ظهور السينما الروائية العربية تأخر 27 عامًا عن مثيلتها العالمية، فهي ظهرت مع تحقيق فيلم "ليلى"، وهي كسينما جاءت متأثرة إلى حد بعيد بما شاهده روادها الأوائل من أفلام أجنبية، حيث انتشرت العروض السينمائية – خصوصًا في مصر – قبل "ليلى"، وإن يكن التأثر الجدي مال نحو السينما الأميركية التي سرعان ما أصبحت السينما الأهم في العالم قبل أن تكتسح الأسواق، وتصبح "هوليوود" مركز صناعة السينما في العالم، وتقارب أن تكون إلى اليوم المدرسة التي خرج من استوديوهاتها كل جديد.
بين عناصر كثيرة تتضمنها السينما كفن وكصناعة، كان الممثلون والممثلات هم أهم من يتأثر بهم المشاهدون، باعتبارهم من يجسدون بوجوههم وملامحهم وأدائهم الشخصيات التي جاءت من نصوص سردية كُتبت خصيصًا كي تتحول إلى أفلام سينمائية، وهم بملامحهم تلك كانوا "وسيلة إيضاح" المخرج وشركة الإنتاج لتحقيق نجاح يبدأ أولًا من قبول أولئك الممثلين والإعجاب بهم، وهو ما يعني بالضرورة نجاحًا تجاريًا يحققه العرض ويعود بالربح على الشركة المنتجة.
تلك الخيارات الهوليوودية للممثلين جاءت في الغالب بالغة الانتقائية، انطلاقًا من دافع أساسي واضح هو تقديم وجوه "نادرة" الجمال والوسامة تستطيع أن تغزو روح المشاهد وتحقق إبهاره بحضورها – قبل أدائها – وهي مسألة ذهبت في غالب الأحيان لانتقاء ممثلين لهم حضور استثنائي كرجال، وممثلات نادرات الجمال تتحول مع تكرار المشاهدات السينمائية، ومع مرور الزمن، إلى "مثل أعلى"، بل بدون مبالغة إلى حلم جميل يختال في عيون المشاهدين وتفكيرهم.
عزّز هذه المسألة، بل كرّسها، ما قدّمته السينما العالمية من أفلام تدور أحداثها حول الحب، أو يقع الحب في بؤرة أحداثها، فكانت المبالغة في انتقاء الأبطال الأكثر وسامة وجمالًا حاضرة لرفد صناعة السينما يومًا بعد يوم بأولئك النجوم والنجمات ممن حظوا بالمواصفات المطلوبة، حتى أصبح العثور على الممثلين والممثلات "اكتشافًا" يحمل بريق الاكتشاف ووقعه.
في شأن نشأة سينمائية كهذه، كان طبيعيًا ومفهومًا أن تنتقل تلك التقاليد الإنتاجية إلى السينما العربية الناشئة، بل لنقل التابعة، والتي سارت في حالاتها الغالبة إلى تقليد "هوليوود" والسير على خطاها. في سياق كهذا، لم يكن غريبًا ولا مستهجنًا أن ما يقدمه الممثلون والممثلات من قصص الحب وشخصياتها (خصوصًا حين يتعلق الأمر بالأبطال أو الأدوار الرئيسية) سيدفع بدوره خيال المشاهد للربط بين وسامة وجمال رجال ونساء الشاشة وبين فكرة الحب ذاتها، ربطًا يصل أو يكاد لاعتبار الحب وقفًا على أولئك ومرتبطًا بهم، خصوصًا وأن حكايات الحب تلك كانت في الغالب تدور في أجواء اجتماعية "نخبوية" من حيث أمكنتها وما تتمتع به من ظروف استثنائية تقارب أن تكون عالمًا خاصًا أو غير أرضي، ولا يراه المشاهدون في حياتهم اليومية، أو هم – على الأقل – يرونه قصيًا ويقع في مساحة غامضة لا شأن لهم بها، ولا يمكنهم التعايش معها إلا بوصفها حلمًا أو أمنية.
| |
| حضور أحمد زكي بالذات جسّد الحالة السينمائية الأبرز التي حققت خروجًا فعليًا عن تلك "القواعد الهوليوودية" |
روى الممثل المصري الاستثنائي أحمد زكي أن بدايته مع السينما كانت توقيع عقد لدور البطولة في فيلم "الحب فوق هضبة الهرم"، وفيه علاقة حب ستربطه ببطلة الفيلم سعاد حسني، غير أن منتج الفيلم عاد بعد أيام لينقض اتفاقه مع زكي بسبب رفض "موزع الفيلم"، الذي قال للمنتج حرفيًا: "أنا لا أوافق أن تحب سعاد حسني هذا الشاب الأسمر، ولن يوافق الجمهور على ذلك".
ذلك الرفض الذي تمترس خلفه موزع الفيلم كان بالتأكيد لأسباب تجارية تتعلق بنجاح أو فشل الفيلم، وهو انطلق من مفهوم سائد في السينما يربط قصص وحكايات الحب بهالة رومانسية ترتبط بدورها بحضور الوجوه الجميلة، وما لها من هالات تتغلغل في نفوس المشاهدين وتجعلهم في حالة تفاعل إيجابي مع ما يشاهدونه على الشاشة، بل لنقل تجعلهم يصدقون البطل النجم الوسيم، والذي يحقق حضورًا طاغيًا يخدم فكرة تسويق الفيلم على نحو أفضل.
