}

ذكرى حنا ميخائيل: الجمع بين العمل الأكاديمي والعمل الثوري

يوسف يونس 24 يوليه 2026
استعادات ذكرى حنا ميخائيل: الجمع بين العمل الأكاديمي والعمل الثوري
ولد حنا ميخائيل في رام الله عام 1935
في مساء 20 تموز/ يوليو الحالي، أقامت مكتبة رقائم في الحمراء ندوة حوارية خصصتها لاستعادة إحدى الشخصيات التي غابت عن الذاكرة الرسمية أكثر مما غابت عن التاريخ: حنا إبراهيم ميخائيل، المعروف بأبي عمر، بمناسبة مرور خمسين عامًا على اختفائه في البحر قبالة الساحل اللبناني. لم يكن عدد الحاضرين كبيرًا، لكن المادة المطروحة جعلت الندوة تتجاوز حدود المناسبة التذكارية، لتتحول إلى مراجعة فكرية وسياسية لتجربة رجل جمع بين العمل الأكاديمي والعمل الثوري، وترك أسئلة لا تزال مفتوحة بعد نصف قرن من غيابه.
افتتح اللقاء بالسؤال: هل يكفي مرور خمسين عامًا لاستعادة رجل غاب؟ وجاء الجواب بأن الزمن لا يمنح الشخصيات أهميتها، وإنما يصنعها نوع الأثر الذي يتركه الغياب. فهناك من يطويهم النسيان من غير أن يخلفوا فراغًا، وهناك من يكشف غيابهم نقصًا في فهم ما يجب أن تكون عليه القيادية الثورية الحقيقية. وقد قُدم أبو عمر بوصفه من هذا الصنف الثاني، لأنه مثّل نموذجًا نادرًا للتطابق بين الفكر والممارسة. واستعين في توصيف هذه السمة بمفهوم أميلكار كابرال عن "انتحار الطبقة"، أي تخلي المثقف المنتمي إلى البرجوازية الصغيرة عن امتيازاته الاجتماعية ليندمج فعليًا في حياة الفئات التي يناضل من أجلها.
وانتقل العرض بعد ذلك إلى سيرته الشخصية. فقد ولد في رام الله عام 1935 لأسرة مسيحية كويكرية، ودرس في مدرسة الفرندز، قبل أن ينتقل إلى كلية هافرفورد، حيث بدأ دراسة الكيمياء ثم تحول إلى العلوم السياسية. وفي عام 1968 نال درجة الدكتوراه من جامعة هارفرد عن أطروحته حول الماوردي، ثم عمل أستاذًا في جامعة واشنطن بمدينة سياتل. ثم ما لبثت هزيمة حزيران/ يونيو 1967 أن دفعته إلى مراجعة مساره، فغادر الحياة الأكاديمية عام 1969 متوجهًا إلى عمان للانخراط في صفوف المقاومة الفلسطينية.
وتوقف المتحدث عند اختياره حركة فتح دون غيرها من الفصائل. فقد نقل إدوارد سعيد عنه أنه رأى فيها الإطار الوطني الأوسع القادر على استيعاب مختلف الاتجاهات، بينما يروي نبيل شعث أنه استمع إلى ممثلي جميع التنظيمات قبل أن يحسم خياره. ومنذ ذلك الحين تنقل بين مواقع متعددة، فعمل في دائرة العلاقات الخارجية، ثم في جهاز الإعلام المركزي بقيادة كمال عدوان، وربطته صداقة بالكاتب الفرنسي جان جينيه، الذي رأى فيه، بحسب ما نقل إدوارد سعيد، صفاءً إنسانيًا نادرًا وتجردًا من الأنانية. كما استعيدت مناظرته التلفزيونية الشهيرة عام 1970 مع آلان ديرشوفيتز، التي رفض فيها اختزال القضية الفلسطينية في إطار الصراع العربي الإسرائيلي، مبينًا أن الصراع هو بين مشروع استيطاني استعماري وشعب يقاومه. وطرح رؤية فتح التي تقوم على إقامة دولة ديمقراطية علمانية واحدة يتساوى فيها جميع سكان فلسطين.
ثم تم تناول تجربته في الأردن ولبنان، وعمله في القطاع الغربي إلى جانب كمال عدوان حتى اغتيال الأخير في عملية فردان عام 1973. كما توقف المتحدث عند رفضه عام 1974 تولي مسؤولية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في نيويورك، بعدما عرض عليه المنصب واختير باسل عقل بدلًا منه. ولم يُقرأ هذا الرفض بوصفه مجرد موقف شخصي، بل باعتباره امتدادًا لفهمه لدور المثقف الثوري؛ فهو كان يرى أن خروجه من الجامعة إلى العمل الفدائي لم يكن خطوة يمكن التراجع عنها، وأن ما يدعو إليه نظريًا ينبغي أن ينعكس في اختياراته العملية. ومن هنا بدا رفضه المنصب استمرارًا لمنهجه أكثر من كونه تعبيرًا عن الزهد في المواقع السياسية.
