}

مكتبة دير سيدة صيدنايا: رواية حبيب الزيات

فارس الذهبي 1 أغسطس 2026
استعادات مكتبة دير سيدة صيدنايا: رواية حبيب الزيات
دير سيدة صيدنايا

ارتبط دير سيدة صيدنايا البطريركي بتاريخ طويل من الكتابة والنسخ وحفظ الكتب الدينية. وضمت خزانته مخطوطات سريانية وعربية ويونانية تعكس الحياة الثقافية والليتورجية للروم الملكيين الأنطاكيين، كما يكشف تعدّد اللغات التي استعملتها الجماعة في العبادة والتأليف ونقل التراث الكنسي.
احتلت اللغة السريانية مكانة بارزة في هذا التقليد. واستمر نسخ الكتب السريانية في صيدنايا حتى القرن الثامن عشر، فمثلت مكتبة الدير سجلًا لمرحلة واسعة من تاريخ المسيحية الأنطاكية، امتزجت فيها السريانية باليونانية والعربية ضمن بيئة كنسية واحدة. وشملت هذه الكتب نصوصًا طقسية وقراءات كتابية وميامر وسير قديسين وكتابات آبائية، إلى جانب قيود الهبات والأوقاف والملكية المثبتة على صفحات المخطوطات.
تأتي المعلومات الأساسية عن مصير هذه الخزانة من حبيب الزيات، الذي خصص لها بحثًا بعنوان "مكتبة دير صيدنايا"، نشره في مجلة "المشرق" في الأول من تموز/ يوليو سنة 1899، ثم أدرج مادته في كتابه "خزائن الكتب في دمشق وضواحيها" الصادر في القاهرة سنة 1902. وتستند أهمية روايته إلى قربها النسبي من زمن الحادثة وإلى اتصاله براهبات الدير وأهالي صيدنايا الذين احتفظوا بذكرياتها خلال أواخر القرن التاسع عشر.
يقدم الزيات مكتبة صيدنايا كما هي؛ خزانة قديمة عامرة بالكتب، ضمت عددًا وافرًا من المخطوطات السريانية. واحتوت المجموعة على نسخ عتيقة كتبت على الرق، وهو ما يشير إلى قدمها وقيمتها العلمية والدينية. وكان بعضها يحمل آثارًا كتابية تعود إلى مراحل مبكرة من التاريخ الملكي الأنطاكي.
اكتسبت هذه المخطوطات قيمة تتجاوز النصوص التي تحملها. فقد سجل النساخ والمالكون والمتبرعون على هوامش الكتب وصفحاتها الأخيرة أسماءهم وتواريخ النسخ والهبات والجهات التي أوقفت الكتب عليها. وتحولت المخطوطات بذلك إلى وثائق تاريخية وقانونية تحفظ أخبار الأديرة والكنائس والعائلات والأوقاف وانتقال الملكية.
توضح إحدى المخطوطات المرتبطة بصيدنايا هذه الوظيفة. فقد نُسخ كتاب ليتورجي في دير مار بندلايمون قرب أنطاكية سنة 1041، ثم وصل إلى كاتدرائية أنطاكية، وحمل قيدًا يفيد بأن بولس بن صهيون قدمه إلى دير "والدة الإله" في صيدنايا سنة 1282. ويبين هذا القيد قدرة المخطوط على حفظ مسار انتقاله عبر القرون، كما يفسر القيمة التي اكتسبتها الكتب القديمة في النزاعات المتعلقة بالأوقاف والملكية الكنسية.

إحراق المكتبة
يربط حبيب الزيات إحراق المخطوطات بعهد رئيسة الدير، كاترينا مبيض، خلال القرن التاسع عشر. وتظهر الرواية وجود اعتقاد لدى القائمين على شؤون الدير بأن المخطوطات السريانية قد تحمل قيودًا أو وثائق يستند إليها السريان الأرثوذكس في المطالبة بحقوق تاريخية في الدير.
أدى هذا الاعتقاد إلى إخراج الكتب السريانية من خزائنها وجمعها في مواضع داخل الدير. وأُحرقت دفعة منها تحت القناطر، ثم نُقل قسم آخر إلى فرن الدير واستُعمل وقودًا في عملية الخَبز. واستمرت العملية عدة أيام، فتبددت مجموعة واسعة من الكتب والوثائق التي تراكمت خلال قرون.
تنسب الرواية تنفيذ الحرق إلى عدد من وكلاء الدير في عهد كاترينا مبيض. وقد حفظ الزيات أسماء أشخاص ارتبطوا بالحادثة من خلال الروايات المتداولة بين سكان صيدنايا وراهبات الدير. وتمنح هذه التفاصيل نصه طابع التحقيق التاريخي القائم على جمع الشهادات المحلية وربطها بتاريخ المؤسسة.

