شهدت أوروبا، مساء الثاني عشر من أغسطس/ آب الجاري، كسوفًا كاملًا للشمس، شوهد بشكل أساسي فوق القطب الشمالي والمحيط الأطلسي. كما ظهر بشكل أوضح فوق روسيا وغرينلاند وغرب أيسلندا وشمال إسبانيا وشمال شرق البرتغال. وكانت نقطة ذروة الكسوف في البحر أمام الساحل الغربي لأيسلندا بالقرب من بلدة باتريكسفيوردور، واستمرت لمدة دقيقتين و18 ثانية. ويشكل هذا الكسوف الأول منذ كسوف الشمس الذي وقع في 11 أغسطس/ آب 1999.
من الطبيعي أن ترتبط ظاهرة مخيفة مثل كسوف الشمس لدى الإنسان البدائي بمشاعر متباينة من الخوف والرهبة، إذ بدت له الظاهرة وكأنها حدث غير طبيعي يهدد نظام الكون وينبئ عن حدث جلل. وقد اتخذت تفسيرات الظاهرة طابعًا أسطوريًا ودينيًا في مختلف الحضارات القديمة، حيث لم يكن للإنسان البدائي أدوات علمية تفسر ما يراه؛ فكانت الأسطورة في الصين القديمة تروي أن تنينًا يلتهم الشمس، وفي الهند كانت الإلهة راهو، بجسدها الثعباني الخرافي، تبتلع قرص الشمس في أثناء الكسوف. وفي أميركا الوسطى سجَّلت مخطوطات فلورنسا التي تعود إلى القرن السادس عشر المعرفة الفلكية لشعب الأزتيك، حيث احتلت صور الكسوف مكانة بارزة بين آلاف الرسوم التوضيحية. ولا تزال النقوش الصخرية في وادي تشاكو كانيون بولاية نيو مكسيكو تحمل ما يعتقد الباحثون أنه أقدم تصوير بشري لظاهرة كسوف الشمس.
الخرافات وأساطير الأولين
من أقدم المصادر المكتوبة عن ظاهرة كسوف الشمس ما ورد في مجموعة الترانيم المقدسة "الريغ-فيدا"، والمعروفة أيضًا بكونها "ترانيم المديح" الهندية القديمة، وفيها يُحكى أن شيطانًا يدعى "سفاربهانو" كان يقوم بعمل التعاويذ السحرية ليثقب الشمس، ما تسبب في اختفائها من السماء، وكان يُعتقد أن الآلهة في مأزق لأن الشمس أو القمر يتم ابتلاعهما من قبل الإلهة "راهو" ملكة الشهب، وأحد الأجرام السماوية التسعة الرئيسية (نافاغراها) في النصوص الهندوسية. ولا تعود الأمور إلى نصابها إلا بعد تدخل مباشر من الحكيم "أتري".
| |
| لوحة"رفع الصليب الثلاثية" للرسام الفلمنكي بيتر راؤول روبنز - 1610 - ويظهر الكسوف في أعلى يمين اللوحة |
وتروي الأساطير الصينية كذلك قصة الفلكييْن الإمبراطورييْن "هاي" و"هو" اللذين فشلا في توقع الكسوف، وكلفهما ذلك حياتهما. ويذكر الفلكي الفلمنكي اليسوعي فرديناند فيربيست، والذي شغل منصب فلكي البلاط لدى الإمبراطور الصيني، الكسوف الكلي للشمس الذي حدث في أبريل/ نيسان 1669 قائلًا: "خرّ كبار المسؤولين الصينيين والماندارين على ركبهم عند أول تراجع للضوء، واندلعت الفوضى فورًا في جميع أحياء بكين، ولا سيما في معابد الآلهة، وقرعت الطبول والصنج وغيرها من الآلات الموسيقية بصخب شديد، بحيث يتردد صداها في أرجاء المدينة بأكملها، لإعلام الشمس والقمر، اللذين يمران بمحنة، بأن الصينيين مستعدون لنجدتهما من الخطر المحيق بهما".
كما روت الأساطير المصرية القديمة أن الثعبان، رمز الشر وعدو رع إله الشمس، كان يهاجم قارب الإله رع ما تسبب في كسوف الشمس. واعتبر البابليون والآشوريون الكسوف نذير شؤم، وكان المنجمون يرصدونه بعناية معتبرين أنه علامة تنبئ بأحداث مصيرية أو كوارث طبيعية على وشك الحدوث. أما شعب المايا فكانوا يقدمون القرابين، بما في ذلك الدماء، لإله الشمس "المحتضر" في أثناء الكسوف. وعند الأزتيك وفي قبائل شمال أوروبا كانت الشياطين تنطلق من معاقلها لتأكل البشر، أو تبتلع وحوش كونية الشمس.
