اختار الرائد في مسرح العبث يوجين يونسكو (1909 ـ 1994) درب المعالجة العبثية للوضع البشريّ، لا للهزء منه أو للسخرية، بل لإظهار مقدار الألم الكامن فيه توالدًا ("جاك أو الخضوع" و"المستقبل في البيض") وموتًا ("الملك يموت") وانعدام تواصل ("المغنية الصلعاء") وعزلة شيخوخة ("الكراسي") ورعب وجود ("قاتل بلا أجر") وتحوّل ميتامورفوزيّ ("رينوسيروس")... إنه بؤس الإنسان بلغة العبث، وإن مبتسمًا بمرارة أو ضاحكًا بألم. همّ يونسكو كان إنسانيًا بامتياز لأنّ واقع الأفراد، أبطال مسرحه، في عجزهم وسوء فهمهم البينيّ ومواجهتهم الموت والفناء، هو ما كان يؤرّقه ويبعث في وجدانه أسىً وحزنًا.
شهد يونسكو في زمنه هشاشة القيم الإنسانية وتآكلها، وبدا له العالم الحديث مبتلى بأزمة ثقافية وأزمة حضارية، وباضطراب مادي واجتماعي وفكري وأخلاقي، حتى بات كل شيء موضع تساؤل بالنسبة إليه: "ثقافتنا، التي نسمّيها إنسانية، لا تبدو إلا بيتًا من ورق"، يقول، وكم هو محق. ألهمته تأملاته الذاتية ومظاهر العالم المعاصر شعورًا عميقًا بأزمة الإنسانية، وإرادة لا تلين للنضال من أجل كرامة الإنسان، فدافع في مسرحياته ومقالاته عن الأخلاق والفلسفة والثقافة الإنسانية، بإيمان متّقد وقلق في آنٍ واحد. بدا له أن هيمنة السياسة وضعف القناعات يؤديان إلى ظهور عالم تهيمن عليه صراعات القوى، حتى أنه رأى "الإنسانية الغربية مفلسة"، في تعبيره، معتبرًا أن الإغراء النيتشويّ هو "ثمرة كبرياء لوسيفر"، فخلف ستار تمجيد إرادة القوة حطّ من قدر الإنسانية: "الإنسان الخارق صار ضبعًا".
بقي التاريخ، قديمه وحديثه، يقدّم ليونسكو أسبابًا للتشكيك في قيمة المبادئ وجدواها وصحتها، بدءًا بوحشية المواجهات السياسية في بلده رومانيا خلال عهد الدولة الوطنية الفيلقية الفاشية في أربعينيات القرن الماضي، إلى العنف وقسوة القتال في الحربين العالميتين والصراعات الاستعمارية، وهمجية الاضطهاد والإبادات التي ارتكبتها الدول الشمولية، والثورات الثقافية في أوروبا والشرق الأقصى، وازدياد عدد المجازر أو الإبادات الجماعية الناتجة عن التنافسات العسكرية أو الأيديولوجية أو العرقية أو الدينية... كل ذلك كان مصدرًا مستمرًا للسخط والحزن حيال الازدراء العالمي للإنسان وللحياة البشرية. على امتداد ألوف السنين، منذ الأزل، يستمر صراع لا ينتهي بين الشعوب والأمم، حتى أن يونسكو أحصى يائسًا بعض بؤر التوتر المعاصرة وبعضها لا يزال قائمًا أو كامنًا بل متفاقمًا: "الحرب في لبنان، وفي سائر أنحاء الشرق الأوسط؛ اليهود ضد الفلسطينيين، والفلسطينيون ضد الفلسطينيين، والمسيحيون ضد المسلمين، والمسلمون ضد المسلمين، والمسيحيون ضد مسيحيين آخرين. إنها لا تنتهي أبدًا، لا تنتهي أبدًا. لقد بدأت منذ آلاف السنين. حرب نيكاراغوا؛ حرب العراق وإيران؛ حرب جنوب أفريقيا؛ حرب تشاد ضد ليبيا، حرب الفيتناميين ضد الفيتناميين، وحرب الفيتناميين ضد الصينيين [...] روسيا ضد أفغانستان، والسيخ ضد الهنود، إلخ... إلخ... إلخ... إنه الشر الشامل الذي يستمر" يقول يونسكو في كتابه "البحث المتقطع/ La Quête intermittente" الذي يضمّ يوميات وتأملات ذاتية وفكرية.