استمر نسخ الكتب السريانية في صيدنايا حتى القرن الثامن عشر


يرجح وضع الحادثة بين ثلاثينيات القرن التاسع عشر وستينياته، وهي المرحلة التي ارتبطت برئاسة كاترينا مبيض للدير. ويقترب منتصف القرن من الإطار الزمني الذي تداولته المؤلفات اللاحقة المستندة إلى رواية الزيات.
تكشف رواية الزيات عن صلة وثيقة بين إحراق المخطوطات وبين النزاع على تاريخ الدير وهويته الكنسية. فقد حملت الكتب السريانية في نظر القائمين على الدير قيمة إثباتية، لأن قيودها قد تتضمن أسماء الواقفين والمتبرعين والناسخين والجهات التي اقتنتها أو أوقفتها.
ويعكس هذا التصور الدور الذي أدته المخطوطات في المجتمعات التقليدية. فقد جمعت بين النص الديني والسجل التاريخي، وحفظت داخلها آثار الملكية والانتساب والعلاقات بين الأديرة والكنائس. وجعلت هذه الوظيفة من الخزانة أرشيفًا لتاريخ صيدنايا، إلى جانب كونها مكتبة للعبادة والقراءة.
ارتبطت اللغة السريانية نفسها بتاريخ جماعات مسيحية متعددة في بلاد الشام. واستعملها السريان الأرثوذكس والموارنة وكنيسة المشرق والروم الملكيون في مراحل مختلفة. وتدل المخطوطات السريانية في صيدنايا بصورة أساسية على حضور هذه اللغة داخل الثقافة الملكية الأنطاكية، وعلى تفاعلها مع الطقس البيزنطي واللغة اليونانية والعربية.
حمل إحراق المجموعة أثرًا مباشرًا على دراسة هذا التاريخ. فقد اختفت معه قيود كان يمكن أن توضح أسماء النساخ والراهبات والكهنة والمتبرعين، وتواريخ الهبات والأوقاف، ومراحل انتقال الكتب، وطبيعة استعمال السريانية داخل الدير.
يقدم الزيات وصفًا عامًا لخزانة واسعة غنية بالمخطوطات القديمة، بينما بقيت عناوين الكتب وأعدادها خارج إطار الجرد التفصيلي. ويتيح التقليد السرياني الملكي تصور طبيعة المواد التي كانت تتداولها مكتبة صيدنايا.
ضمت خزائن الأديرة الملكية عادة كتب القراءات الإنجيلية والرسولية، وكتب الصلوات والأعياد، والسنكسارات وسير القديسين، والميامر والعظات، وترجمات الطقوس اليونانية إلى السريانية، وكتابات آباء الكنيسة، وكتب التاريخ الكنسي. كما احتوت على مؤلفات عربية مسيحية ونسخ قرشونية كتبت فيها اللغة العربية بالحرف السرياني.




ويقدم الكتاب المهدي إلى صيدنايا سنة 1282 نموذجًا لهذا التراث. فهو كتاب قراءات يضم أعمال الرسل ورسائل بولس بحسب ترتيب طقسي يوناني، مع نص سرياني وترتيب ليتورجي منقول عن اليونانية. ويعكس هذا النوع من الكتب التداخل بين اللغة السريانية والطقس البيزنطي داخل البيئة الملكية الأنطاكية.
كما تكشف المخطوطات التي ارتبطت باسم صيدنايا في الفهارس الحديثة، عن حضور نصوص متصلة بسير القديسين والصلوات والتاريخ الكنسي. ويؤكد هذا التنوع مكانة الدير كمركز هام لحفظ المعرفة الدينية وتداولها.
يشير حبيب الزيات إلى خروج عدد من المخطوطات من الدير قبل إحراق المكتبة. وقد اقتنى مستشرقون ورحالة بعض هذه الكتب، ثم انتقلت إلى خزائن أوروبية، وفي مقدمتها مكتبة الفاتيكان.
تشكل هذه الإشارة فصلًا آخر من تاريخ المجموعة. فقد أنقذ انتقال بعض الكتب نصوصًا من المصير الذي أصاب الخزانة، وفي الوقت نفسه أدى إلى تفريقها بين مكتبات بعيدة عن مكانها الأصلي. وأصبحت دراسة مخطوطات صيدنايا موزعة بين فهارس الدير وفهارس المكتبات الأوروبية وسجلات الاقتناء والهبات.
يمثل المخطوط المهدي إلى الدير سنة 1282 حالة موثقة على انتقال كتاب من صيدنايا إلى الفاتيكان. يثبت قيد الهبة ارتباطه بالدير في القرن الثالث عشر، بينما يتطلب تحديد ظروف انتقاله اللاحق تتبع سجلات الاقتناء والبيع والحيازة.
وتندرج المخطوطات المرتبطة بصيدنايا ضمن مجموعات متعددة. فبعضها نُسخ في البلدة، وبعضها قدم هبة إلى الدير، وبعضها حمل اسم صيدنايا بسبب حفظه فيها عند إعداد الفهارس، وبعضها انتمى إلى التقليد السرياني الملكي من خلال لغته وطقسه. ويمنح فحص القيود والأختام وتواريخ الملكية كل مخطوط مساره التاريخي الخاص.
أصبحت رواية حبيب الزيات المصدر الرئيس للمؤلفين الذين تناولوا حادثة إحراق مكتبة صيدنايا. ونقل فيليب دي طرازي تفاصيلها في كتابه "عصر السريان الذهبي"، وأشار في حاشيته إلى اعتماده على الزيات. ثم انتقلت القصة من كتاب طرازي إلى مؤلفات ومقالات أخرى.
يكشف هذا التسلسل عن أن القسم الأكبر من التفاصيل المتداولة يعود إلى أصل واحد هو تحقيق الزيات. وتشمل هذه التفاصيل أسماء المشاركين، وطريقة جمع الكتب، وإحراق قسم منها تحت القناطر، واستعمال القسم الآخر وقودًا في فرن الدير، وارتباط العملية بالمخاوف من المطالب الكنسية.