واحتلت الدورة التي شارك فيها في فيتنام عام 1975 مساحة مهمة من الندوة، إذ عُدت من أكثر المحطات تأثيرًا في تطور تفكيره التنظيمي والسياسي. فقد استمرت ستة أشهر، تولى خلالها "نعيم" القيادة العسكرية، بينما أوكل إلى أبي عمر الجانب السياسي. وبعد عودته كتب "ملاحظات أولية حول الثورة العربية"، داعيًا إلى بناء حزب فلسطيني مقاتل إلى جانب حزب عربي جذري، ومشيرًا إلى التجربة الفيتنامية بوصفها مصدرًا يمكن الاستفادة منه في بناء تجربة ثورية عربية. وقد اعتبر هذا النص من أبرز الوثائق المؤسسة لما عُرف بيسار فتح، الذي ضم أيضًا منير شفيق وناجي علوش وإلياس شوفاني وغيرهم، قبل أن تتباعد خياراتهم الفكرية والسياسية لاحقًا.

بقي حنا ميخائيل يتحرك داخل إطار تحليلي ماركسي تقليدي

وتناول النقاش نصًا خصصه أبو عمر للمنهج العلمي تناولًا نقديًا. فقد رأى المتحدث أن أبا عمر، رغم ملاحظاته الدقيقة حول خصوصية الاقتصاد العربي، بقي يتحرك داخل إطار تحليلي ماركسي تقليدي من غير أن يعيد النظر في مقدماته النظرية. فقد لاحظ أبو عمر أن الفائض في الاقتصاد العربي كان يتولد أساسًا من التجارة البعيدة أكثر مما يتولد من الإنتاج المحلي، باستثناء مصر، وهي ملاحظة يصعب التوفيق بينها وبين التقسيم الخماسي الماركسي للتاريخ. ومع ذلك، لم يدفعه هذا إلى بلورة تصور بديل. وهو ما فسره المتحدث بطبيعة هذه النصوص نفسها، إذ كانت مواد تثقيفية موجهة إلى كوادر تنظيمية أكثر منها محاولات لتأسيس نظرية تاريخية جديدة. ومن هذا المنطلق أيضًا رأى المتحدث أن إشارات أبي عمر إلى التجربة الفيتنامية جاءت بوصفها تجربة ملهمة يمكن الاستفادة منها، من دون أن يتناولها بالمراجعة النقدية. وفي السياق نفسه، استُحضرت ملاحظة صقر أبو فخر، الذي رأى أن الدعوة إلى بناء حزب يمثل طبقة عاملة فلسطينية تقوم على افتراض لا ينسجم تمامًا مع واقع الفلسطينيين في الشتات، إذ كانوا مندمجين في اقتصادات البلدان المضيفة أكثر من كونهم يشكلون طبقة اجتماعية مستقلة.
وتناول العرض بعد ذلك نصًا لأبي عمر يتعلق بالعمل الجبهوي. وأشار المتحدث إلى أن بناءه المفاهيمي يستدعي مفردات اشتهرت في الأدبيات الماوية، مثل الدعوة إلى "أعرض جبهة من الأصدقاء" ضد أعداء الثورة. ونصوص أخرى يظهر فيها مفهوم "التناقض الرئيسي" الماوي. ولم يكن المقصود من ذلك القول إن أبا عمر كان يتبنى الماوية كمرجعية فكرية معلنة، بل إن ما يريده المتحدث هو أن في هذه المفردات أثرًا واضحًا لمفاهيم تحليلية انتشرت في أدبيات حركات التحرر خلال تلك المرحلة. من غير أن يعني ضرورة أن هذا التأثر يتعارض مع انحياز أبي عمر للتجربة الفيتنامية؛ لأن القيادة الفيتنامية نفسها استعارت جانبًا من أدواتها النظرية من الأدبيات الماوية. غير أن النقاش توقف عند تناقض ظل قائمًا في نصوص أبي عمر، إذ إنه يدعو إلى توسيع دائرة الحلفاء، لكنه يصر في الوقت نفسه على أن تبقى حركة فتح "القائد والمحور والمحرك" لأي جبهة تشترك بها، من غير أن يقدم تبريرًا نظريًا يفسر لماذا تستحق الحركة هذا الموقع دون غيرها من الفصائل.
