هكذا يعلّمنا الشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروث، الذي تفتح رؤيته إلى الشعر والعالم آفاقًا واسعة للتفكير في كل ما يحيط بنا. وهي رؤية لا تقتصر على التأمل الجمالي، بل تمتد إلى الحياة اليومية، وإلى الهوية الثقافية والروحية، تلك الهوية التي كان خواروث يؤكد مرارًا أن الشعر هو بمنزلة أحد تجلياتها العميقة.
يبدو أن خواروث تأثر بما كتبه الأرجنتيني أنطونيو بورشيا من شذرات وتأملات شعرية ذات نزعة فلسفية، الأمر الذي دفع تجربته الشعرية نحو الفكر والعمق، حيث تنزاح القصيدة من التعبير المباشر إلى التأمل الوجودي. ويمكن أن نلمس شيئًا من هذا التوجه أيضًا لدى الشاعر التشيلي فيسنتي هويدوبرو.
وقد أطلق خواروث على مشروعه الشعري اسم "الشعر العامودي"، وهو الاسم الذي حملته مجموعاته الشعرية المتعاقبة. ويعود ذلك إلى رؤيته للعالم من الداخل، لا من سطح الأشياء. وهذه التسمية تدفعنا إلى التساؤل: ما معنى أن يكون التفكير عاموديًا؟ وما معنى أن تنطلق نظرتنا إلى الوجود من الجذور لا من الامتداد الخارجي؟
يجعلني ذلك أفكر: هل كل ما نقوم به من رحلات أفقية، من سفر وخروج واكتشاف، يوازيه تحولٌ عامودي يحدث في أعماقنا؟
يقول خواروث في إحدى قصائده:
إن قاع الأشياء
ليس الحياة أو الموت
الخلفية شيء آخر يأتي إلى الشاطئ...
إن النظر إلى الأشياء من الداخل لا يعني تجاهل ما يحدث أفقيًا، بل على العكس؛ فالحركة الأفقية تثير فينا الأسئلة التي تنبع من القاع. غير أن خواروث ينشغل أكثر بما يحدث في العمق، بذلك الخيط السري الذي يربط الأشياء بعضها ببعض، وكأن الشعر فعلُ حفرٍ داخلي دائم، لا يعبأ بحجم الأشياء أو امتدادها بقدر ما ينشغل بجوهرها.
ويقول:
حين ننظر إلى بعضنا
كل خيوط العالم تتحد بنا
لكن خيطًا واحدًا مفقود
ذلك الذي يعطي الظل
للضوء السري للحب...
الانعزال أم العزلة؟...
يبدو أن خواروث معنيٌّ بذلك الخيط الأخير؛ الخيط الذي يمنح الظل للضوء، ويرافق الأسرار الخفية للحب والحلم والمعنى. فاللامرئي هو المجال الذي يحفر فيه شعره، وكأنه يحاول الإمساك بما لا يُرى، لأن الإمساك بهذا الخيط السري يعني الإمساك أيضًا بالظلال التي تتفرع عنه.
لكن كيف يمكن الإمساك به؟
يحمل الشعر هذا السؤال، ويحمل أحيانًا إجابته. فالعزلة، عند خواروث، ليست انقطاعًا عن العالم، بل شكلًا أعمق من الاتصال به. ففي حوار أجراه معه الشاعر غييرمو بويدو، يميز خواروث بين الانعزال والعزلة، معتبرًا أن الانعزال شكل سطحي من أشكال الانفصال، بينما تمنح العزلة الحقيقية شعورًا بالانتماء إلى الكل. ويعترف بأن الشعر وحده هو الذي أتاح له أن يعيش هذا الإحساس بامتلائه الكامل.
في تأمل الإبادة
نحن أيضًا نتأمل اليوم، بصورة عامودية، ما يحدث من إبادة ومحو يمارسه الاستعمار الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني. ونعلم أن كل فعل محو يقابله فعل مقاومة يستعيد الوجود ويعيد بناء المعنى.
يقول خواروث إن كل شيء يرخي ظله، حتى اللامرئي. ومن هنا يمكن النظر إلى كل فعل صغير، مهما بدا خافتًا أو غير مرئي، بوصفه فعلًا مقاومًا يترك أثره، ولو بعد حين.