تلك "الواقعة"، بحضورها الفعلي وبرمزيتها، تعود بنا إلى بدايات السينما العربية، التي قامت على حضور وأداء من أطلق عليهم في مراحل عديدة لقب "فتى الشاشة"، وفي أحيان أخرى "فتى الشاشة الأول"، وكان أبرزهم في تلك المراحل الراحل أنور وجدي، ومن بعده عماد حمدي (خصوصًا في فيلمه "بين الأطلال")، ثم كمال الشناوي، وشكري سرحان، وعمر الشريف، وحتى أحمد رمزي. تلك المسيرة المكبلة بتلك الانتقائية غير الواقعية، بل الوهمية والمتخيلة، وجدت نفسها – بحكم المنطق وضرورة تقديم أعمال واقعية – مضطرة إلى التمرد على تقاليدها والانزياح التدريجي خارج مساحتها، وإن احتاج ذلك زمنًا طويلًا وأفلامًا لا تُحصى.
ومن جديد، أعتقد أن حضور أحمد زكي بالذات جسّد الحالة السينمائية الأبرز التي حققت خروجًا فعليًا عن تلك "القواعد الهوليوودية"، وهو خروج أعادنا كمشاهدين إلى "الأرض" وإلى الحياة الفعلية، ولفكرة أن الحب بكل ما يحمله من رومانسيات تحرك الخيال هو شأن بعيد عن تلك الهالات المصنوعة التي سادت طويلًا وتحولت إلى تقاليد راسخة. سنرى كثيرًا من ذلك في أعمال أحمد زكي اللاحقة، وأيضًا في العديد من أفلام عادل إمام غير الكوميدية، وهي في حالتي زكي وإمام تجعل "البطل العاشق" يعيش في حي شعبي ويحمل ملامح ساكنيه، كي لا أقول يشبههم.
هل مثل ذلك الخروج عن تقاليد هوليوود صدقية أكبر؟
أعتقد أنه حقق ذلك، خصوصًا وأن السينما الأميركية ذاتها تنازلت عن تلك الوجوه الساطعة ببريقها، والتي كانت حكرًا على مارلون براندو، وكلارك جيبل، وروك هدسون، وجيمس دين وغيرهم، وممثلات كمارلين مونرو وجين مانسفيلد مثلًا. هنا تحقق اقتراب دفعت باتجاهه تيارات واقعية صار حضورها إجباريًا أو شبه إجباري، خصوصًا وأن ما شهده العالم من صراعات سياسية واجتماعية في العقود الماضية كانت وقائعها بالغة الفداحة إلى الحد الذي يجعل تجاهلها نوعًا من اغتراب السينما وتحليقها خارج الوعي الجديد للمشاهدين. وفي هذا الواقع الجديد، جاءت الدراما التلفزيونية في زمن سيطرة التلفزيون وتحقيقه حضورًا يوميًا دائمًا ومتواصلًا لتبحث لها هي أيضًا عن مكان وعن مضمون.
من يتابع الدراما التلفزيونية العالمية والعربية سيرى كيف ساهمت في "زحزحة" السينما (الأم) عن خياراتها السابقة، ومكنّتها من تبني خيارات مختلفة جاءت أقرب إلى الحياة الواقعية، وأقرب إلى صورتها التي لا بد أن تقاربها وتأخذ مصداقيتها منها، وهي كي تحقق ذلك لا بد لها من خطوة كبرى تعيد السينما إلى الواقع، أي تعيدها للوقوف على الأرض بكل ما في الأرض من قصص وحكايات تشبه حياتنا أكثر من شبهها برؤى متخيلة ومنسوجة من وهم امتلاك جماليات غير حقيقية للتعبير عن وقائع حقيقية.
سينما اليوم نراها طليقة إلى حد كبير. لم يزل حاضرًا مفهوم التقاليد القديمة وما فيه من رؤى "تجميلية" تقارب الأحلام، لكنه وجود بات نادرًا، وهو يخلي مكانه يومًا بعد يوم لحضور يؤسس جماله على مفاهيم مختلفة للجمال ذاته، مفاهيم ترى الجمال في التعبير الفني الناجح، بل البارع، في تصوير الحياة كما هي في حقيقتها، لا كما يمكن تصنيعها ورسم خطوطها.
هل نتحدث وفي البال مثال بارز كان له دور الصدمة؟
نعم، هو الفيلم الخالد "أحدب نوتردام"، والمأخوذ عن رواية بالاسم نفسه لفيكتور هوغو. رواية تذهب للجمال بمعناه الجمال الداخلي، ولكنها في الطريق إلى ذلك تقدم رمزيها من خلال شخصيتي "الأحدب" غير الجميل بالمفهوم التقليدي، و"أزميرالدا" الفاتنة، وجسدهما أنطوني كوين وجينا لولو بريجيدا باقتدار وجمال، جعل الفيلم واحدًا من أبرز الأفلام الكلاسيكية التي لا تُنسى، والتي تحمل المتعة والفن معًا بذات الوقت.


تحميل المقال التالي...