تقوم رواية «المكتبة السرّية والجنرال» لخيري الذهبي (*) على صراع مركزي حول الذاكرة. مكتبة تحفظ ما يهدده العنف بالمحو، وجنرال يسعى إلى امتلاك الرواية التي يروي بها الناس ماضيهم وزمنهم. من هذه المواجهة تبني الرواية شكلها السردي؛ فهندسة التخييل تتحول إلى جزء من الحكاية، والحكاية تتخذ هيئة متاهة سردية ومعمارية ورمزية. تبدأ هذه المتاهة من بيت دمشقي قديم يتحول إلى ذاكرة تحت أرضية، وتمتد إلى زمن تتراكب فيه الأزمنة حتى يظهر التاريخ طبقات متداخلة، ثم تبلغ ذروتها في سلطة تسعى إلى امتلاك الأرشيف، لأن الأرشيف هو الصيغة السياسية للذاكرة. من هذا المنظور، تتحول المكتبة إلى بنية رمزية تماثل المدينة وتنافسها: مدينة ثانية محجوبة، تسكن تحت المدينة المرئية، وتؤدي وظيفة مزدوجة؛ تحفظ ما يتعرض للتلف، وتنتج سردية مضادة لما تسعى السلطة إلى تعميمه عبر الإعلام والتعليم والوعظ.
لهذا يظهر الجنرال في الرواية كائنًا سياديًا يطلب السيطرة على الرواية التي يروي بها الناس زمنهم. ويتجلى ذلك في مطاردته لكتاب تنبؤي هو «الجفر»، بوصفه وثيقة عقائدية وأثرًا اجتماعيًا قادرًا على تقويض شرعية الدور حين تنتشر نبوءة النهاية في الهمس العام. هنا تكشف الرواية آلية سلطوية دقيقة تفترض أن الاستبداد يمحو النصوص، ويصنع نسخًا بديلة، ويعيد توزيعها، ويحوّل المعنى إلى منتج رسمي قابل للتداول، ثم يبقي الأصل خارج التداول لأن الأصل يحتفظ بسلطة الإحراج. بذلك تُقرأ المطاردة بوصفها صراعًا على النسخة.
نسخة التاريخ الذي يريد الناس تصديقه وعدًا بالخلاص، ونسخة التاريخ الذي تريد الدولة فرضه قدرًا دائمًا. وفي صلب هذا الصراع تتقدم المكتبة السرّية باعتبارها مستودع الأصل، أي مستودع ما ظل خارج ختم السلطة، وهذا كافٍ لجعلها هدفًا سياديًا؛ فالسلطة حين تعجز عن تملك الأصل تتجه إلى تدمير الوعاء الذي يحفظه. هكذا تغدو سياسة الحكم في الرواية سياسة ذاكرة. إمّا أن تسلم المدينة سرديتها فتُعاد هندستها، أو تُحرق حتى الرماد كي يختفي كل شاهد على اختلاف ممكن. إن صورة المكتبة المكتوبة في الرواية على أنها «ذاكرة بحجم مدينة» تعمل هنا تعريفًا إجرائيًا لبنية الرواية. فالمكتبة تتكون من سراديب وطبقات وأنفاق وغرف وأبواب، والرواية تتكون بدورها من طبقات رواة ومذكرات ودفاتر وأصوات ولهجات. يصبح الشكل السردي محاكاة دقيقة للحيز الذي يصفه النص؛ فالداخل إلى المكتبة يصل إلى المعنى عبر دوران وارتداد زمني وانفتاح حكائي يولد حكايات من حكايات، والقارئ يسلك الطريق نفسه نحو مركز الدلالة. وهذا يقرّب النص من تقاليد السرد المتوالد في «ألف ليلة وليلة»، ومن فكرة المتاهة الكونية في مكتبات خورخي لويس بورخيس، مع اختلاف جوهري في الوظيفة؛ فالمتاهة هنا تمثيل لخبرة تاريخية، خبرة مجتمع يعيش تراكب العصور في الحارة، وتراكب الطوائف والمذاهب في السياسة، وتراكب الاحتلالات والتدخلات في الجغرافيا، وتراكب الخوف في اليومي، بحيث يصبح فهم الحاضر مشروطًا بالعودة إلى طبقات الماضي. في هذا السياق تكتسب فكرة «الحفر الروائي في التاريخ» التي شدد عليها نبيل سليمان قيمتها المنهجية.
