}

جوزيف مكارثي: "جدُّ" ترامب الذي لم يملك قائمة!

ضفة ثالثة ـ خاص 31 يوليه 2026
استعادات جوزيف مكارثي: "جدُّ" ترامب الذي لم يملك قائمة!
السيناتور مكارثي مع زوجته سنة 1956
في التاسع من شباط/ فبراير 1950، أُرسل عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ويسكونسن، جوزيف مكارثي (1908- 1957)، ليلقي كلمةً أمام نادي النساء الجمهوريّات في بلدة ويلينغ بولاية فرجينيا الغربيّة. كان الحزب الجمهوريّ يوزّع خطباءه على الولايات في ذكرى ميلاد أبراهام لينكولن في 12 شباط/ فبراير، والمهمّة التي وقعت في نصيب مكارثي من ذلك النوع الذي يُوكَل إلى من هم في أسفل السلّم. يعلّق المؤرّخ وكاتب سيرته ديفيد أوشينسكي في وثائقيّ تلفزيونيّ بأنَّه لا شيء ضدّ ويلينغ، لكنَّ من يُرسَل خطيبًا إلى هناك يكون في آخر الترتيب الحزبيّ. ولأنَّ الرجل احتاج إلى ما يلفت الأنظار، رفع أمام السيّدات ورقةً وأعلن أنَّ عليها أسماء 205 أشخاص من أعضاء الحزب الشيوعيّ تسلّلوا إلى وزارة الخارجيّة الأميركيّة. تجسّس لصالح موسكو، في قلب الدولة.

لم تكن هناك قائمة.

يقول أوشينسكي بلا مواربة: لم يكن مكارثي يملك شيئًا، كانت الحكاية خدعة. ومع ذلك صنعت ويلينغ شهرته، ولم ينتبه أحد إلى أنَّه لم يكلّف نفسه عناء تقديم دليل واحد. في الأيّام التالية كرّر الاتّهام، لكنَّ عدد خونة الوطن انكمش في فمه من 205 إلى 57، ثمّ صار 81 في مناسبة أخرى. الذوبان الغريب في أعداد المتآمرين لم يُحرجه؛ كان قد لقّن جمهوره الجملة التي تُغني عن الحساب: شيوعيّ واحد في جامعة واحدة هو شيوعيّ زائد عن الحاجة.

ما الذي جعل رجلًا كهذا ممكنًا؟

في مطلع الخمسينيّات كان الرئيس الديمقراطيّ هاري ترومان (1884- 1972) قد استنفد رصيده لدى الناخبين، وكان يختلط بذلك احتقارٌ متصاعد، على حدّ تحليل المؤرّخ الأميركيّ آلان برينكلي (1949- 2019)، لنخبة حاكمة رآها كثيرون متعجرفة وواهنة وخائنة. في كتابه المرجعيّ "الأمّة غير المكتملة" (1993)، يصف برينكلي ذلك المناخ بأنَّه مناخٌ سمح بصعود شخصيّة عامّة كان سلوكها ليُعدَّ في أيّ زمن آخر سلوكًا مضحكًا وشاذًّا. الجملة كُتبت عن مكارثي قبل ثلاثة وثلاثين عامًا. وهي تصلح، من دون تعديل حرف واحد، لوصف مسار دونالد ترامب.

