لنا أن نتوقف كثيرًا عند زياد الرحباني بوصفه موسيقيًا فذًا. زياد الذي أعاد، على نحوٍ ما، استنباط الرحبانية أو تحديثها. يمكن القول إن في موسيقاه وجدت ثورة على الإرث الرحباني، لكنها ثورة لم يقدها عبر التحطيم الكلي بقدر ما قادها بسلاسة عبر التطويع، واللعب على جعل ذلك التضاد حجرًا أساسيًا في بناء عالمه.
أن يولد المرء ابنًا لعاصي وفيروز، وأن يشغف بالموسيقى مثلهما، ففي ذلك حظ، لكن كذلك إشكالية كبرى. قد يكون كل عالم زياد الموسيقي قد انطلق من هذه الإشكالية. في موسيقى زياد ما يخاطب موسيقى عاصي وما يناكفها في آنٍ معًا. هنالك حوار تقوده هذه الموسيقى، هو ما بين شعريتين وزمنين مختلفين. يتبلور هذا الحوار مجازيًا من خلال فيروز، التي أكسبتها تجربتها الموسيقية مع زياد نفسًا وحياةً جديدة، من غير أن تكون هنالك قطيعة مع فيروز/عاصي، أي ما قبل زياد. يمكن فهم ذلك موسيقيًا، لكن أيضًا اجتماعيًا وسياسيًا ضمن تصور مفهوم اللبنانية ككل.
عند الرحابنة، وُجد حلم ما عن لبنان ما، صورة، فولكلور نحنّ إليه في حين ونمقته في حينٍ آخر، مع إشكالية الحنين لشيء يصعب التكهن إن كان قد وُجد بالفعل. أما ما لدى زياد، فكان حلمنا عن أنفسنا، عن مراهقتنا الأولى، في بلدٍ ضائع بين الفولكلور والحروب الأهلية.
زياد الموسيقي يصعب تكراره، ولو أن تجربته بالتأكيد حفرت لها مكانًا ضمن ما يمكن تسميته باللاوعي الموسيقي الجماعي. وقد تم ذلك بقصد أو بدونه من فنانين كثر، كان زياد عاملًا مؤسسًا في فهمهم للموسيقى وتصورهم لها، وأعتقد أن ذلك الأثر باقٍ بلا شك لأجيال قادمة.
يجدر بنا أيضًا أن نتوقف مطولًا عند زياد الرحباني بوصفه كوميديًا ومسرحيًا من أفضل من عرفهم هذا البلد. كان لزياد حسّ ساحر في مسرحة السخرية. لن يحضر ذلك فقط في مسرحه، بل كان هو بشخصه، بلغته، قوام هذا المسرح. كل حديث مع زياد يصلح لأن يكون مسرحًا بحد ذاته. كان يفعل ذلك بعفوية، بسلاسة، ببساطة، بلا أي جهدٍ واضح.
| |
| لا بد أن زياد، وفي بعض ما كتب ولحن لفيروز خاصة، يعود بنا إلى شاعرية الرحابنة، ولو أن ذلك يحدث ضمن إطار اللعب على تضاد الأشياء، فتأتي النبرة العبثية غالبًا لتحطم إيقاع الرومانسية الشاعرية |
كل مشهد يومي في حياتنا، في هذا البلد الذي يحيا بعبثيته وتناقضاته، كان يجعله زياد ملحميًا. كان زياد شغوفًا بالعبث، وبقدرته على العبث بالعبث، وضمن تلك المعادلة الغريبة التي لا يجيدها غيره، أضفى لكل ذلك العبث اليومي لحنًا وذاكرة.
المعنى قد لا يكون سوى العبث بحد ذاته، المفتوح على كل التأويلات والاحتمالات التي كان يتفنن زياد في تفنيدها. لكن ما لا نتوقف عنده كثيرًا هو علاقة زياد مع اللغة، ومع اللهجة اللبنانية بالذات. لقد لحّن زياد لبنانيتنا الدارجة بكل مفرداتها وخصوصيتها ضمن لغة وتفاصيل المدينة، فأخرجها من العادية إلى مشهدية الأغنية وقصتها.