الثورات ليست أفضل من الحروب
لم تكن الثورات، على اختلاف أشكالها عبر التاريخ، أقل شأنًا من الصراعات العرقية أو بين الدول. غالبًا ما انطلقت تلك الثورات بنيّات حسنة ولمصلحة البشرية جمعاء، إلا أنها جلبت معها الرعب والفوضى. يونسكو مقتنع بـ"الفشل الذريع للثورات" التي لم تسفر في رأيه إلّا عن "إغراق البشرية في مزيد من البؤس"، معيدةً ومفاقمةً الطغيان الذي سعت إلى إطاحته. يقول: "الثورات التي اندلعت باسم العدالة والحرية ومن أجلهما أضحت طغيانًا وجحيمًا". وفي جانب آخر "لم يسبق أن نوقشت حقوق الإنسان بهذا القدر، فيما تبذل العديد من الدول كل الجهود لإلغائها تمامًا". حاولت المجتمعات الشمولية، والمجتمعات الحديثة عمومًا، خلق "إنسان جديد" بدا ليونسكو مختلفًا عن الإنسان ليس نفسيًا فحسب، بل جسديًا أيضًا "كما لو أن هناك الآن ’عرقين بشريين: الإنسان والإنسان الجديد’، ويمكن تمييز هذا الأخير من خلال تجانس لغته وفكره وخضوعه للتوافق الفكري والاجتماعي، فالإنسان الجديد هو من تخلى عن ذاته ويعيش في عالم لا شخصي". يجسّد يونسكو هذا الجيل، أو هذا التحوّل، ويرمز إليه بتحوّل الإنسان إلى وحيد قرن (عنوان مسرحيته "رينوسيروس") أو إلى عضو مطيع وغير شخصي في مجتمع مجرّد من الإنسانية، مثل "تلة النمل المثالية والنهائية" التي رأى الشاعر فاليري العالم الحديث متجهًا نحوها. كان يونسكو يخشى أن يُقاد معاصروه، كالنمل الذي يشكّل مجتمعات منظمة تمامًا، إلى "تنشئة اجتماعية مفرطة"، وإلى "تحوّل في الإنسانية يفضي إلى تجريد كامل من الإنسانية"، وهذا ما يحصل في زمننا الراهن.
وقد ساهم التقدم العلمي والتكنولوجي، على نحو متناقض، في تعريض الإنسانية وقيمها للخطر، بل وتهديد بقائها، فأخطار العصر الذري والآثار الضارة للتصنيع تشكّل تهديدًا مباشرًا ودائمًا للبشرية. يعتقد يونسكو أن "التقدم" يقود "نحو الكارثة"، فانتشار آلات الدمار وعوامل التلوث تؤدي إلى "حافة الكارثة"، إلى "كارثة كونية"، إلى "دمار الأرض"، إلى "دمار شامل"، وتلك تعابير له، مضيفًا: "لقد سعت الحضارة الحديثة إلى السعادة ولم تجد سوى الهزيمة والشقاء والموت".
الإنسان ألدّ أعداء الإنسانية
الأخطار التي تهدد البشرية، بشكليها المادي والمعنوي، ليست نتاجًا للظروف التاريخية وتحوّلات الحداثة فحسب، فالصراعات السياسية والأيديولوجية والدينية، بحسب يونسكو، ليست سوى "ذريعة للعنف"، تعبيرًا عن عنف متأصل في الإنسان أطلقت الظروف عنانه، فالإنسان هو ألدّ أعداء الإنسان والإنسانية. تكمن في الإنسان غريزة تدميرية وعدوانية متأصلة ونزعة للقتل، ولا يمكن للمرء إلّا أن يلاحظ فيها تعبيرًا عن الكراهية العميقة التي يكنّها الإنسان للإنسان، في تعبير يونسكو بكتابه "ملاحظات وملاحظات مضادة/ Notes et contre-notes"، مردفًا: "لا يوجد نوع من الحيوانات يكره نفسه إلى هذا الحد". يرى يونسكو في الإنسان جانبًا وحشيًا يتطور بعنف، وعلى نحو متسارع، تحت تأثير ظروف تاريخية معينة. وبالنسبة إليه "إن الوحوش التاريخية العظيمة، مثل هتلر أو ستالين، ليست سوى تجسيد للشر الجوهري الذي كان موجودًا منذ بداية التاريخ، فهناك