الأديان والملاحم
انتقلت صورة كسوف الشمس من مخيلة الإنسان البدائي المفعمة بالخوف والأساطير إلى قلب التجربة الإنسانية في الشعر والأدب، لتتحول إلى رمز بلاغي واستعارة فلسفية ومناسبة للتأمل. وتوجد إحدى أقدم الإشارات المكتوبة إلى كسوف الشمس في ملحمة "الأوديسة" لهوميروس التي تعود إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف عام، والتي تحظى باهتمام كبير هذا الصيف بفضل النسخة السينمائية الجديدة للمخرج إدوارد نولان. في المقطع العشرين من الملحمة يتنبأ عراف بالنهاية الدموية لطامحي العرش الذين جعلوا حياة بينيلوب، زوجة أوديسيوس، جحيمًا. قائلًا إن نهايتهم الدموية ستحدث في أثناء كسوف: "وفي السماء اختفت الشمس، وانتشر ضباب بغيض". ووفقًا لعلماء الفلك، فالأمر هنا ربما يتعلق بالكسوف الكلي للشمس الذي حدث في 16 أبريل/ نيسان 1178 قبل الميلاد.
كما كان للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد دور محوري في تشكيل التصور الغربي لظاهرة كسوف الشمس. ففي التوراة نعثر على ما اعتبره الباحثون إشارة صريحة إلى كسوف الشمس في الإصحاح العاشر من سفر يشوع: "حينئذٍ كلَّم يَشُوعُ الربَّ، يوْم أَسلمَ الرّبُّ الأموريِّينَ أمامَ بَنِي إسرائيلَ، وقال أمام عيونِ إسرائيلَ: "يا شَمْسُ دُومِي على جِبْعُونَ، ويا قمرُ على وادي أَيَّلُونَ". فَدَامَتِ الشَّمْسُ وَوَقَفَ الْقَمَرُ حَتَّى انْتَقَمَ الشَّعْبُ مِنْ أَعْدَائِهِ".
ويرى البروفيسور كولين همفريز من جامعة كامبريدج أن العبارة العبرية الأصلية قد تشير إلى كسوف فعلي الشمس. ويرجح الباحثون أن الكسوف المشار إليه هنا هو الذي وقع في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 1207 قبل الميلاد.
أما إنجيل لوقا فيصف موت يسوع قائلًا: "ونحْو السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، حَلَّ الظَّلامُ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ، وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ، وَانْشَطَرَ سِتَارُ الْهَيْكَلِ مِنَ الوَسَطِ. وَقَالَ يَسُوعُ صَارِخًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "يَا أَبِي، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي!" وَإِذْ قَالَ هَذَا، أَسْلَمَ الرُّوحَ".
وفي القرآن الكريم ذكرت ظاهرة خسوف القمر في الآيات السابعة إلى الثانية عشرة من سورة القيامة: "فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلَّا لَا وَزَرَ. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ".
الرسم والتصوير
جدير بالذكر أن ما ورد في الكتاب المقدس حول ظاهرة كسوف الشمس عند صلب المسيح شكل مصدر إلهام للعديد من الفنانين الأوروبيين والغربيين بشكل عام، ولعل الرسام الفلمنكي بيتر راؤول روبنز (1577 - 1640) كان أول فنان في تاريخ الفن الغربي يصوّر الكسوف بدرجة كبيرة من الواقعية في لوحته الثلاثية الضخمة "رفع الصليب" والمعروضة اليوم في كاتدرائية مدينة أنتويرب البلجيكية، إذ نرى القمر في أحد جنباتها الثلاثة يمر أمام قرص الشمس، فهل شاهد روبنز كسوفًا كليًا للشمس في إيطاليا؟
يجيب الباحث البلجيكي روجر فان در ليندن، الخبير في أعمال روبنز، والمتعاون مع مرصد "أورانيا الفلكي الهولندي" قائلًا: "ندرك من لوحة روبنز على الفور أنه شاهد كسوف الشمس بنفسه، لأنه من الصعب أن يتخيل المرء الظاهرة فقط ويرسمها بهذه الواقعية". موضحًا أن العالم شهد كسوفًا كليًا للشمس في 12 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1605، وشوهد هذا الكسوف بشكل واضح على طول الساحل الإيطالي، وكان روبنز يرسم في ذلك الوقت في مانتوفا. وبحسب در ليندن فربما لم يشاهد روبنز الكسوف كاملًا من موقعه هناك، لكنه شاهد 90 بالمائة منه على أقل تقدير. وفوق ذلك كانت النخبة المثقفة الأوروبية بأكملها تتحدث عن ظاهرة الكسوف الكلي للشمس في ذلك الوقت.
