ينصَبُّ اهتمام القرّاء العرب في قراءاتهم للأدب الغربي في غالبه نحو الأدب الإنكليزي والفرنسي - بفعل تأثير الاستعمار لهاتين الدولتين للبلاد العربية- ووصل حديثًا إلى الأدبين الأميركي والأرجنتيني، لكن ماذا عن الأدب الأيرلندي مثلًا؟!
ربما يعترض كُثر على وصف جيمس جويس أنه "دوستويفسكي أيرلندا"، لكن ما يدعو لهذا الوصف قوله: "إن ما أطلبه من القارئ هو أن يكرّس حياته كلها لقراءة أعمالي"، ولعل هذا التصريح اللّافت من قبله يعطي بصمة واضحة عن كيفية تفكير هذا الرجل! هل لأنه كتب عن الرجل العادي ورجل الشارع ورجل المدينة؟! أو بمعنى آخر عن الفئات المتعددة، ونتساءل: ما الجديد في ذلك؟!
تُرجمت أعمال جويس إلى 121 لغة، ووصلت في ذلك إلى اليابانية والأردية. وقد فتحت هذه الترجمة سلسلة متتالية من مئات الدراسات البحثية التي تتحدث عن إنتاجه من خلال رسائل البحث العلمي، وبلغات مختلفة حتى نفذت إلى علم النفس واللغويات والفلسفة وعلم الاجتماع وتاريخ الحضارة!
وما جعلني أطلق عليه "دوستويفسكي أيرلندا" هو التضارب المثير للجدل في آراء النّقاد حول أعماله التي اعتبرها كثيرون أنها غامضة ولا تنتمي لنوع محدد، استنادًا إلى العوالم المثيرة التي كتبها جويس في أعماله!
في مقابل هذا الرأي هناك رأي معتمد يرتكز على أن الغموض في أعماله هو سرّ العبقرية الفنية، ويُستدل منه أن هناك تحديثًا مستمرًا في أعماله.
يقول الشاعر الأميركي ريتشارد إلمان: "لقد عاش جويس لغزًا ومات لغزًا، وخلّف في أعماله لغزًا".
ويقول الباحث سلام رحمن التميمي في كتابه "الأدب الذي نحيا به": "... ويجب أن نعترف بأن التعقيد يؤدي دورًا مهمًا في بعض الأعمال الأدبية، ويحميها من السطحية والتفاهة، فالتعقيد يُسهم بقسط كبير في إبراز المعاني، ويضيف ألوانًا متعددة إلى الحوار والوصف. والتركيب والتبسيط ظاهرتان تتناوبان وتتنازعان في تاريخ الأدب والفن، لكنهما نسبيتان دائمًا، ولا يجوز أن نمدح الواضح ونذم الغامض بصورة مطلقة، إنما يتوقف الأمر دائمًا على الحصيلة النهائية".
إذًا؛ نحن أمام ظاهرة -لا نقولها بالمفهوم العلمي- حقيقية في التميز السِّيَري والإبداعي، فقد كرّس حياته لأدبه حتى باتت تجربته الفنية الثابت في الحياة، وما وصل إلينا إنما هو تعبير عن الإشراق المواكب للمعاناة والتصور الفني لما يراه في حياته، حيث الظاهرة الأدبية التأملية بوجه صوفي يضم موسوعة تركيبية.
لن نجد كاتبًا يختلف عليه النّقاد والدّارسون أكثر من جويس؛ فأيرلندا موطنه منعت نشر رائعته "عوليس"، ويعتبره الإنكليز كاتبًا شاذًا غريب الأطوار! فيما يعتبره الأميركيون رائد الحركة التجريبية! ويشير له الفرنسيون باعتباره أديبًا ناقص الصقل الكلاسيكي والأسلوب المنطقي المتأدب!
هذا التناقض الذي نراه في التفاعل نُظر له على أنه إنتاج أدخله في خلق عالم بانورامي مذهل، لا للأفكار الأدبية فحسب بل للفروق الخفيفة الطفيفة في السياسة والاجتماع والأخلاق في القرن العشرين، كما يقول مارڤن ماغالانر.
جويس وأنقاض العالم
لقد تمثلت شخصيات جويس في إعادة تدوير الشكل الأدبي لترتطم بذاتها وتواجه العالم الذي تحيا فيه. كتب "عوليس" الذي يبدو كإنسان عادي، يعيش كأب مخدوع وما يترتب على هذه الممارسة من وحدة وحزن يتجه إلى الموت والمقابر في حديثه، ثم يضع جويس لمساته الفنية فيتحول لإنسان مبهر، وهذا ما نراه ضمن التصوير الفني الذاتي الذي ينصب على اختيار زاوية في لحظة تتواءم مع النظرة الفلسفية للشخصية فتتحرر من الكاتب لتشق طريقها نحو الحياة، وتنشطر وتكتسب حياتها من القرّاء.
ومن العجيب في تعامل جويس مع مخالفيه من النقاد أنه كان يُبسط لهم التعامل مع شخصياته في أعماله، ومن ثم يضع إسنادًا من خلالهم لنقد أعماله بشكل يراه مناسبًا!
لقد شكّل أدب جويس تحدّيًا حقيقيًا للكتّاب والنقّاد على حد سواء، فالكتّاب يريدون الاستفادة من تجربة جويس الأدبية، ويحاولون أن تكون تجربته هاديًا لهم، والنقّاد يريدون دراسة الحالة الإبداعية بما يتجه نحو الوضوح. وهذا لم يتأتَّ للكثير، إما لافتقادهم الأدوات المناسبة لفك شيفرات روح النص لجويس أو لأن حالة الإبداع لديه يصعب تفكيكها لمتاهات السرد المتقن والغامض، ليس لأنه يتعمد ذلك، بل لأن عوالم جويس تُفتح على مصراعيها في اتجاهات العلوم الإنسانية ومجالات الحياة الكبيرة.