فالرواية تعيد تمثيل التاريخ بوصفه قوة فاعلة في الحاضر، وتظهر كيف يتكون الاستبداد الحديث من رواسب سلطانية قديمة، وكيف يتغذى على تحالفات متجددة بين العسكر والبيروقراطية، وكيف تشتغل الأسطورة في قلب الواقع السياسي. بهذا المعنى يغدو «الجفر» آلية سردية تكشف تحول النبوءة إلى سياسة، وتحول السياسة إلى إدارة للخرافة عبر الإعلام. مثلًا: تشيع السلطة قصة كبرى، تبدل طبعة، تخرج نصًا إلى السوق، وتستثمر الإيهام الجماعي لضبط حركة الشارع. هكذا يتحول التلفزيون في الرواية من وسيلة نقل خبر إلى مصنع ذاكرة، وتمنح الرواية بذلك وعيًا نقديًا بحدود الحداثة الشكلية؛ فالدولة التي تظهر معاصرة بأجهزتها تعيد إنتاج البنية القديمة للسيادة عبر أدوات جديدة. على هذا الأساس يمكن الاستفادة من تصور ميشيل فوكو للحيز المتغاير على أنه مكانٌ واقعي يؤدي وظيفة رمزية تربك النظام العام للمكان. فالمكتبة السرّية، بما هي تحت الأرض وخلف الجدران الساذجة، تمثل انقطاعًا عن خرائط السلطة؛ إنها مكان موجود في قلب المدينة وخارج قابلية المراقبة، لذلك تُعامل كمنطقة محرمة، وتحتاج السلطة إلى كسر شرطها الأول، أي السر، كي تدخلها في دائرة الإدارة.
وفي كسر السر تقع المفارقة الكبرى... السلطة تفهم المكتبة غنيمة أو تهديدًا، والرواية تفهمها ذاكرة مشتركة، أي ما يمنح المدينة معنى الاستمرار. لذلك يصير تدميرها في النهاية إلغاءً للمدينة من سجلها الرمزي، حتى مع بقائها جغرافيًا. ولأن الرواية تركب هذا المعنى عبر أصوات متعددة، فإن تعدد الرواة يتجاوز وظيفة التشويق إلى بنية أخلاقية ومعرفية قريبة من مفهوم البوليفونية عند ميخائيل باختين. كل صوت يحمل تصوره للعالم وحدود رؤيته؛ وما يبدو حقيقة في دفتر يظهر وهمًا في دفتر آخر، وما يبدو بطولة هنا يظهر التباسًا هناك. بذلك تتشكل الذاكرة كساحة صراع بين تمثيلات متنافسة. ومن هنا تأتي قيمة إدخال العامية في بعض المقاطع، كاختراق لهيمنة اللغة الرسمية التي تشبه، في الاقتصاد الرمزي للرواية، خط النسخ المصوّر خطًا للجماهير والعرضحالجية، في مقابل الخط الكوفي النحوي بوصفه معرفة عائلية عصية على الترويض. هذه المقابلة بين الخطوط تتجاوز البلاغة إلى بنية الحكم. فالخط شكل كتابة وشكل سلطة معًا؛ من يحدد الخط المقبول يحدد من يملك حق الكلام ومن يُقصى إلى الصمت. وحين تحوّل الرواية هذا إلى امتحان مؤسسي ومعيار للولاء، فإنها تظهر كيف تُستبدل شرعية الدين بشرعية الدولة، وكيف تُستخدم الطقوس الشكلية لتأديب المنابر، أي كيف تُدار الثقافة بوصفها امتدادًا للأمن. وفي المستوى الأشد قسوة، تشتغل الرواية على الجسد بوصفه ساحة سيادة أيضًا. فمشهد الإخصاء الذي يتعرض له صلاح الدين يُقرأ رسالة إلى السلالة: قطع الاستمرار البيولوجي كترميز للاستمرار الرمزي. فالعائلة هنا عائلة نسب، وعائلة ذاكرة وترجمة وحفظ مخطوطات؛ لذلك يتحول الاعتداء على الجسد إلى اعتداء على الأرشيف، والسلطة وهي تسحق الجسد تسعى إلى سحق ما يمثله الجسد من مستقبل. وفي مقابل ذلك تُكثر الرواية من المشاهد الإيروتيكية ومن أرشيفات الجسد في القمطرات والكتب والصور، كي تعيد إلى الثقافة ما حاولت السلطة وأخلاقها المعلنة مصادرته... الاعتراف بأن التاريخ يتكون أيضًا من اقتصاد الرغبة والحرمان والبيت والحريم واللذة والقمع، وأن المدينة التي تُقدَّم في خطابها الرسمي طاهرة تحمل في جوفها بنية أشد تعقيدًا وتناقضًا. هذه الإيروتيكية، في سياقها السردي، تُضاف إلى العجائبي بوصفها وسيلة لتوسيع مجال القول عن الكارثة.