| |
| يمين: "مخطوطة فلورنسا"، القرن السادس عشر/ صورة محتملة لكسوف للشمس في تشاكو كانيون، نيو مكسيكو/ الآلهة الهندوسية "راهو" تلتهم قرص الشمس |
بعد حوالي خمس سنوات من الكسوف الإيطالي عام 1605، رسم روبنز لوحته "رفع الصليب" (1610)، وهي لوحة وإن كان من السهل وصفها بالـ "واقعية"، إلا أنها ليست مثالية تمامًا، فعلى الرغم من أن روبنز كان مهتمًا كبيرًا بالعلوم، إلا أنه سمح لنفسه ببعض الحرية الفنية، وهو ما يلاحظه روجر فان در ليندن قائلًا إن هناك ثلاثة أخطاء وقع فيها روبنز تتعارض مع علم الفلك، وهو شيء وارد الحدوث جدًا في ذلك الوقت، فقد رسم روبنز القمر على شكل قرص أسود، وهذا شيء مستحيل أن يحدث، فنحن لا نرى سوى الجزء الذي يحجب الشمس من القمر. كما أن وجود القمر أمام السحب أمر مستحيل أيضًا، وكذلك هناك خطأ في التوقيت، لأن القمر يتحرك في أثناء الكسوف من اليمين إلى اليسار فوق الشمس. أما في لوحة روبنز، فقد انزاح القمر تقريبًا، ووفقًا للكتاب المقدس، من المفترض أن تتزامن ذروة الكسوف مع صلب المسيح، لكننا في لوحة روبنز نرى المسيح معلقًا على الصليب وهو لا يزال على قيد الحياة.
التشكيل والبوب آرت
مع تقدم العلم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدأ الفنانون يتعاملون مع الكسوف بوصفه حدثًا يمكن رصده وتوثيقه بدقة، وإن كان الفنان الفرنسي أنطوان كارون (1521 - 1599) سبقهم ورسم عام 1571 لوحة "علماء فلك يدرسون كسوفًا". وبعد نحو 271 عامًا كاملة شهد الرسام الإيطالي إيبوليتو كافي (1809 - 1866) كسوفًا في البندقية في 8 يوليو/ تموز 1842، وسجَّله بريشته. وفي 28 يوليو/ تموز 1851، رسم السويدي بينغت نوردينبيرغ (1822 - 1902) كسوفًا آخر. وفي اليابان خلد فنان مجهول كسوف 19 أغسطس/ أب 1887 في مطبوعة خشبية أنيقة.
اتسعت رؤية الفنانين للكسوف في القرن العشرين على خلفية التقدم العلمي والفلكي، وكان الفنان النمساوي إيغون شيلي (1890 - 1918) مبهورًا بظاهرة كسوف الشمس وعادة ما كان يدمجها بانتظام في خلفيات لوحاته، ومن أهمها لوحته "الصلب مع كسوف الشمس" التي تعود إلى عام 1907، وفيها نرى كيف تعكس الشمس المعتمة صورة رأس المسيح بعد أن صارت خلفية لها. فيما رسم الفنان التعبيري الألماني جورج غروس عام 1926 لوحة "كسوف الشمس"، وهي لوحة سياسية انتقادية عن جمهورية فايمار، يظهر فيها الرئيس الألماني فون هيندنبورغ جالسًا إلى المائدة، فيما يحيط به عدد من المصرفيين وهم بلا رؤوس. ويظهر رمز الدولار لامعًا على القمر الذي حجب قرص الشمس، في إشارة منه إلى هيمنة رأس المال على القرارات السياسية لدولة فايمار. أما فنان البوب آرت الأميركي روي ليختنشتاين فقام بتحليل كسوف الشمس في مراحل مختلفة خلال مشواره الفني، وقد بيعت لوحته "كسوف الشمس 2" (1975) في مزاد عام 2025 بمبلغ فلكي وصل إلى 2.6 مليون دولار.
