على امتداد مسيرة التلفزيون اليمني، الممتدة لعقود، لم ينل مذيعٌ من الشهرة والنجومية مثل الإذاعي الراحل يحيى علاو (1962-2010)، معدّ ومقدّم البرنامج المسابقاتي "فرسان الميدان"، الذي عرضته لسنوات قناةُ اليمن الفضائية، ثم قنوات تلفزيونية أخرى.
ويحيى علي علاو، وُلد في سنة اندلاع ثورة أيلول/ سبتمبر المجيدة (1962)، بدمنة خدير، محافظة تعز. على يد والده، تعلّم القرآن الكريم ومبادئ الفقه، قبل أن ينتقل إلى مدينة الحديدة لتلقّي تعليمه الأساسي والثانوي، حيث احتلّ المرتبة الأولى على طلبة الثانوية العامة، القسم الأدبي، عام 1978.
تخرّج في كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز بمدينة جدة السعودية سنة 1985، متحصلًا على بكالوريوس إعلام (تخصص: إذاعة وتلفزيون)، ثم التحق بدورات تأهيلية في سورية وتونس وغيرهما، مكّنته من العمل في التلفزيون، حيث سيكون نجم الإعلام اليمني الأول وأيقونته، برغم أن مسيرته لم تمتد طويلًا، عندما فاضت روحه في وقت مبكر ولم يزل في جعبته الكثير، وجاء نبأ رحيله، متأثرًا بمرض عضال ألمّ به، بأحد مستشفيات العاصمة صنعاء، مثل صاعقة زلزلت قلوب اليمنيين، الذين ما زالوا يتذكرونه حتى اليوم.
تمرّ السنوات، ويبقى يحيى علاو في الذاكرة اليمنية، برغم محاولة كثير من الإعلاميين تقليده وابتكار برامج مسابقاتية مشابهة لبرنامجه الرمضاني الشهير.
عمل علاو مذيعًا غير متفرغ في إذاعة الحديدة بين عامي 1982 و1985، ثم عُيِّنَ عضوًا في إدارة الاستعراض عام 1986، ثم عضوًا في إدارة البرامج بتلفزيون صنعاء، حيث عمل على تقديم برامج مميزة: "عالم عجيب"، "قاموس المعرفة"، ثم برنامج "فرسان الميدان"، قبل أن يُعيَّن مسؤولًا عن البرامج العلمية والتعليمية بدرجة مدير عام، وبعدها تحوّل من قناة اليمن إلى قناة السعيدة للعمل فيها.
في كُتّاب القرية، حفظ القرآن ومبادئ الفقه على يد والده في دمنة خدير، فتشكّل لديه إحساس مبكر باللغة الفصيحة وإيقاعها. انتقل بعدها إلى الحديدة، المدينة الساحلية، فتوسّع أفقه، وتصدّر طلاب الأدبي في الثانوية العامة عام 1978.
المنحة الدراسية قادته إلى جدة، حيث نال بكالوريوس الإعلام من جامعة الملك عبد العزيز عام 1985. لكنّ علاو لم يعتبر الشهادة نهاية المطاف. سافر إلى دمشق وتونس لينهل من دورات الإخراج والإعداد التلفزيوني. كان يبحث عن لغز تحويل الفكرة إلى منجز حقيقي، والمذيع إلى مؤلف ومدقق وباحث في كنوز المعرفة ورفوف المكتبات والمناهل العلمية.
عاد إلى اليمن ليعمل في إذاعة الحديدة عام 1982، ثم انتقل إلى تلفزيون صنعاء. قدّم برامج ثقافية مثل "عالم عجيب" و"قاموس المعرفة"، كانت بمثابة مسودات أولى لمشروعه الكبير. تدرّج حتى صار مديرًا عامًا للبرامج العلمية والتعليمية، ثم انتقل إلى قناة السعيدة باحثًا عن أفق إنتاجي أوسع.