أما النص الذي خصصه لقضية المرأة، فقد حظي بقراءة مختلفة. فقد لاحظ المتحدث أنه النص الوحيد تقريبًا الذي يصرح فيه أبو عمر بمصادره الفكرية بوضوح، إذ يستند إلى إنجلز في تفسير نشأة الأسرة وعلاقتها بأول تقسيم اجتماعي للعمل، وإلى باخوفن في الحديث عن النسب الأمومي، وإلى لينين في وصف العمل المنزلي بأنه عبء تاريخي يثقل المرأة.

كان حنا ميخائيل يتبنى الماوية كمرجعية فكرية معلنة

كما ميّز أبو عمر في هذا النص بين نساء المخيمات اللاتي يسمح لهن واقعهن بحمل أعباء العمل الوطني، ونساء الفئات الاجتماعية الميسورة، رافضًا التعامل مع النساء باعتبارهن كتلة اجتماعية واحدة، وهو تمييز يعكس فهمًا اجتماعيًا دقيقًا. لكن الانتقال من التحليل إلى الحلول كشف عن محدودية واضحة؛ إذ انتهى إلى التعويل على "وعي الكوادر القيادية" وعلى مؤسسات ثورية لم يحدد طبيعتها وآليات عملها. وطرح المتحدث من خلال هذه الفجوة مشكلة تظهر في مجمل كتاباته، حيث تبلغ قوة التشخيص مستوى يفوق كثيرًا ما تبلغه الحلول التنظيمية المقترحة.
ثم انتقلت الندوة إلى موقفه (أبي عمر) من برنامج النقاط العشر الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، والذي وصفه أبو عمر بأنه "برنامج الاستسلام على مراحل". وقد أوضح المتحدث أن اعتراضه لم يكن قائمًا على رفض أي حل مرحلي من حيث المبدأ، بقدر ما كان قائمًا على اعتقاده بأن البرنامج يعكس موازين القوى التي فرضتها الأنظمة العربية أكثر مما يعكس مصلحة المشروع الوطني الفلسطيني. ومن هنا ميّز بوضوح بين الشعوب العربية وأنظمتها، رافضًا أن تتحول موازين القوى القائمة إلى سقف نهائي لما يمكن أن تطمح إليه حركة التحرر.
بعد ذلك تناولت الندوة الحادثة التي أدت إلى اختفائه. ففي العشرين من تموز/ يوليو عام 1976 كانت المجموعة التي يقودها مع نعيم في طريقها إلى طرابلس، بعدما تعذر الوصول برًا نتيجة المواجهات مع الجيش السوري وسيطرة قوات الجبهة اللبنانية على أجزاء من الساحل اللبناني، فلجأت إلى البحر. وعُرضت الروايات المختلفة التي تناولت مصيرهم، من فرضية اعتراضها من قبل إسرائيل، وهي فرضية استبعدها معين الطاهر لعدم صدور إعلان إسرائيلي كما جرت العادة، إلى فرضية انقلاب الزورق وأسر الناجين، التي رجحها صقر أبو فخر استنادًا إلى ما نقله فايز قزي عن أمين الجميل، وصولًا إلى الرواية التي تحدثت عن اعتقالهم في السجون السورية، وهي رواية قالت حنان عشراوي إن حافظ الأسد نفاها بحضورها لقاءً جمعها مع عرفات به.
واستحضر النقاش في هذا السياق زوجته جيهان الحلو، التي كرست سنوات طويلة للبحث عن مصيره، وأصدرت عام 2019 كتابها "غُيب فازداد حضورًا"، موضحة أن تغييب حنا ميخائيل لم يكن جسديًا فقط، بل طاول أيضًا حضوره في الذاكرة الرسمية لحركة فتح.
ثم انتقل العرض إلى الجانب الأكاديمي الأقل تداولًا في سيرته، فتناول أطروحته عن الماوردي التي نال بها الدكتوراه من جامعة هارفرد عام 1968. وقد رفض نشرها قبل مراجعتها، ولم ترَ النور إلا بعد اختفائه، حين أصدرتها جامعة إدنبرة بمقدمة لبيانكا ماريا سكارسيا أموريتي وتقديم لإدوارد سعيد. وروت أموريتي أنها عرفت أبا عمر منذ سنوات طويلة في روما ناشطًا سياسيًا، ولم تدرك أنه متخصص في الفكر الإسلامي الوسيط إلا بعدما أرسلت إليها أرملته نسخة من الأطروحة. كما أشير إلى تقدير المستشرق دونالد ليتل، الذي دعا منذ عام 1974 إلى نشرها، لأنها قدمت الماوردي بوصفه مفكرًا حرًا، واعتمدت على مجمل مؤلفاته، لا على كتاب "الأحكام السلطانية" وحده.
