رحل هاني شنودة مؤخرًا عن عمر يبلغ الثالثة والثمانين، غير أن الفنان الحقيقي يملك، خلافا لغيره، ميزة الخلود، في حال قدم شيئا استثنائيا يستطيع أن يبقى في وجدان الإنسان، ويقف أمام سطوة الزمن.
البيئة الثرية للغاية التي نشأ فيها شنودة منحته تفردا فنيا وثراء لا محدودا، استنادا إلى مصادر شديدة الثراء والتنوع والاختلاف، تجمع بين الترانيم الكنسية وحلقات الذكر والموالد وأغنيات أم كلثوم التي كانت ترددها والدته، وعزف الفرق اليونانية في النوادي التي كانت منتشرة وقت طفولته، ليقدم شنودة توظيفا رائعا لكل تلك العناصر داخل مشروع فني غربي الملامح مصري الهوية.
الكاتب الصحافي مصطفى حمدي، مؤلف كتاب "مذكرات الموسيقار هاني شنودة"، أكد، في تصريحات صحافية، أن شنودة غيّر شكل الأغنية المصرية في مرحلة ما بعد رحيل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، إذ كان أول من أدخل الآلات الإلكترونية إلى التوزيع الموسيقي، كما أسس أول فرقة موسيقية حديثة تغني باللهجة المصرية، وهي فرقة المصريين، في وقت كانت معظم الفرق المصرية تكتفي بإعادة تقديم الأغنيات الغربية.
بالحديث عن فرقة المصريين، شكل شنودة علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المصرية عندما أسس فرقة "المصريين" عام 1977، التي قدمت لونا موسيقيا مختلفا جمع بين الحداثة والكلمة الراقية، وحققت نجاحا واسعا بأغان ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور، من بينها "ماشية السنيورة"، و"بنات كتير" بصوت إيمان يونس، والتي كانت من أبرز أسباب شهرة الفرقة.
يكفي لشنودة أنه قدم صوتين أصبحا فيما بعد علامات فارقة في الغناء العربي وليس المصري فقط، ونجح الاثنان في تحقيق نجاح غير مسبوق، وهما محمد منير وعمرو دياب!
قدم شنودة الفنان محمد منير في أول ألبوماته "علموني عنيكي"، عام 1977، ولحن له أربع أغنيات، وتولى توزيع الألبوم بالكامل، ثم واصل التعاون معه في ألبوم "بنتولد"، حيث لحن ثماني أغنيات، وقام أيضا بتوزيع الألبوم كاملا، في تجربة أسهمت في صناعة الهوية الموسيقية لمنير الذي انطلق كالسهم فيما بعد.
وفي عام 1983، كان شنودة على موعد آخر مع تقديم نجم مصري انطلق فيما بعد للعالمية، عندما اكتشف الفنان عمرو دياب خلال إحدى حفلات فرقة "المصريين" بمدينة بور سعيد، وأقنعه بالانتقال إلى القاهرة لدراسة الموسيقى، ثم قدمه للجمهور في ألبوم "يا طريق"، ولحن له أربع أغنيات، وتولى توزيع جميع أغاني الألبوم، كما عرفه على كبار الشعراء والملحنين، من بينهم صلاح جاهين، وعبد الرحيم منصور، وشوقي حجاب، وعزيز الناصر، وهو ما شكل نقطة انطلاق حقيقية في مسيرته الفنية.
في لقاء إذاعي، حكى شنودة عن إصراره على العمل مع منير ودياب، وعن انحيازه لهذين الصوتين تحديدا، موضحا أن الحماس والشغف كانا سمتين رئيسيتين لدى الاثنين، ولم تكن لديهما رفاهية التجربة، بل كان النجاح خيارا واحدا فقط ليس له بديل، وهو ما شجعه على الانحياز لهما.
بعد هذه السنوات الطويلة والتجارب المتعددة التي من الصعب حصرها، اكتشف هاني شنودة أن أبرز ما اكتسبه من الموسيقى كان شيئا إنسانيا للغاية، وهو أنه أصبح خبيرا في تحري الصدق لدى من يحادثه. "تكلم فقط حتى أعرفك"، يقول شنودة في لقاء إذاعي، موضحا أن الموسيقى جعلته يسمع الناس أكثر، ويستطيع تمييز الصادق من الكاذب، تماما كالمطربين، منهم المغني الصادق، ومنهم من لا يستطيع تصديق نفسه والإحساس بها، فينعكس هذا على أذن من يسمعه، فينفر منه.


تحميل المقال التالي...