}

غزّة: المدينة والتاريخ على مرّ الزمان

أوس يعقوب أوس يعقوب 19 أغسطس 2026
استعادات غزّة: المدينة والتاريخ على مرّ الزمان
غزّة، (Getty, 1858)

 

صدر كتاب "إتحاف الأعِزّة في تاريخ غزّة" لمؤلّفه الشيخ عثمان مصطفى الطباع الغزّي، في طبعته الأولى عام 1999م، عن مكتبة اليازجي بغزّة، بعد أن بقي مخطوطًا دفينًا خمسين سنة في عُهدة آل الطباع، وبعد خمس سنوات قضاها في تحقيق المخطوط ودراسته، المؤرّخ والمحقّق الغزّي الدكتور عبد اللطيف زكي أبو هاشم، المتخصّص في تاريخ جنوب فلسطين (1).

يُعَدّ الكتاب، خاصّة في زمن حرب الإبادة الجماعيّة - ما بعد الهمجية - والمحو والإلغاء، التي يشنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزّة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023م، "المصدر الأهمّ - إن لم يكن الوحيد - الذي يُعتبر بمثابة المرجع الأمّ في التأريخ لمدينة غزّة وأهلها وأحوالها وقُراها، منذ أقدم العصور حتّى منتصف القرن العشرين"، بحسب ما جاء في مقدّمة الأديب والشاعر الغزّي ناهض منير الريّس (توفي في أبريل/ نيسان 2010م)، وهو من رجالات فلسطين الوطنيين المعروفين.

الكتاب، الذي استغرق مؤلّفه في جمع مواده ومراجعتها وتحقيقها أكثر من ثلاثين عامًا، والذي اشتغل عليه محقّقه الدكتور أبو هاشم نحو خمس سنوات رجع خلال إلى ما يربو على ثلاثمائة وخمسة عشر مرجعًا، ما بين مخطوطات ومطبوعات، يُصنّف من أهمّ كتب تاريخ فلسطين الموسوعية، ومرجعًا مهمًّا لأيّ باحث أو طالب علم أو قارئ، فقد استقى مؤلّفه الشيخ الطباع من مئات المصادر، التي استطاع الوصول إليها؛ من مصنّفات مخطوطات وكتب مطبوعة، ووثائق وحُجج شرعية وصكوك ونقوش ورقوم، فضلًا عن البحث الميداني الجادّ.


غزّة: مملكة مختصرة وإمارة مستقلّة في الأدوار الأولى

جمع الشيخ الطباع في كتابه "إتحاف الأعِزّة في تاريخ غزّة"، الذي نتوقّف عنده في مقالنا هذا، ما لم يجتمع في كتاب غيره عن غزّة المدينة والتاريخ على مرّ الزمان، إذ يشتمل على عرض لتاريخ المدينة منذ العصور القديمة، حتّى أواخر العهد العثماني، ثمّ بدايات عهد الانتداب البريطاني في فلسطين.

يتكوّن الكتاب من 4 مجلّدات؛ تجاوزت 1900 صفحة من القطع الكبير، يتناول المؤلّف في المجلّد الأوّل (372 صفحة) تاريخ غزّة منذ العصور القديمة حتّى بداية العهد المملوكي. وهو يبدأ بمقدّمات لكلّ من آل الطباع؛ كتبها فيصل عمر الطباع، ومقدّمة عن "المؤلّف والكتاب والمدينة" بقلم ناهض منير الريّس (عضو المجلس التشريعي في السلطة الوطنية الفلسطينية)، ثمّ مقدّمة بقلم جرار نعمان القدوة (رئيس هيئة الرقابة العامّة في غزّة)، تلتها مقدّمة المهندس غسان محمود الوحيدي؛ بعنوان "حلم تحقّق"، ثمّ دراسة وضعها المحقّق الدكتور عبد اللطيف زكي أبو هاشم؛ تحت عنوان "مدينة غزّة وأهمّيتها التاريخية وأسماؤها المختلفة ومعانيها"، ثمّ ترجمة لمؤلّف الكتاب الشيخ عثمان مصطفى الطباع الغزّي، فدراسة في الكتاب، وتوثيق نسبة الكتاب لمؤلّفه. بعد ذلك يورد المحقّق فصلًا للمصادر والمراجع المخطوطة والمطبوعة مرتبة هجائيًا، إضافة إلى المقالات والدوريات، والمراجع باللغة الإنكليزية، وينتهي الفصل بصور ضوئية من المخطوط.