عوليس الحالة الإبداعية في العاصمة
رجلان خائبان في أحداث يصنع منها جويس صراعًا داخليًا يتجه نحو عقدة نفسية، يبدو أن رواية "عوليس" تذهب إلى إيقاع الشاعر تي. إس. إليوت في "الأرض اليباب"، لا يمكن إزاء هذه المعالجة الدرامية إلا أن تتجه الأنظار إلى حياة جويس، أيكون هذا كتطعيم السيرة التوثيقية بالخيال المجسد في إطار كشف التزاحم الذاتي في عقل جويس؟!
تبرز شخصيتا "بلوم" و"ستيفن" لتمعنا نحو التأثير المنحرف والجنسي في خلق حبكة نفسية ليست تميل إلى علاقة الأب والابن، بل لأن الكاتب يريد أن يمنح القارئ الأنموذج في تفاعلات الذات الإنسانية بأن الإنسان حين يسمو فهو يمثل الجوهر الحقيقي في السمة الإنسانية، وعندما ينحدر فهو يمثل المستوى السيئ الفاقع، ويمكن أن نطلق على ازدواجية الشخصية "النفس اللّوامة" في تركيبتها المتأرجحة مع علمنا بأن الوعي حاضر في الذهن!
لغة الجمهور في أدب جويس
لقد أفاد جويس، باتكائه على الموروث الشعبي بشقيه، في إدراج اللهجة المحكية ضمن التعابير الشائعة، حتى وصل الأمر إلى استعانته بالإعلانات التجارية! ولا يفوته أن يُفاضل في الشق الآخر من الموروث الشعبي باختيار بعض الأقاصيص الشعبية والنكات، ويطرح ذلك في أعماله باعتراف مباشر.
هذا التجاذب المؤثر بين الغموض تارة والسهولة - التي يراها جويس- تارة أخرى جعل السمة الأساسية لإنتاجه يقترب رويدًا رويدًا من الأمانة الواقعية إلى مناجاة النفس.
وفي هذا يقول جيمس جويس نفسه: "إن المدينة الرئيسة تتعفن بفعل أشكال من الحيوية السلبية"، هذا القول المعقّد يعطينا لمحة أساسية على النمط الحقيقي لكتابته، ولنرجع إلى سؤال أحدهم له: "لماذا كتبت الكتاب هكذا؟" فأجابه جويس: "لكي أجعل النقاد مشغولين به لمدة ثلاثمائة عام"!
جويس شاعرًا
ليس سهلًا أن يكون الروائي في كينونته الخالصة شاعرًا، ثم ينقلب إلى أن يمارس الرواية بشكل حقيقي، ولا غرابة حين يُذكر أن جويس بدأ بكتابة الشعر ولم يكن سوى تلميذ! فيما بدا أن الكتابة الشعرية الحقيقية كانت في مجموعة "موسيقى الحجرة"، وقد اعتبر أن الشعر يجب أن يُصقل، فدرس صناعة الشعر على يد ويليام بتلر وبول فرلان وغيرهما، وعلى الرغم من محاولاته الحقيقية في الشعر آثر أن يتجه لكتابة الرواية والقصة.
لقد اقترب جويس من الواقعية الاجتماعية وخطّ لها أسلوبه الخاص، ما جعل مسمى "الزئبق" هو المسمى الذي يتعامل به مع القرّاء والنقّاد على حد سواء، فلا يمكن أن يُدرس ضمن منهج نقدي بعينه، وفي ذلك يُعتبر جيمس جويس الكاتب العميق الذي يبتكر من المتاهة فنًّا لدهاء التراكيب الحرة وحرية الحركة في إذكاء نصه بما يحلو له من الأفكار والأساليب والأحداث.
عندما نرجع إلى القيمة التي اكتسبها جويس في العالم، نعلم أننا أمام مجدّد حداثي صنع بحرفة عوالم من الرواية والقصة. وإذا كان هناك من لا يفهم إنتاجه من النقّاد أنفسهم ودارسي أدبه، فإن ذلك لا يؤثر في عضد الإبداعات التي أنتجها جويس؛ فمن لا يعترف بقوة أعماله "صورة الفنان في شبابه"، "عوليس"، و"يقظة فينيغان" وغيرها؟ لقد أراد جويس أن يرتفع بالذائقة الإنسانية في أدبه لا أن ينزل إلى مستويات متدنية أو عادية.
يقول الروائي الأميركي إرنست همنغواي، صاحب رواية "الشيخ والبحر" والحائز على جائزة نوبل عام 1954، عن جيمس جويس: "إنه أعظم كاتب في العالم". ومما يثير دهشة القارئ وصف الكاتب الشهير الأيرلندي وأحد أشهر أدباء المسرح صموئيل بيكيت والحائز على جائزة نوبل 1969 لكتابة جويس قائلًا: "كتابة جويس ليست عن شيء؛ إنها هي ذلك الشيء نفسه".
بقي أن نقول إن جويس عانى بصريًا مما جعله تحت الضغط الصحي، لكنه في الوقت نفسه استثمر مرضه في استكشاف الكثير من التداخلات النفسية والفسيولوجية التي يحتاجها الأديب في مشروعه الحقيقي.
إننا أمام أديب صنع الشيء، فصنع الشيء التاريخ.


تحميل المقال التالي...