وعرضت الندوة بعد ذلك أهم النتائج التي توصلت إليها الأطروحة. فقد وضع ميخائيل الماوردي في منزلة وسطى بين المعتزلة والأشاعرة، مبينًا أن مواقفه لا تسمح باختزاله في أي من المدرستين. كما أعاد قراءة نظرية إمارة الاستيلاء، معترضًا على التفسير الذي يجعل الماوردي مبررًا للاستيلاء لمجرد وقوعه، ومبينًا أن قبوله بها كان مشروطًا بتفويض الخليفة والتزام الحاكم بالعدل. ورأى المتحدث أن هذه القراءة تكشف الماوردي عند ميخائيل بوصفه فقيهًا يحاول التوفيق بين الشرعية والواقع، لا منظّرًا للاستبداد كما شاع في بعض الدراسات ومنها دراسة جب.
وفي ختام الندوة، استُحضر تقديم إدوارد سعيد للأطروحة، حيث استعاد مقولة فالتر بنيامين بأن مهمة المؤرخ ليست تمجيد المنتصرين، بل انتشال المنسيين من النسيان.
وانتهت الندوة إلى الخلاصة التي كانت تنمو تدريجيًا منذ بدايتها. فلم يكن الهدف استعادة اسم من قائمة المثقفين الملتزمين، ولا بناء صورة لأبي عمر لا يطاولها النقد، بل إعادة فتح تجربة لا تزال تستحق النقاش. فقد كشفت سيرة أبي عمر عن قيمة نادرة تمثلت في اتساق الإنسان مع أفكاره، لكنها كشفت أيضًا عن حدود هذا الاتساق حين لا يرافقه بناء مؤسسات قادرة على إنتاج النقد ومساءلة القيادة ومراجعة النماذج الفكرية المستعارة. ومن هذه الزاوية لا تكمن أهمية حنا ميخائيل في أنه مثقف التزم بالفعل بالثورة أو مناضل اختفى في ظروف غامضة، بل في أن تجربته تطرح أسئلة لم تفقد راهنيتها حتى اليوم: كيف تبنى حركة تحرر تجمع بين الفكر والتنظيم؟ وكيف تتحول المبادئ إلى مؤسسات لا تعتمد على فضائل الأفراد وحدها؟ وكيف يمكن أن يبقى المشروع الثوري قادرًا على مراجعة نفسه وهو في قلب الصراع؟ ولهذا لا يتم إحياء ذكرى أبي عمر بأيقنته، وإنما باستئناف الحوار مع أفكاره، لأن الشخصيات التي تستحق البقاء في التاريخ ليست تلك التي ترفع فوق النقد، بل تلك التي تظل قادرة على إنتاج الأسئلة بعد غيابها.

وضع ميخائيل الماوردي في منزلة وسطى بين المعتزلة والأشاعرة

أثار الحوار والنقاش في الندوة مجموعة من القضايا والأسئلة المفصلية التي أضاءت جوانب معقدة من سيرة حنا ميخائيل وفكره، متجاوزة السرد التوثيقي إلى التحليل المفهومي والتاريخي.
ففيما يتعلق بالتوتر الظاهر بين نشأته الكويكرية التي تؤكد على قيمة السلام وبين انخراطه لاحقًا في قيادة العمل الفدائي المسلح، يتبين أن هذا التباين ليس بالضرورة تناقضًا جوهريًا. فـ "شهادة السلام" لدى الكويكرز ليست عقيدة كنسية صلبة أو ملزمة بقدر ما تنبع من مبدأ "النور الداخلي" الذي يترك الحكم الأخلاقي الأخير لضمير الفرد؛ إذ عرف تاريخ الكويكرز مناضلين انخرطوا في حركات مناهضة للعبودية والاستعمار بدون أن يُعد ذلك خروجًا تلقائيًا عن الجماعة، كما أن هذا التقليد ميّز في بعض قراءاته بين شن الحروب وبين مقاومة الاضطهاد. وعلى الرغم من غياب شهادة مباشرة من أبي عمر تفصّل علاقته الشخصية بهذه النشأة أو توضح كيف تمثّل هذا الانتقال في وعيه، إلا أن الانخراط الثوري بقي الواقعة الثابتة، في حين يظل افترض استمرار التزامه الأيديولوجي بهذا التقليد أمرًا غير محسوم بدليل مباشر.