في 2010، وبعمر لم يتجاوز الثامنة والأربعين، فارق الحياة في أحد مستشفيات العاصمة صنعاء. لم يكن الخبر وفاة مذيع، بل كان انطفاء صوت رمضاني لازم بيوت اليمنيين لخمسة عشر عامًا. ومنذ ذلك الحين، وكلما اقترب هلال رمضان، تعود سيرته إلى التداول، ليس نوستالجيا، بل اعترافًا بأن تجربة فارقة انقطعت، وصوتًا مؤثرًا غاب وابتعد.
ظهر "فرسان الميدان" لأول مرة على شاشة قناة اليمن الفضائية عام 1994. الفكرة لم تكن جديدة في العالم العربي، لكنّ التنفيذ كان مختلفًا: برنامج مسابقاتي ميداني، يغادر الستوديو إلى الأسواق والساحات والمدن والقرى، في كل جغرافيا اليمن وتضاريسها.
اعتمد البرنامج على أسئلة في الثقافة الإسلامية، والتاريخ الوطني، والجغرافيا اليمنية. وكان علاو يختم كل سؤال بتقرير تلفزيوني قصير، تأكيدًا على مصداقية المعلومة، وإسهامًا في التثقيف التلفزيوني. لقطات من قلعة فوق جبل، تفاصيل زخرفة مسجد عتيق، حكاية شعبية عن شخصية وطنية، من دون ذكر الاسم أو المكان. ثم يخرج علاو ليسأل الجمهور. وهكذا تحوّل السؤال من اختبار إلى لغز بصري، ومن معلومة إلى رحلة استكشاف.
لم يكن برنامجًا جامدًا. من موسم إلى آخر، كانت تُضاف فقرات، أسئلة غير مكررة، أمكنة جديدة... كان علاو يدرك أن ذائقة المشاهد تتجدد، فجدّد أدواته مع بقاء اللغة الحصيفة والاشتغال المهني، في بلد تتعاظم أحزانه، وتتمزق جغرافيته، وتتكاثر قنواته التلفزيونية.
امتلك علاو كاريزما خاصة، فلم يكن فصيحًا ومخلصًا فقط، بل قريبًا من الناس. خاطب اليمنيين، كلًّا بلغته، لا سيما في فقرات السؤال الميداني. لذلك صار نجمًا في الريف والحضر معًا، وصار اسمه مقترنًا بأشهر برنامج تلفزيوني يمني من حيث القيمة الإبداعية، وكذلك الجوائز النقدية لقاء الإجابات عن الأسئلة، كما أنه أسّس منبرًا للبسطاء وذوي المواهب والابتكارات، وحتى الأمهات والأطفال. لم يكن موجهًا لنخبة مغلقة، بل كان ساحة مفتوحة في كل اليمن، ولم يحدث أن تغيّب عن محافظة هنا أو هناك.
مثّلت تقارير البرنامج عن المدن القديمة والقلاع والحصون والمساجد دروسًا مجانية في التاريخ والعمارة. بإخراج حصيف ونص مكثّف، أثرى علاو جمهوره بأرشيف بصري لليمن قبل أن تنغلق منافذ استقبال السياح الأجانب بسبب جرائم إرهابية طاولت أفواجًا من عدة جنسيات في غير موقع ومدينة، انغلقت بعدها الأبواب، وتقلّصت حتى السياحة الداخلية في ظروف حرب وصراعات تعصف بالبلد منذ أكثر من عقد من الزمن.
بعد رحيل علاو، بدا أن لرمضان في اليمن نكهة ناقصة. حاولت برامج لاحقة ملء الفراغ، بعضها نجح جماهيريًا، والبعض واصل سقوطه المهني.
لا يزال اسمه يُقترن برمضان، واسمه يتصدر قائمة رموز الإعلام اليمني. تتداول المنصات مقاطع من برنامجه، برغم السنوات المتصرّمة منذ رحيله. يبقى هذا الإعلامي المحبوب، الذي خطفه الموت باكرًا، مدرسة إعلامية اقتربت من الناس، أضحكتهم ونوّرتهم، تحدثت إليهم بلغتهم، واحتفت ببلد كبير، اسمه اليمن.


تحميل المقال التالي...