العديد من هتلر الصغار، أو ستالين الصغار". ولم تكن وحشية النازية سوى "مقدمة" ومظهرًا وحشيًا لـ"الكراهية" و"الرغبة الجامحة في التدمير التي تجتاح البشرية جمعاء"، وبهذا المعنى "انتصر هتلر" يقول. وكما أن للوحوش أنيابًا ومخالب وسمًّا، فإن البشرية مجهزة بأسلحتها وميّالة بطبيعتها لاستخدامها: "خلقنا لنقتل بعضنا بعضًا، ولدنا لنهاجم، لنرتكب مجازر". لم يخطئ رامبو في تنبؤه بقدوم "عصر القتلة": "القاتل هو المثال المعلن أو غير المعلن لكثير منا"، يقول يونسكو. "إنه القاتل الذي لا يلين، الصامت، بلا دافع أو شفقة (...) ثمة وحشية في الإنسان تجعله أشبه بالحيوان (...) يمكن لأي إنسان أن يصبح وحشًا" و"الجماهير، بل والشعوب، تُجرّد من إنسانيتها دوريًا". هذا التخلّي عن الإنسانية من قبل البشر ونزعاتهم التدميرية هو، بحسب يونسكو، ثمرة وعي متنامٍ وحركة ثورية ضد بؤس الحياة الإنسانية، فالغرائز التدميرية والكراهية التي يكنّها الإنسان للآخرين ولنفسه تنبع من حقيقة أن "البشرية جمعاء أضحت واعية بؤس الوجود"، وإذا كانت الإنسانية في أحيان كثيرة مجردة من إنسانيتها فذلك لكونها عاجزة عن تحمّل "الرعب الوجوديّ"، فبؤسها متأصل في الوضع البشري: "لقد عاشت البشرية جمعاء، وكل الخليقة، في بؤس منذ بدء الخليقة" على ما يرى يونسكو. وهو يلتقي مع شوبنهاور في أن كل حياة في هذا الوجود معاناة يتبعها الموت حتمًا. كل أشكال كراهية الآخر لها دافع عميق هو الموت المتوقع والخوف منه: "كل فرد يكره في الآخر الفاني ما هو عليه من فناء". إن هشاشة القيم الإنسانية وتدهورها وانهيارها هي، وفقًا ليونسكو، النتيجة الحتمية والثمرة المرّة للبؤس المتأصل في الحالة الإنسانية نفسها. في أعماله المسرحية ومقالاته ورواياته وتأملاته ومداخلاته، سعى يونسكو بلا هوادة إلى خوض معركة دفاعًا عن القيم الإنسانية وتأكيدها.
الفرد كقيمة أساسية
أول واجبات الإنسانية، في عرف يونسكو، احترام الفرد. ورغم أن الفرد هو إلى حد ما "نتاج المجتمع" و"متأثر بالجماعة"، إلا أن الأهم في رأيه هو "أصالته، وتفرّده، وكونه غير قابل للاختزال". يونسكو معجب بـ"الشخصانية" لدى إميل مونييه، ومقتنع بأن الفردية قيمة أساسية وملجأ رئيسيّ ضد النزعة نحو التجميع، فالفرد هو حامل القيمة، على ما يقول، وهو مَنْ يجعل الإنسان ذا قيمة إزاء "منزوعي الشخصية" في المجتمعات الحديثة، حيث هم منزوعو الإنسانية ويعيشون فقط من أجل المجتمع كما في مجتمعات النمل والنحل. حتى أنه انتقد إنسان بريخت لكونه ناقصًا ومختزلًا إلى بُعدين ومشروطًا بالجانب الاجتماعي فحسب. الذات الأكثر خصوصية هي الأكثر عمقًا وشمولًا في إنسانيتها، والأقرب إلى المجتمع الإنساني والأكثر تمثيلًا له. يقول: "إذا لم يكن أحد يشبه أحدًا آخر فليس مستغربًا أن الجميع يشبه الجميع". يكتب يونسكو ببراعة "نحن الواحد والكثير"، ولأن ذات كل شخص هي انعكاس للعالم فإن للتجربة الحميمة قيمة عالمية. يكمن الدفاع عن الإنسان والإنسانية، بنظر يونسكو، في مقاومة الضغوط الجماعية والمسلّمات الأخلاقية والفكرية، وفي التأكيد المتزامن على أولوية الفرد وعالميته.