ممّا جاء في كلمة محقّق الكتاب الدكتور أبو هاشم: "مدينة غزّة هي من أقدم مدن العالم، وربّما تكون رابع مدينة بنيت على وجه الأرض. وقد أنجبت رجالًا اشتهروا في الإسلام أمثال الإمام الشافعي وغيره، واسمها محفور في ذاكرة التاريخ، وجدت مع وجود الزمان، وعانت أهوال كلّ قتال، وكان لها في كلّ عهد قصّة وفي كلّ معركة تضحيات وشهداء، ومع كلّ حاكم حكاية. كم دانت لفاتح وكم استعصت على جبار. ولكنّها في كلّ حال لم تكن ترضى إلّا أنّ تكون حديث الدنيا وقلب الأحداث، فما اقتتل جيشان إلّا اكتوت بنار قتالهما وما تنازع خصمان إلّا حاول كلّ منهما أن يخضعها لسلطانه، فهي واقعة في الوسط بين قارتين وبين حضارتين؛ طريقٌ للفاتحين وأوّل سلّم للصاعدين الغالبين، وآخر درجات المنهزمين الفارين، تاريخها مجيد وسجلّها حافل وحاضرها جهاد وتضحيات، عانت وما تزال تعاني من غدر الأعداء وعجز الأصدقاء ولكنّها في كلّ مرّة تنتصر، تنتصر بالرجال الذين أنجبتهم أرضها، رجال عظماء، وأبطال أشدّاء...".

وقد اختزل تاريخها الأديب والشاعر ناهض منير الريّس في قصيدته "غزّة" فقال:

برزت لهم والنار سيل جائح ونساؤها خلف الرجال تكافح
وكذا على أبواب غزّة ينحني هامٌ الطغاة ولا يمرُّ الفــاتح

أرض اليمام تفوح بياراتها ويجن ساكنها بها والنازح

ما رامها الأعداء إلّا ردّدت لحمي أنا مرٌّ وبحري مالح
نار على المنطار حاشا تخمد من ألف ألف حجرها يتوقّد
ما جرب الغازي صواعق حربها إلّا تمنى لو يغور ويشرد.

أمّا المجلّد الثاني (500 صفحة)، فيستعرض فيه المؤلّف بإسهاب تاريخ غزّة منذ بداية العهد المملوكي حتّى أواخر العهد العثماني وبداية الانتداب البريطاني على فلسطين، ويشمل الحديث عن غزّة وأحوالها الإدارية، وتناول العديد من الجوامع والمزارات والأماكن الأثرية، ثمّ تفصيل أنساب قبائل عرب السبع.

تقع مدينة غزّة في جنوبي فلسطين على ساحل البحر المتوسط، وتُعدّ عاصمة للقِطاع المسمّى باسمها، ولا تزيد مساحة القطاع على 324 كم2، وقد أطلق الفرس عليها اسم "هازاتو"، وسُمِّيت "غزّة" زمن العبرانيين، وأصبحت "غزّة هاشم" زمن العرب نسبةً إلى هاشم بن عبد مناف - جدّ النبي محمد (ﷺ)، وما زال قبره فيها إلى الآن.