نقل فيليب دي طرازي تفاصيل حرق مكتبة صيدنايا في كتابه "عصر السريان الذهبي"


وتبنت بطريركية أنطاكية جوهر الرواية في عرضها لتاريخ الدير، فربطت إحراق قسم كبير من المخطوطات السريانية بالنزاع حول حقوق السريان الأرثوذكس وبمحاولة إزالة الشواهد السريانية المرتبطة بتاريخ صيدنايا.
تكتسب شهادة الزيات مكانتها من كونها أقدم معالجة بحثية معروفة للحادثة، ومن صدورها خلال القرن التاسع عشر، ومن جمعها روايات أشخاص عاشوا قريبًا من زمنها. ويجعل هذا الموقع الزمني كتاب "خزائن الكتب في دمشق وضواحيها" نقطة الانطلاق الأساسية في دراسة تاريخ مكتبة الدير.
بقيت في صيدنايا مخطوطات وكتب بعد حادثة الإتلاف، كما تجمعت داخل الدير مقتنيات أخرى خلال القرن العشرين. وبدأ إنشاء المتحف البطريركي سنة 1977، وجمعت فيه إيقونات وأدوات كنسية ومخطوطات كانت موزعة في أماكن متعددة.
وصدر سنة 1986 كتاب بعنوان "وصف للكتب والمخطوطات في بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس – دير سيدة صيدنايا". وقدم هذا العمل معلومات عن مجموعة محفوظة في الدير، شملت عناوين بعض المخطوطات وتواريخها ونساخها وصورًا من صفحاتها.
تكوّنت المجموعة الحديثة من مصادر متعددة. وشملت مخطوطات بقيت في الدير، وكتبًا جمعت من كنائس وأديرة أخرى، ومقتنيات نقلتها البطريركية إلى صيدنايا خلال القرن العشرين. ولهذا يشير رقم الحفظ المنسوب إلى صيدنايا إلى مكان وجود المخطوط عند الفهرسة، بينما تحدد القيود الداخلية صلته التاريخية بالمكتبة القديمة.
وتبرز الحاجة إلى مقارنة فهرس سنة 1986 بالمجموعة المحفوظة حاليًا، مع توثيق أرقام الحفظ والأختام والقيود وحالات الترميم والنقل. وتساعد هذه المقارنة في تحديد ما بقي من المجموعة، وما أضيف إليها في الأزمنة الحديثة، وما انتقل منها إلى خزائن أخرى.
أفقد إحراق المكتبة تاريخ المنطقة مجموعة كبيرة من النصوص والوثائق. وشملت الخسارة مؤلفات دينية وليتورجية، إلى جانب الحواشي والقيود التي سجلت الحياة اليومية والاجتماعية والاقتصادية في الدير ومحيطه.
كانت صفحات المخطوطات قادرة على حفظ أسماء النساخ والراهبات والكهنة والعائلات المتبرعة، وأسماء القرى والأبرشيات، وتواريخ الحروب والأوبئة والزلازل، وأسعار الورق والرق وأجور النسخ، وحركة الأوقاف والممتلكات بين الأفراد والمؤسسات.
كما كانت المجموعة قادرة على توضيح مراحل انتقال الروم الملكيين من السريانية إلى العربية، وتاريخ اعتماد الطقس البيزنطي، وحركة الترجمة بين اليونانية والسريانية، والعلاقات بين الجماعات المسيحية في بلاد الشام.
بينما أدى الحريق إلى إضعاف القدرة على إعادة بناء تاريخ السريانية الملكية في صيدنايا. وتحولت رواية حبيب الزيات نفسها إلى أثر ووثيقة تحفظ خبر الخزانة بعد اختفاء جانب واسع من محتوياتها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.