حين يغدو الواقع السياسي بالغ الغرابة، يحتاج السرد إلى واقعية سحرية توازن بين غرابة المتخيل وغرابة الوقائع، وتنتج مسافة تسمح بالتحليل وتجنّب النص الوقوع في التسجيل المباشر. لذلك يظهر «الغموض الخصب» الذي تحدث عنه عباس بيضون بوصفه سمة مزدوجة: خصوبة تسمح للنص بحمل طبقات رمزية وفلسفية وأسطورية من غير أن يتحول إلى أطروحة، وخطر في الوقت نفسه، لأنه قد يوقع القارئ في تيه بين الأجيال والأمكنة والمراحل، وقد يصير الإسهاب في بعض المواضع أثرًا جانبيًا لبنية المتاهة ذاتها. أي أن ما يمنح النص طاقته الجمالية قد يضعف إحكامه الإيقاعي حين يفلت الاقتصاد الدرامي من الضبط. غير أن خاتمة الرواية، حين تُدمَّر المكتبة بالقصف، تمنح هذا البناء معنى نهائيًا يمنع المتاهة من التحول إلى لعبة. النهاية تعيد ترتيب كل ما سبق بوصفه رثاء للأرشيف، وتحول تعداد المخطوطات والموسوعات والقمطرات إلى فعل تسمية مقاوم، لأن التسمية هنا هي ما يبقى في وجه الإبادة. من زاوية نقدية، يمكن القول إن الرواية تكتب الراهن السوري بوصفه حربًا على الذاكرة الجمعية، حيث يساوي تدمير العمران تدمير الحوامل التي تحفظ معنى المكان، وحيث يُقاس الاحتلال أو التدخل العسكري بقدرته على تحويل المدينة إلى فراغ دلالي، إضافة إلى الخراب المادي. وعليه، تنتهي المكتبة السرّية سؤالًا أكثر منها مكانًا... ماذا يبقى من مجتمع إذا أُحرقت ذاكرته أو أُعيدت كتابتها قسرًا؟ وكيف يمكن للسرد أن يصير شكلًا من أشكال المقاومة حين يعجز الواقع عن حماية أرشيفه؟ الإجابة التي تقترحها الرواية تأتي في صورة بناء فني يجعل القارئ يختبر المتاهة خبرة معرفية وأخلاقية... أن يبحث عن الأصل وسط النسخ، وعن المعنى وسط الضجيج، وعن المدينة تحت أنقاضها، وأن يفهم أن الاستبداد حين يرفع معادلة «أنا أو الدمار» يهدد بالحريق وبتأبيد روايته للعالم معًا. وفي مواجهته، تصر الرواية على الحق الأول... حق الذاكرة في أن تُحفظ خارج أدوات الجنرال وما يمثله.
(*) يُنشر هذا المقال في الذكرى الرابعة لرحيل خيري الذهبي.


تحميل المقال التالي...