مكارثي واقفًا سنة 1954


عبارة "صيد الساحرات" من مفردات ترامب المفضّلة. كلّما وُجّه إليه نقد علنيّ، أخرجها من جيبه وجعل من نفسه ضحيّةً لحملة تشهير. قلب أدوار الجاني والضحيّة صار علامته المسجّلة، بينما هو نفسه يدير عمليات صيد منظّمة ضدّ كلّ من يخالفه أو يسخر منه. الرئيس الذي يمارس الصيد/ المطاردة هو نفسه الرئيس الذي يشكو منها.
في كانون الأول/ ديسمبر 2015، بعد ستّة أشهر من إعلان ترشّحه، تسلّى المقدّم جيمي كيميل بضيفه المتكرّر على شاشته: كتاب أطفال متخيَّل يصنّف فيه ترامبٌ كاريكاتوريّ الحيوانات إلى خاسرين، ويحتفي بنفسه بوصفه الفائز الوحيد. صرخ الجمهور ضاحكًا، وابتسم ترامب المحترف ابتسامة قرشٍ يودّ لو يقضم مضيفه حتّى الموت. وفي أيار/ مايو 2017، وقبل أن تتمّ ولايته الأولى أربعة أشهر، اختبر ستيفن كولبير حدود حرّية التعبير بجملة نابية عن فم الرئيس وفلاديمير بوتين، لا تحتمل النقل.
دفع الرجلان الثمن. أعلنت شبكة CBS في تمّوز/ يوليو 2025 إنهاء برنامج كولبير، مؤكّدةً أنَّ القرار "ماليّ بحت"، وأُسدل الستار فعليًّا في 21 أيار/ مايو 2026 على امتياز تلفزيونيّ عمره ثلاثة وثلاثون عامًا. على منصّته "تروث سوشيال" استمتع ترامب بانتصاره وكتب أنَّ موهبة كولبير كانت أصغر من نسب مشاهدته. وفي أيلول/ سبتمبر 2025، أبعدت شبكة ABC مقدّمها كيميل عن الهواء أيّامًا بعد تعليقات أدلى بها على اغتيال الناشط اليمينيّ تشارلي كيرك، فاحتفل ترامب بالخبر بوصفه أنباءً رائعة لأميركا.
الحالتان ليستا استثناءً. الصحف الليبراليّة كـ"نيويورك تايمز" وشبكة CNN تعانيان من ترامب من الابتزاز الدائم بتهمة الأخبار الكاذبة. ولأنَّ وكالة "أسوشيتد برس" رفضت أن تسمّي خليج المكسيك "خليج أميركا" امتثالًا لأمر البيت الأبيض، قُلّص وصولها إلى الرئيس تقليصًا شديدًا. أمّا "نيويورك تايمز" فيطالبها ترامب، مع عدد من الصحافيّين ودار نشر، بمبلغ خرافيّ قدره 15 مليار دولار بدعوى تشويه سمعته في حملة 2024. جزء يسير من هذا الرقم كافٍ لدفع الصحيفة العريقة إلى الإفلاس، وهذا على الأرجح هو هدف ترامب. حظوظ الدعوى القضائيّة ضعيفة، لكنَّ الضغط وحده يكفي: مالك "واشنطن بوست" منذ 2013، الملياردير جيف بيزوس، أوعز إلى صحيفته بالتخلّي عن تقليدها في تزكية مرشّح رئاسيّ عام 2024، وهي تزكية كانت ستذهب، بحساب بسيط، إلى كامالا هاريس.
عاد مكارثي إلى الأذهان من هذا الباب بالذات. رجلٌ يمينيّ متصلّب، معادٍ للمثقّفين من حيث المبدأ، أراد أن يشقّ طريقًا من الخراب في قلب المؤسّسة الليبراليّة الأميركيّة، ونجح في ذلك. حين انتُخب لمجلس الشيوخ عام 1946 لم يكن يملك سوى إرادة السلطة، وكانت تنقصه قضيّة. الخوف من الشيوعيّة كان في الهواء أصلًا، لم يخترعه لكنَّه أحسن استعماله، ووجد في مناخ الحرب الباردة وفي الرعب من  ستالين النوويّ تربةً مثاليّة. لم يصنع مكارثي مناخ الخوف، بل إن المناخ هو الذي صنع مكارثي.