يقول الشيخ الطباع عن غزّة وأحوالها الإدارية: إنّه "كان لغزّة أهمّية كبرى وعناية عظمى في نظر الفاتحين من الملوك والقادة والحكام لكونها آخر البلاد الشامية وتنتهي إلى حدود البلاد المصرية، وهي همزة الوصل بين هذين القطرين العظيمين مع ارتفاع موقعها وإشرافها على البر والبحر وشموخ أبراجها وحصانة سورها وفخامة قلعتها المشحونة بالأسلحة والذخائر، وقوّة بأس أهلها وحاميتها ومناعة أبوابها فقد كان لها خمسة أبواب فخمة مدعمة بالعمد الكبيرة والحجارة الضخمة؛ الأوّل منها "باب البحر" وهو الباب الغربي، والثاني "باب القلعة" وهو الباب الشرقي، والثالث "باب الداروم" وهو الباب الجنوبي، والرابع "باب الدير" (دير سنيد) وهو الباب الشمالي عند ساقية الحدرة، والخامس "باب الجرن" المعروف بـ"باب جرو" وهو غربي أيضًا، لذلك استعصت على الفاتح إسكندر المقدوني الذي أخضع الممالك وفتح الحصون المنيعة وصعب عليه فتحها، وجرح عندها، واستعمل كلّ آلات الحصار فلم يظفر بها حتّى مكث في حصارها أربعة أشهر، وما فتحها إلّا بعد عناء شديد، فكانت النقطة المهمّة ومطمح الأنظار في سائر الحروب التي تجرّعت البلاد غصصها وانتابت بويلاتها وكانوا يرون أنّ من أخضعها أخضع سواها ومن ملكها هان عليه تملك غيرها". يضيف الطباع: "بلسعة مزارعها وكثرة ملحقاتها كانت مملكة مختصرة وإمارة مستقلّة في الأدوار الأولى، يتولّى حكمها الأعاظم من كلّ أمة، فحكمها أفرايم بن يوسف الصديق عليه السلام، وكان يعبّر عنها في فترة من التاريخ بـ ’المملكة الغزّية’ و’دهليز الملك’، ويقال لحاكمها الأمير، ونائب السلطنة، وكافل ’المملكة الغزّية’، وإنّ البلاد التي كانت تابعة للمملكة الغزّية هي ’عسقلان والداروم والعريش وتل الصافي وكراتيا وبيت جبرين والخليل وبيت القدس ويافا وقيسارية وأرسوف. كما ذكرها الدمشقي. وسار إليها الملك الظاهر بيبرس مرارًا وأقام بها واهتمّ ببناء مساجدها وجوامعها ومدارسها اهتمامًا كبيرًا وأسّس بها مكتبة قيّمة كانت تحتوي على عشرين ألف كتاب، وهي حاليًا مكتبة الجامع العمري الكبير في غزّة".

الشيخ عثمان مصطفى الطباع الغزّي/ المؤرّخ عبد اللطيف زكي أبو هاشم


وخُصّص المجلّد الثالث (544 صفحة) للعائلات والأنساب، والذي يبدأ بـ "مقدمة في بيان ألقاب الأسر ونسب العائلات القديمة والحادثة"، وفيه يبيّن المؤلّف كُنْه ونشأة هذه العائلات، ومدى ارتباط أسمائها بالواقع التاريخي والحضاري. وقد رتّبت أسماء تلك العائلات حسب حروف الهجاء؛ حتّى تسهل على القارئ عملية المراجعة. وفي هذا المجلّد يتناول الشيخ الطباع أشهر وأعرق العائلات في غزّة قديمًا وحديثًا على حدٍّ سواء، معتمدًا في ذلك على الوثائق والحِجج الشرعية والوقفيّات، وأوراق العائلات ودُورِها وأنسابها، وعرض مخطّطات لشجرات العائلات موضّحًا تسلسل الأنساب فيها. بينما خُصّص المجلّد الرابع (480 صفحة) لتراجم الأعيان والأعلام الذين أنجبتهم غزّة أو نزلوا بها ونسبوا إليها أو تُوفّوا فيها؛ وبلغ عدد هذه التراجم 214 ترجمة، كان أوّلها لهاشم بن عبد مناف - جدّ النبي محمد (ﷺ)، يليه الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ثمّ عرّج على شاعر المدينة الكبير أبي إسحق الغزّي، فالصوفي ابن زقاعة الغزّي، تلا ذلك تراجم لمشاهير غزّة على امتداد تاريخها، وعلى اختلاف توجّهاتهم من علماء وفقهاء وأدباء وشعراء وقادة وساسة وأطباء وملوك ورؤساء، فمن بني التمرتاشي إلى ابن النخالة، إلى آل الريّس وآل رضوان وعرفات القدوة وآل مكي وآل الشوا، حتّى انتهى بترجمة حمدي أفندي الحسيني، المولود في مدينة غزّة عام 1899م. 