بل إن لغته الخاصة اليومية العادية تحولت إلى مفردات أيقونية بالنسبة لأجيال بأكملها. إن لغة هذه الأغاني، بنبضها الساخر، بقدرتها المدهشة على مسرحة الحياة اليومية للمرء، بأفكاره، بعواطفه، بانشغالاته، باتت جزءًا من عالمنا ومجمع لغتنا اليومية.
من غير زياد تجرأ على أن يبدأ مقدمة أغنية عاطفية بـ"ولّعت كتير، خلصت الكبريتة"، كما فعل في ألبومه "مونودوز"، وأن تصبح هذه الأغنية أيقونية بالنسبة لجيل بأكمله؟ أو أن يضيف: "من فضلك تبقى، لما بتيجي المي خلّي المي توصل عالتتخيتة".
من غير زياد قادر على إقحام هكذا جملة في وسط أغنية وأن تخرج بهذا الجمال؟ ومن غير اللبناني قادر على أن يفهم تمامًا نبض هذه الجملة وقدرتها الهائلة على التعبير عن واقع سوريالي بإشكالياته اليومية؟
إن لغة زياد باتت جزءًا من معجمنا النفسي الموسيقي، إذا صح التعبير. من "بلا ولا شي" إلى "عايشة وحدا بلاك"، أو "تلفن عيّاش"، أو "رفيقي صبحي الجيز"، والكثير غيرها، تلك أغانٍ باقية بلحنها، وأيضًا بلغتها التي تعبر عن خصوصية حالة لبنانية ساهم زياد في تجسيدها وإحيائها.
من غير زياد أيضًا قادر، وبكل بساطة، على أن يكتب أغنية تشابه الأحاديث اليومية في الحانة أو في المقهى، كمثل هذا المقطع من "عايشة وحدا بلاك":
"عايشة وحدا بلاك، وبلا حبك يا ولد، حاج تحكي عن هواك، ضحكت عليك البلد..."
كان يلزم موسيقيًا بألمعية زياد، وكوميديًا بذكائه ومهارته اللغوية، كي يخرج بهذا المزيج وأن يتقبله الناس، بل أن يصبح نشيدهم في الحانات والسهرات.
من غيره ليكتب ويلحن لفيروز "كيفك إنت"، وأن يحول عبارة بمثل اعتيادية "ملّا إنت" إلى جملة بهذه الفرادة؟ كثر حاولوا بطرق مختلفة أن يركبوا واقعًا موسيقيًا مماثلًا، لكنهم لم ينجحوا. خرجت تلك الأغاني مثقلة بالجهد وبمحاولة اختراع الكوميديا، فيما لدى زياد كان ذلك يتم بسلاسة فظيعة، لأن تلك الكوميديا كانت منه وفيه؛ كانت في معاشه، في شخصه، في لغته اليومية، وكانت أيضًا مجبولة بعالم داخلي لا تنقصه الحساسية ولا الرقة.
كان زياد موسيقيًا بارعًا، وكوميديًا لا يقل عنه براعة، لكنه أيضًا كان قصّاص الحياة العادية، فأهدانا، بالإضافة إلى الموسيقى، لغةً تعبر عن ملاحمنا اليومية الصغيرة بتخبطاتها، بأحلامها، بأوهامها، بسأمها، كما قد تعبر عنه عبارة: "فيه أمل، إيه فيه أمل، أوقات بيطلع من ملل" من أغنية "إيه في أمل" لفيروز وزياد.
لا بد أن زياد، وفي بعض ما كتب ولحن لفيروز خاصة، في شذرات منه، يعود بنا إلى شاعرية الرحابنة، ولو أن ذلك يحدث ضمن إطار اللعب على تضاد الأشياء، فتأتي النبرة العبثية غالبًا لتحطم إيقاع الرومانسية الشاعرية، كمثل جملة: "وبيذكرني فيك لون الشبابيك، بس ما بنسيني شو حصل" من أغنية "إيه في أمل".
لكن إن كانت شاعرية الرحابنة تجنح نحو الشعر الخام، فإن شاعرية زياد تميل إلى السرد والقصة والمشهد. لا شك في أن زياد الموسيقي هو الألْمع، وأن زياد الكوميدي هو الأبرع، لكنه أيضًا الراوي، الذي أدخل مشهد الحياة الاعتيادية إلى الأغنية، بشاعرية قد تكون هي الأكثر حداثة من بين كل ما صنع.


تحميل المقال التالي...