المحامي روي كوهن مع دونالد ترامب سنة 1984


الأصول ساعدت. يكتب الباحث الألمانيّ في الشأن الأميركيّ غيرت رايتيل في "تاريخ الثقافة الأميركيّة الشماليّة" أنَّ مكارثي جاء من وسط ريفيّ خشن، يُنظر فيه إلى أهل المدن بوصفهم متأنّقين، وإلى المثقّفين بوصفهم مخنّثين. شجاعته الظاهرة في مهاجمة أيّ خصم مهما بلغت قوّته لاقت إعجابًا، وصار وسم الليبراليّين واليساريّين بالشيوعيّة عملًا يوميًّا، بينما كان زملاؤه الجمهوريّون يدفعونه إلى الأمام. قالها بصراحة السيناتور عن أوهايو جون بريكر (1893- 1986): "جو، أنت وغد قذر، لكنَّ المرء يحتاج أحيانًا إلى وغد".
بالتوازي مع لجنة الأنشطة غير الأميركيّة في مجلس النوّاب، تحوّل مكارثي على حدّ تعبير الصحافيّ الأميركيّ لاري تاي في سيرته "ديماغوجيّ" (2020) من مهووسٍ إلى واحد من أخطر رجال الحضارة الحديثة. البلد كلّه سقط في هوس اضطهاديّ غير مسبوق دمّر أعدادًا لا تُحصى من الأرزاق. يروي رايتيل أنَّ أحد المارّة في نيويورك أبلغ الشرطة عن رجلين في قارب تجديف على نهر إيست ريفر يتبادلان الإشارات بعلم أحمر. لم يكن الرجلان شيوعيَّين، بل كانا عاملَين اثنين في أثناء عملهما.
اقتسم الطرفان الغنيمة: مكارثي أخذ السياسيّين وكبار موظّفي الوزارات، واللجنة أخذت الممثّلين والكتّاب والمؤسّسات الثقافيّة. جرى تنظيف المكتبات العامّة تنظيفًا شاملًا، فاختفت من الرفوف في أماكن كثيرة كتب نورمان ميلر وج. د. سالينجر وإرنست همنغواي ووليم فوكنر، وطُلب شطب الكتب المدرسيّة التي تذكر مجرّد ذكرٍ عالِمًا أو سياسيًّا ليبراليّ الهوى. حتّى أفلام تشارلي تشابلن، أيقونة أميركا اليوم، قاطعها ناشطون آنذاك لأنَّ صاحبها خاطب جمهوره في إحدى كلماته بـ"أيّها الرفاق". وأحيانًا ابتلع الهوس أهله: جيمس براينت كونانت (1893- 1978)، المعادي للشيوعيّة بامتياز والذي صار أوّل سفير أميركيّ لدى ألمانيا الاتّحاديّة بين 1955 و1957، أثار شبهة مكارثي بمقال قديم شديد الوطنيّة نشره في "أتلانتيك مانثلي" عام 1943. العنوان وحده كان كافيًا لاستنفار الكلاب البوليسيّة: "مطلوب: راديكاليّون أميركيّون".
ثمّ جاءت المحاكمات الاستعراضيّة. مثل الكاتب المسرحيّ الألمانيّ برتولت بريشت (1898- 1956) أمام اللجنة يدافع عن نفسه بإنكليزيّة متعثّرة. وفي 1952 استُدعي المخرج إيليا كازان (1909- 2003)، صاحب "عربة اسمها الرغبة" و"شرق عدن"، فأنقذ مسيرته بالوشاية بزملاء له من هوليوود بوصفهم أعضاءً في الحزب الشيوعيّ، وهي واقعة ظلّ كثيرون في المهنة يحملونها عليه حتّى شيخوخته. أمّا مجموعة "عشرة هوليوود" من كتّاب السيناريو والمخرجين والمنتجين الذين وقعوا في مرمى اللجنة عام 1947 فرفضوا الإدلاء بشهاداتهم. كان بينهم دالتون ترامبو (1905- 1976)، أحد ألمع كتّاب السيناريو في زمنه، فحُكم عليه بتهمة ازدراء الكونغرس وقضى قرابة عام في سجن آشلاند الفيدراليّ بولاية كنتاكي، وخرج ليجد مسيرته في هوليوود محطّمة سنوات طويلة. صار مصيره فيلمًا عام 2015 لعب فيه براين كرانستون دور البطولة.