سيرة صاحب الكتاب

ولد مؤلّف الكتاب الشيخ أبي المحاسن عثمان بن مصطفى بن حامد بن محمد بن عبد الغني بن محمد بن عثمان الطباع الدمشقي الغزّي الحنفي الأزهري، المعروف بـ "مؤرّخ غزّة"، عام 1882م، ويُعَدّ علمًا من أشهر أعلام المؤرّخين الفلسطينيين في العصر الحديث. يعود اسم عائلته إلى مهنة الجدّ الأكبر وهي طباعة السيوف (صناعتها وصقلها). وهي عائلة منتشرة في بلاد الشام. ووفقًا لما ذكره يعقوب العودات (المعروف بـ "البدوي الملثم") في كتابه "من أعلام الفكر والأدب في فلسطين" (2)، فقد أتمّ "مؤرّخ غزّة" دراسته الابتدائية في مدارسها عهد ذاك، فحفظ القرآن الكريم وجوّده، ودرس التوحيد والحساب والعبادات، وكان متفوقًا على لداته (أي من هم في سنّه) في دراسته الأولى، واتّجه في دراسته الدينية وفق السادة الحنفية في الجامع العمري الكبير بغزّة. وفي عام 1900م يمّم مصر لإكمال دراسته في الجامع الأزهر، وحضر فيه دروس أكابر علماء ذلك العصر كالشيخ محمد السملوطي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد بخيت، والإمام الشيخ محمد عبده - مفتي الديار المصرية – والشيخ سليم البشري، وأخذ عنهم الكثير من مختلف العلوم. وبعد أن تمكّن من علوم اللغة والدين ونال الإجازات فيها من مشيخة الأزهر الشريف غادر مصر عائدًا إلى غزّة عام 1902م، وشرع في التدريس وإلقاء الخطب في مختلف جوامع غزّة إلى أن أسند إليه التدريس في الجامع العمري الكبير في عام 1921م، ثمّ اسندت إليه الخطابة فيه عام 1931م. ورأى الشيخ الطباع بنظره الثاقب أنّ غزّة مُفتَقِرة إلى مكتبة عامّة، فأخذ على نفسه أن يسدّ هذه الثغرة، فشمّرَ عن ساعد الجِدّ والاجتهاد حتّى نجح في تأسيس المكتبة التي خصّص لها غرفة فسيحة في الجامع العمري وزوّدها بنحو من ثلاثة آلاف كتاب من مخطوطات ومطبوعات.

صنّف الشيخ الطباع الكثير من الكتب والرسائل حتّى بلغت الأربعين، ومعظمها يدور حول العلوم الإسلامية من أصول دين ومنطق وحديث شريف وفقه. من آثاره القلمية: "إتحاف الأعزّة في تاريخ غزّة"، و"خلاصة الأنساب لعائلات غزّة"، و"الثّبت الفريد في عالي الأسانيد"، و"نظم المباني في مبادئ المعاني"، و"الديباج المنثور على زورق البحور في العروض"، و"الدروس الأولية للمكاتب الوطنية في علم الجغرافية والفلك". وكانت وفاته بغزّة، في عام 1950م، عن ثمانية وستين عامًا.


هوامش:

1- يشغل المؤرّخ والمحقّق الغزّي الدكتور عبد اللطيف زكي أبو هاشم منصب مدير عامّ دائرة المخطوطات والآثار في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزّة، بالإضافة إلى كونه مديرًا عامًّا لمؤسّسة "عيون على التراث".

2- يعقوب العودات، كتاب "من أعلام الفكر والأدب في فلسطين"، عمّان – طبعة أولى، 1976م.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.