وعلى صعيد الملابسات الميدانية التي أحاطت باختفائه، وتحديدًا مدى مسؤولية غازي عطا الله (أبو هاجم) عما آلت إليه المهمة، فإن الوقائع التاريخية المتوافرة لا تسمح بقطع يقيني. فقد أظهرت التحقيقات التي أجرَتها قيادة حركة فتح عقب الحادثة أن ما جرى كان خطأً أمنيًا ناجمًا عن الإهمال وسوء التقدير، لا فعلًا مقصودًا أو خيانة منظمة. وبذلك يبقى الربط بين البرقية الأمنية ومصير المجموعة في إطار الفرضية التي تستحق البحث والدراسة، من دون أن يرتقي إلى مرتبة الحقيقة التاريخية المثبتة بالأدلة.
أما عن الراهنية التي تفرض قراءة حنا ميخائيل اليوم، فتكمن في تمثيله نموذجًا نادرًا لمحاولة جعل الممارسة الميدانية امتدادًا طبيعيًا للفكر؛ إذ يتجلى هذا التطابق في تركه حياة أكاديمية مستقرة في الولايات المتحدة، وانخراطه المباشر في العمل الثوري، ثم رفضه العودة إلى موقع دبلوماسي مريح عند عرضه عليه. وفي المقابل، يفسَّر غيابه عن الذاكرة الرسمية بطبيعة حركات التحرر نفسها، والتي تميل عندما تتحول إلى مؤسسات أو سلطات إلى إعادة كتابة تاريخها بما يخدم سرديتها اللاحقة، فتتوارى الشخصيات التي ارتبطت بالمراجعة والنقد ورفض المساومة.
وفكريًا، يتضح أن أبا عمر نجح في لفت الانتباه إلى خصوصيات الواقع العربي التي يصعب استيعابها عبر التحليل الماركسي التقليدي وحده؛ إذ كشفت ملاحظته بأن الفائض الاقتصادي العربي نشأ في جانب كبير منه من التجارة البعيدة لا من الإنتاج المحلي، عن حس تاريخي ينأى عن النقل الحرفي للنماذج الأوروبية. كما تجلى في نصوصه أثر أدبيات حركات التحرر العالمية، ولا سيما المفاهيم الماوية مثل "التناقض الرئيسي" و"أعرض جبهة من الأصدقاء"، وهي مفاهيم وظفها تحليليًا قبل أن يتأثر عميقًا بالتجربة الفيتنامية، بدون أن يعني ذلك بالضرورة تبنيًا صريحًا للماوية كمرجعية مغلقة.
وفي سياق تقييم مشروع "يسار فتح"، يبدو أن هذا التيار لم يكن طموحًا عابرًا، بل ارتكز على تصور سياسي جدي صاغه أبو عمر في وثيقته "ملاحظات أولية حول الثورة العربية"، داعيًا إلى بناء حزب فلسطيني مقاتل إلى جانب حزب شيوعي عربي. غير أن هذا اليسار عانى من غياب التجانس الفكري بين مكوناته التي تراوحت بين الماوية والمرجعيات السوفياتية التقليدية. يضاف إلى ذلك الإشكال البنيوي العميق الذي نبه إليه صقر أبو فخر، والمتمثل في اصطدام هذا الطرح بالواقع الاجتماعي للفلسطينيين في الشتات؛ إذ لم يشكلوا طبقة عاملة متماسكة بل قوة عمل موزعة على اقتصادات الدول المضيفة، مما جعل التأسيس النظري لحزب يمثل طبقة عاملة يسبق تشكل القاعدة الاجتماعية التي يفترض أن يستند إليها.
وتخلص هذه المراجعة الشاملة إلى سؤال جوهري يظل مفتوحًا على الراهن: هل تستطيع الثورات أن تعتمد على الفضائل الأخلاقية لقادتها، أم أنها تحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسات تجعل النقد والمراجعة جزءًا أصيلًا من بنيتها التنظيمية؟ تكمن قيمة تجربة حنا ميخائيل في أنها تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا، فقد قدم مثالًا فريدًا على الاتساق الشخصي والفكري، لكنه رحل قبل أن يختبر ما إذا كان هذا الاتساق الفردي قادرًا وحده على بناء تنظيم يمتلك شجاعة نقد الذات وتصحيح المسار. ومن هنا، يظل استحضاره اليوم محفزًا لاستئناف الحوار مع أفكاره وطرح الأسئلة التأسيسية التي تواجه أي مشروع يسعى للجمع بين الفكر والعمل.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.