من نجاح أدبي كبير، وهي التي نشر فيها عدد كبير من الكتّاب والمبدعين العرب الكبار، وكان توفيق صايغ ناشرها ورئيس تحريرها، والراحل رياض نجيب الريس، الكاتب والناشر السوري المعروف، مدير تحريرها.
في عام 2009، وفي إطار "دمشق عاصمة الثقافة العربية"، جمعتني ندوة مشتركة عن "المجلات الأدبية العربية" مع الراحل رياض نجيب الريس، وطلب مني أن أتحدث في مداخلتي عن مجلة "حوار" ورؤيتها بعد كل تلك العقود التي مرت على توقفها واختفائها نهائيًا. وقد أشرت يومها لمسألة أثارت تساؤلات الحضور، مسألة تشير في صورة واضحة لأهمية "حوار" ولحقيقة أنها مجلة راقية، وهو "تناقض" لم أجد له إلى اليوم تفسيرًا واضحًا يجعل المخابرات المركزية تقوم بتمويل مجلة لها قوة حضورها وتأثيرها الإيجابي، سوى ما يشير لتفسير وحيد يمكن أن يكون قريبًا من الصواب، وهو أنها كانت تهدف إلى إبعاد الأدباء والمبدعين العرب عن السياسة المباشرة التي تدفعهم للكتابة عن الصراعات الكبرى، وتلزمهم برغبتهم واختيارهم على الالتصاق بالموضوعات الأدبية الجمالية والبعيدة عن اليومي وما فيه من قضايا التحرر.
ربما لكل تلك الأسباب لم تتمكن تجربة توفيق صايغ الشعرية من أن تكون حاضرة في اهتمامات قراء الشعر، سوى في تلك المساحة الضيقة من القراء الباحثين عن الفرادة والحالمين بعوالمها الفنية وموضوعاتها، على نحو ما فعل الشاعر توفيق صايغ، خصوصًا وأن سنوات الستينيات كانت ذروة صعود "أدب الالتزام" بمفهومه الفضفاض، الذي وأد، أو كاد، توثّب المواهب الإبداعية الكبرى وحشرها في سياقات ضيقة بسبب ارتباطها باليومي الطارئ والمنحاز لوقائع سياسية ليست صادقة تمامًا في انتمائها وتعبيراتها. وأعتقد أن أهم ما حققته تجربة توفيق صايغ الشعرية هو بالذات في تحريضها الفني الجمالي على اجتراح شعرية أخرى، تنتصر لشعر آخر يؤسس لعلاقة حميمة بين الوجدان الفني الساطع وبين القدرة على تأسيس حداثة لا تعيش اغترابًا من أي نوع، بل تستفيد من الحداثة العالمية والتجدد لتجعل الشعر بابًا واسعًا ينفتح على الحياة وموضوعاتها الكبرى والفردية معًا.
توفيق صايغ هو طائر الشعر الجميل الذي حلّق في سماء الثقافة العربية يومًا، فمنحنا إبداعًا يبشرنا بأمل تجاوز عثرات الواقع، وما فيه من اجترار لأساليب عاجزة.


تحميل المقال التالي...