وفي قصيدة ذات طابع وجودي عميق، يكتب:
بعد نصف حياة أو حياة كاملة
أشياء قليلة تقاوم
المكان الذي ترتجف فيه الأشياء المتوازية
والليلة التي يعود فيها الحب الميت إلى الحياة
واللحظة التي لا ضوء فيها
بل ظلٌّ وسطيٌّ متدرج
والمكان الذي يستعيد كل شيء
دون مقدمات الآخرين الممتدة
أشكال الإخلاص التي نتجاهلها
وحدها الممكنة
لتؤجل قليلًا استحالة كل شيء.
ثمة دائمًا ما يؤجل استحالة الأشياء، وما يبقي باب الإمكان مفتوحًا. وربما يكون ذلك هو "مكان الظل" الذي يتحدث عنه خواروث؛ المكان الذي تستعيد فيه الذاكرة قدرتها على مقاومة النسيان.
عن الذاكرة والحفر
هل يقتضي الوجود أن نحفر أكثر كي نتعرف إلى جذورنا وذاكرتنا؟
يدعونا خواروث إلى النظر في الطبيعة والأشياء باعتبارها مصادر للمعرفة العميقة، قائلًا:
عليك أن تنقّب عن الينابيع
وأن تعرف ما الذي تحتها
عليك أن تحفر كل خطوة
ثم تقتفي كل أثر...
فهل نقتفي أثر من مضوا؟ وهل نستعيد ذاكرة ما كتبوه وما عاشوه، بما في ذلك أخطاؤهم؟
الحفر يأتي أولًا، واقتفاء الأثر يأتي لاحقًا. علينا أن نصغي إلى الخطوات قبل أن نعرف الطريق، وأن نفهم المسارات التي صنعت هذه الخطوات. وليس ذلك من أجل استعادة ما أُبيد أو اندثر فحسب، بل لأن لكل إنسان ذاكرته الخاصة أيضًا؛ تلك الذاكرة التي رسمتها التجارب والأحداث، والتي لا ينكشف معناها إلا حين نحفر عميقًا في طبقاتها.
حياته ونظرته إلى القراءة
في حواره مع غييرمو بويدو، يعترف خواروث بأنه يشعر بعدم الارتياح كلما سُئل عن حياته الشخصية. فالسيرة، في نظره، ليست الأهم. الأهم هو علاقة الشعر بالحياة الداخلية للإنسان، حيث تتخصب المعرفة في أغوار التجربة البشرية.
وينتهي إلى القول إن كل تجربة تُعاش بعمق يمكن أن تفضي إلى الشعر.
ومن أجمل ما كتبه عن القراءة قوله:
ينبغي أن نجعل النص الذي نقرأه يقرأنا
ينبغي، بمعنى ما، أن نجعل الوردة التي ننظر إليها
قادرةً على أن تجعلنا نكون...
وهنا لا بد من التذكير بأن قراءة سيرتنا، وقراءة مستقبلنا، وحتى استنطاق ذاكرتنا، ليست أفعالًا عابرة، بل محاولات متواصلة للحفر في المعنى. فكل قراءة عميقة قادرة على أن تمنحنا بصيرةً نتقدم بها وسط العتمة، وأن تكشف لنا ذلك الخيط الخفيّ الذي يصل ما عشناه بما نرجوه.
وهكذا تصبح قراءتنا، كما أراد روبيرتو خواروث، قراءةً عامودية تنطلق من العمق لتعيد إلينا القدرة على الرؤية والوجود.
وفي حوار مع دانييل غونزاليس وأليخاندرو توليدو يقول روبيرتو خواروث عن الشعر: "إن أحد أهم مشاريع الشعر وأحد أهم متطلباته هو إعادة الوحدة المفقودة، ومن ثم إعادة الاتصال بين الكلمة والصمت الذي هو القصيدة، وتفترض فكرة العامودية أن نعبر ونكسر وأن نذهب أبعد من البعد المسطح الجامد التقليدي وأن نبحث عن شيء آخر". ويضيف في مكان آخر من الحوار قائلًا: "يبدع الشعر الواقع وليس الخيال، وهو بالنسبة لي أفضل واقع ممكن".
ولد روبيرتو خواروث في تشرين الأول/ أكتوبر 1925، وتوفي في عام 1995. تابع دراسته في الأدب والفلسفة، وتخصص في علوم الإعلاميات والمكتبات. ترجم لشعراء فرنسيين وارتبط معهم بصداقات، وكان مديرًا لقسم المكتبات والوثائق بجامعة بوينس آيرس.


تحميل المقال التالي...