الثقافة قوة دافعة للإنسانية
كان يونسكو، الكاتب المسرحي والروائي والناقد والمحب للأدب والرسم والعمارة وجميع أشكال الفن والإبداع، تامّ الاقتناع بأن الثقافة هي من المكوّنات الجوهرية للإنسانية ومحرّكها وقوتها الدافعة، بل مضى إلى القول: "لا تعيش الإنسانية إلّا من خلال الثقافة (...) والفكر والفن يشكلان الإنسان (...) والجمال غذاء لا غنى عنه، ولا غنى عن الثقافة، فهي كالخبز والماء لحياتنا وبقائنا، والدولة الليبرالية والإنسانية ينبغي أن يكون لها دور وواجب في دعم الثقافة والترويج لها في عالم مهووس بالهموم المادية، ومجتمع مثقل بقيود شديدة، فلا سبيل إلّا الفن والفلسفة لإبقاء الإنسانية متيقظة ولمنع الروح من الغفلة"، مطلقًا نداءه الخاص "يا فناني وشعراء جميع البلدان اتحدوا". لا تزال الثقافة عاملًا قويًا في توحيد الشعوب، ففيما تفرقهم السياسة توحدهم الثقافة، كما يكتب يونسكو. الثقافة أرضية مشتركة حقيقية يدور فوقها حوار مثاليّ سلميّ مثمر بين مفكرين من مختلف العصور والتوجهات: "الثقافة أشبه ببرلمان واسع، حيث يجيب كانط على أفلاطون، ويناقش أفلوطين مع مايستر إيكهارت، ويشكك فرويد في سوفوكليس، ويتبنّى هيغل فكر هيراقليطس، ويرد كارل ماركس على برودون، ويطلب جاك ماريتان من توما الأكويني تفسيرات، وينتقد دوستويفسكي كبار المحققين، ويشكك هايدغر في هوسرل ويوسع نطاق عمله"، بحسب فهم يونسكو للحوار الثقافي وسعة ثقافته، مؤكدًا أن على الأدب والفن أن يتحرّرا من قيود القومية الضيقة إذ لا حدود لهما، ففي مسرحيات سوفوكليس وشكسبير "حقائق إنسانية خالدة". حرية الثقافة مرتبطة بحرية الإنسان، فلا ثقافة من دون حرية، ولكن لا حرية بلا ثقافة أيضًا. إن توجيه الإبداع باسم قضية أيديولوجية أو سياسية هو "خطيئة ضد الروح" في تعبيره. أيضًا "لا فن من دون ميتافيزيقا" في يقين يونسكو، "فالفن يقودنا إلى ما وراء ذواتنا ويرشدنا إلى حافة الغموض، ويفتح بابًا إلى حياة تتجاوز الحياة، ويغرقنا في قلب الغموض الذي لا يوصف، ويتحدث عمّا لا يُنطق به، ويدعونا إلى الإنصات إلى الصمت، ويواجهنا بتساؤلاتنا حول غاياتنا النهائية".
رأي متدنٍّ في البشر ومرتفع جدًا
انسجامًا مع ميله إلى المفارقة والتناقض، يعطينا يونسكو صورة متناقضة كليًا للبشرية إذ يقول: "أملك رأيًا متدنيًا جدًا حيال البشر، وفي الوقت نفسه، ويا للمفارقة، أملك رأيًا مرتفعًا جدًا فيهم". حتى المجتمعات السيئة لا تمنع ازدهار الاكتشافات المذهلة في العلوم، وروائع العمارة والرسم والنحت والشعر. الحروب والمجازر وإرهاب الشموليات السياسية والأيديولوجية لا تحجب ذائقة الجمال ولا تخنقها، كما لا تقضي على الإحساس بالقيم أو التوق إلى المطلق. بهذا المعنى، يبقى يونسكو وفيًا لتقاليد الإنسانية الفرنسية (إذ أمضى معظم حياته في فرنسا بعد هجر مسقط رأسه رومانيا) التي من فونتين إلى باسكال ومن فولتير إلى مالرو وكامو، تدرك عظمة الإنسان وتعلي من شأنه من غير أن تتجاهل بؤسه، بل تستمتع على نحو مفارق بربط العظمة بالبؤس. يقول يونسكو بحسّه المفارق: "إن الإنسان لا قيمة له، ولكن لا شيء أغلى منه". بذلك، فإن نزعته الإنسانية تتغذّى على التشاؤم وتتشبّع بالأمل في آن واحد.


تحميل المقال التالي...