رونالد ريغان: أحد مؤيدي مكارثي (1947)


والفيزيائيّ روبرت أوبنهايمر (1904- 1967)، مدير مشروع مانهاتن، لم تكن له صلة مباشرة بالحزب الشيوعيّ، ومع ذلك جرى تشويهه بوصفه "صبي ستالين"، وصُنّف خطرًا أمنيًّا ومُنع من العمل لدى هيئة الطاقة الذرّيّة. سلف مكارثي في مقعد ويسكونسن، روبرت لافوليت الابن (1895- 1953)، هرب إلى الانتحار، وربّما كان الخوف من مطاردة خليفته أحد الدوافع. والصحافيّ الشهير في CBS دون هولنبيك، أحد خصوم مكارثي، فتح صنبور الغاز في شقّته بنيويورك عام 1954، وظنَّ معاصروه أنَّه لم يعد يحتمل هجمات مطارِدي الشيوعيّين. لكنَّ الضحايا لم يكونوا مشاهير فقط: أناس عاديّون خسروا وظائفهم أو محالّهم أو مخصّصاتهم الاجتماعيّة لأنَّهم ربّما حضروا قبل سنوات فعاليّة نظّمها يساريّون، أو اشتركوا في مجلّة مشبوهة.
بهذا ضحّى محاربو الحرب الباردة بالضبط بما زعموا أنَّهم يحمونه من الشيوعيّين: الديمقراطيّة والحرّية. أحد موظّفي الدولة الفيدراليّة لخّص المسألة ساخرًا في تلك الأيّام: إذا كان الشيوعيّون يحبّون فطيرة التفّاح وأنا أحبّها أيضًا، فلا أرى سببًا للتوقّف عن أكلها. ومع ذلك سأتوقّف.
استغرق الأمر وقتًا طويلًا قبل أن يدرك الرأي العامّ أنَّ "الحملة الصليبيّة" تجاوزت كلّ حدّ. معظم السياسيّين الليبراليّين لزموا الصمت خشية أن يصيروا هدفًا، وحتّى جون ف. كينيدي الشابّ، الذي كان له رأي في كلّ شيء، لم يكن له رأي في مكارثي. الذي أسقط الرجل في النهاية هو التلفزيون. ففي مطلع 1954 فجّر الجيش الأميركيّ قنبلته: مكارثي ومساعده المحامي روي كون (1927- 1986) تدخّلا لصالح أحد أنصارهما الذي جُنّد جنديًّا بسيطًا، وطالبا له بمنصب ضابط ومهامّ خفيفة وإجازات إضافيّة وشطب أيّ خدمة خارجيّة. اتّهم مكارثي الجيش بالانتقام، وبدا في جلسات الاستماع المنقولة على الهواء شاحبًا يتصبّب عرقًا، عليه أثر الكحول، يتخبّط في تناقضاته. حتّى تلك اللحظة كان مكارثي كائنًا من ورق الصحف؛ حين رآه الناس جسدًا حقيقيًّا انتهى. وجّه إليه محامي الجيش جوزيف ويلش (1890- 1960) سؤاله الذي دخل التاريخ: ألا تملك أيّ حسٍّ بالحشمة؟ ومن مفارقات الحكاية أنَّ ناقل الوقائع إلى الأميركيّين آنذاك كانت شبكة ABC نفسها.
مات مكارثي عام 1957 عن ثمانية وأربعين عامًا، منبوذًا ووحيدًا، بتلفٍ في الكبد من إدمانه الكحول. ظلُّ رفيقه روي كون كان أطول: صار لاحقًا محاميًا لرجل أعمال شابّ اسمه دونالد ترامب. أمّا اللجنة فعاشت في احتضار طويل حتّى إلغائها عام 1975، وكان أقسى ما قيل فيها من ترومان نفسه عام 1959: إنَّها الشيء الأشدّ لا-أميركيّةً في هذا البلد اليوم.
يرى لاري تاي أنَّ الخطّ من مكارثي إلى ترامب واضح، وأنَّ الرئيس الحاليّ يشتغل حرفيًّا بالسيناريو نفسه: إذا انكشف اتّهامٌ لعدوٍّ مختلَق بوصفه بلا أساس، ألقِ قنبلة جديدة، وإذا كانت الأخبار سيّئة، فالصحافيّون هم المسؤولون.
بين خطبة ويلينغ في 9 شباط/ فبراير 1950 وسؤال ويلش في 9 حزيران/ يونيو 1954، أربع سنوات وأربعة أشهر بالضبط. هذا كلّ العزاء الذي تقدّمه سيرة جوزيف مكارثي.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.