من شكسبير إلى أنطوني كوين وبينك فلويد
في مسرحية "الملك لير" لشكسبير، يرى كونت غلوستر في كسوف الشمس نذير شؤم: "هذا الكسوف الأخير للشمس والقمر لا يبشرنا بخير". والمعروف أن كسوفًا كليًا للشمس حدث في إنكلترا عام 1598، أي أثناء حياة شكسبير، ومن المرجح جدًّا أنه شاهده بنفسه.
تغيرت نظرة الكتاب والشعراء إلى ظاهرة كسوف الشمس في القرون التالية لتأخذ منحى أكثر ذاتية وتأملًا؛ إذ كتبت الشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون عام 1877 قصيدة تصف فيها صدمة الكسوف، وقد شهدت في ذلك العام عدة كسوفات جزئية في أميركا الشمالية. تقول في مقطع منها: "بدا الأمر كما لو أن الشوارع كانت تجري/ ثم وقفت ساكنة/ الكسوف كان كل ما نراه من النافذة/ والرهبة كانت كل ما نشعر به". كذلك تحدثت الكاتبة الإنكليزية فيرجينيا وولف في مذكراتها عن الكسوف الكلي للشمس الذي حدث في 29 يونيو/ حزيران 1927: "اعتقدت أننا كنا أشخاصًا مسنين جدًا عند ولادة العالم". وعندما انطفأ ضوء الشمس كتبت وولف: "لم يعد هناك لون، كانت الأرض ميتة".
| |
| رسم توضيحي مأخوذ من مؤلفات البيروني الفلكية يشرح المراحل المختلفة للقمر، من حيث موقع الشمس/ طبعة خشبية مجهولة المصدر (أوكيو-إي) لكسوف الشمس الذي حدث في 19 آب/ أغسطس 1887 في اليابان |
لم يقتصر تأثير ظاهرة كسوف الشمس على الخرافات والأساطير والفنون البصرية والأدب فحسب، بل امتد تأثيرها إلى الموسيقى والسينما والغناء والمسرح والأوبرا، ولعل الملحن الباروكي الساكسوني جورج فريدريش هاندل (1685 - 1759) كان من أوائل من سجلوا انبهارهم بالظاهرة في الموسيقى الكلاسيكية، إذ كتب أغنية بعنوان "كسوف كلي" Total eclipse في أوبرا "شمشون" التي وضعها عام 1741، تقول كلماتها: "كسوف كامل... لا شمس ولا قمر. كل شيء مظلم في وهج الظهيرة".
وفي الموسيقى الحديثة، نجد ألبوم "الجانب المظلم من القمر" (1973) Dark Side of the Moon لفرقة بينك فلويد، وتحديدًا أغنية "Eclipse" التي تتحدث عن الخلق والدمار: "كل شيء تحت الشمس متناغم، لكن الشمس يكسفها القمر". كما لا يمكن نسيان أغنية "كسوف كلي للقلب" Total eclipse of the heart التي غنتها الويلزية بوني تايلر (1951 - 2026) من ألبومها الخامس Faster Than the Speed of Night (1983)، في هذه الأغنية يصبح كسوف الشمس رمزًا للحب: "حبك مثل ظل عليّ طوال الوقت، لا أعرف ماذا أفعل وأنا دائمًا في الظلام".
كذلك وجدت السينما في ظاهرة كسوف الشمس ما يجب تسجيله، وكان المخرج الأميركي ريتشارد فليشر من أوائل من اهتموا بتسجيل الظاهرة بشكل حقيقي في أفلامه، حيث أخّر تصوير مشهد صلب المسيح في فيلم "باراباس" (1961) من بطولة أنتوني كوين، ليتزامن مع كسوف شمسي حقيقي حدث في 15 فبراير/ شباط 1961، ونصّب 40 كاميرا لتصوير الحدث. وفي العام التالي، استلهم المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني من ذات الكسوف فيلمه "الكسوف" L'eclisse (1962)، وهو دراما عاطفية من بطولة آلان ديلون ومونيكا فيتي. أما في فيلم "دولوريس كلايبورن" (1995) Dolores Claiborne، والذي تشاركت بطولته كاثي بيتس وجينيفر جيسون لي وإخراج تايلور هاكفورد، فتستغل امرأة ظاهرة الكسوف لقتل رئيستها العنيفة في العمل. والفيلم مستوحى من رواية حملت العنوان ذاته للكاتب ستيفن كينغ صدرت عام 1992.


تحميل المقال التالي...