برغم رحيله قبل أكثر من عقدين ونصف العقد، ما تزال قصائد عبد الله البردوني، تتردد في كل مكان سواء في اليمن أو خارج اليمن، ذلك لأنه وُلِد ليكون شاعرًا برغم افتقاده للبصر، وبرغم طفولته التي لم تكن كطفولة كثيرين من أقرانه.
تنحاز قصائد البردوني إلى الإنسان وتطلعاته في حياة كريمة، ولمكابدات اليمني في واحدة من أهم مراحل التاريخ اليمني، في أتون التشكل والانطلاق لثورة سبتمبر/ أيلول 1962. ولم تكن قصيدة مديح على حساب الذات وكبرياء الشعر.
وتأتي الكتابة عن عبد الله البردوني، وتأمل قصائده، وكشف مكنوزاتها، لأن قصائده ما تزال تُربِكنا: كيف أن مبدعًا من بلد مغمور - أفاق لتوه على ثورة ضد فكر منغلق لا يريد أن يتغير، ويرى في الناس أتباعًا مأمورين ولا يحق لهم أن يعترضوا - حوّل العمى إلى بصيرة، والغياب إلى حضور طاغٍ. ثم ترك بصمةً في عوالم الأدب والنقد، ليظل اسمه مقترنًا باليمن وبالعروبة وبالتحديث الشعري.
وبمعاينة قراءات تقليدية، تناولت قصائد للبردوني، يُلاحظ أنها حبسته في ثلاثة أركان: التراث؛ السياسة؛ الوطن الكبير.
ومن هنا يبرز سؤال مختلف قليلًا: لماذا تُربِكنا قصائد البردوني؟ لأننا تعودنا على الشعر الذي يعطينا موقفًا واحدًا. البردوني يفتح القصيدة على احتمالات تأويلية ومواقف متناقضة. هو لا يريدك قارئًا كسولًا، يريدك مغامرًا في التنقيب عن أسئلة الحيرة. ولهذا لا يمكنك أن تفهمه وتغلق الكتاب من القراءة الأولى.
مثالًا، تحضر صنعاء في قصائد البردوني، في ملمح مُربِكٍ مع أنه يكتبها صادقًا وموغلًا في كشف بؤسها الظاهر للعيان، برغم أنها من أجمل المدن العربية وأعرقها وأقدمها تاريخًا. وهو هنا يكتب المدينة كما هي في صدور ساكنيها وقد بلغت بهم الأحزان والمتاعب مبلغًا، إذ تضيق الحياة في الأزقة العتيقة وفي كل مكان تمتد على ترابه المدينة، ولا بد أن ما يمر به البلد في كل مرحلة سياسية واقتصادية، ينعكس على واقع الحياة اليومية للمواطنين.
في القراءات التقليدية، تُقدم صنعاء عند البردوني، كرمز أو كمدينة تاريخية جامدة. لكن لو تتبعنا حضورها، سنجدها تتحول من مكان إلى كائن. مرة تكون أمًا، ومرة تكون سجينةً، ومرة تكون عاشقةً عنيدة.
البردوني لم يكتب عن صنعاء كمدينة في كتاب جغرافيا، بل كتبها كتجربة يومية. الشوارع عنده لها نبض، والبيوت تتنفس، والحجارة تشكو. المدينة عنده لا تُوصف بجمالها المعماري فقط، وإنما بوصفها كائنًا يحمل ندوب كل الحروب. يتكرر حضورها في قصائد كُتبت بعد نكسات سياسية، فتظهر صنعاء وهي تضمِّد جراحها بنفسها. لا تنتظر منقذًا. وهنا الاختلاف: البردوني لا يبكي المدينة، وإنما يجعلها هي التي تُبكي الآخرين، ثم تنهض كالعنقاء.
صنعاء في قصائده "مريضة"، لكنها لا تموت.
كما تظهر صنعاء في قصائد البردوني، كأرشيف بشري. الأزقة تحفظ أسماء الباعة، والمساجد تتذكر الخطب، والبيوت القديمة تُخزِّنُ أسرار العائلات. إنه يستحضر صنعاء ليكتب تارة عن مدينة وتارة عن حارة صغيرة، وهنا تتبدل المدينة من العاصمة إلى الحارة، مع الإبقاء على صورة المدينة العاشقة المتمردة، إذ نجده يمنح المدينة صفات أنثوية لكنها ليست "أنثى ضعيفة". مدينة تغضب من أبنائها حينًا، تلعنهم، ثم تفتح لهم أبوابها.
وفي بعض القصائد يخاطبها كمحبوبة يصالحها بعد خصام. وفي قصائد أخرى يوبخها لأنها صمتت. وهكذا يربكنا البردوني في علاقته بمدينته، وهي علاقة ملتبسة بين شاعر ومدينة، مما يضيف إلى القصيدة توترًا دراميًا.
ويمكننا القول إن مدينة البردوني مدينة منهكة، مجروحة، لكنها تنهض من جديد، لأنها لا تعرف خيارًا آخر. ولهذا بقيت قصائده عن صنعاء حية إلى اليوم. لأننا كل ما مررنا بأزمة نجد المدينة التي وصفها البردوني قبل 50 سنةً، تنطبق على المدينة ذاتها في عصرنا الراهن.


تحميل المقال التالي...