}

خمس صور من ألبوم الممثّلات القارئات

منى ظاهر منى ظاهر 26 أغسطس 2026
استعادات خمس صور من ألبوم الممثّلات القارئات
عمل للفنان التشيكي فرانز دفوراك
ما المُضمَر في صور أشهر الممثلات وهن مستغرقات في القراءة؟ أيكون الكِتاب مجرّد أداة ثقافية للادّعاء، للاستعراض، وللتمويه، تحاول بعض الممثلات تكسير نمطية النظرة المستهلكة عنهن كنجمات سطحيات، صَنعتهنّ آلة هوليوود كسلعة جنسية، للإثارة والإغراء لا غير؟ أم يكون الكتاب فعلًا ضرورة وجودية وثقافية في حياة البعض منهن، خارج مطبخ هوليوود، لا غِنى عنه في نمط عيشهن، عملهن، أسفارهن، كما لا يمكن الرّقيّ الفني في تكوينهن الجمالي بدونه؟

عن القراءة عند هؤلاء، بالاستناد إلى صورهنّ الشهيرة، نتقصّى في هذه النماذج الخمسة علامات تتراوح بين ثقافة الاستعراض، الموضة، وبين طقوسية الكِتاب كفِعل وجودي وفنّي، لا بدّ منه للذوق كي يرتقي وللعمل السينمائي كي يتطور وللاختيارات الشخصية كي تتعمق وتصير أذكى.

خمسة نماذج على سبيل المثال لا الحصر، توجِز علاقة الممثلة النجمة بالكِتاب، كما تومئ به صورتها.

مارلين مونرو تقرأ رواية "يوليسيس"

لعلّ أشهر صورة أحدثت لغَطًا كبيرًا، لممثلة هوليوودية تقرأ كتابًا هي لنجمة الإغراء مارلين مونرو التي التقطتها الفوتوغرافية إيف أرنولد عام 1955، في حديقة بفضاء ملعب الأطفال، في لونغ آيْلاند بمدينة نيويورك، والمسألة التي ضاعفت من حدّة اللغط، ليست أنّ مارلين مونرو تكاد تكون دمية، في النظرة المستهلكة عنها، كنمط نسائي أريدَ له بحسب الصناعة الهوليوودية أن تكون الحسناء المغويّة التي يلهث وراءها ذكور العالم، وهي صناعة تجارية محْضة، تكرّس المرأة كسلعة جنسية، بل لأنّ ما تقرأه مونرو في صورتها ذائعة الصيت، هي رواية "يوليسيس" (عوليس) للكاتب الأيرلندي جيمس جويس، الرواية الأكثر تعقيدًا في تاريخ السرد العالمي. المفارقة إذًا، كيف لنجمة إغراء سطحية أن تتجرّأ على قراءة رواية عَدّها النقد من الأعمال السردية الأشدّ تركيبًا وغموضًا وصعوبة، ممتنعة على أهل الرّبْط والحلّ نقديًّا، فبالأحرى ممثلة استعراضية هي محض صناعة آلة تجارية وفولكلورية.

هل يتعلّق الأمر بصورة استعراضية، مُتكلّفة، مفضوحة الادّعاء، أم أنّ مارلين مونرو فعلًا، تُشهِر وجهًا آخر غير معروف، هو وجه القارئة الجادّة، ذات الاختيارات الذكية فيما يتعلق بالروائيين الأقرب إلى ذوقها الخاص؟

مارلين مونرو- لِيف أولْمان


في الوقت الذي تَهكَّم أغلب المتخصّصين بفن الفوتوغرافيا والنقد الثقافي من مونرو وصورتها المدّعية، في مفارقة ساخرة، لنموذج ممثلة سطحية مقابل نموذج رواية بالغة التعقيد، والعمق والصعوبة، سيتصدّى لهؤلاء بعض الأصوات النقدية المضادّة، ومنهم المؤرّخة الفنية، غريزلدا بولوك، التي نشرت عام 2016 دراسة مُطوَّلة حول الصورة، حاولت فيها أن تدافع عن فرضية العلاقة بين مارلين مونرو وشخصية "مُولي بْلوم" في رواية "يوليسيس"، في ضوء لعبة التمثيل والجندر، من جهة، وصناعة صورة المرأة الحديثة من جهة أخرى.

كل ما في الأمر بحسب غريزلدا أنّ مونرو تقرأ مولونوج "مُولي بْلوم" في الصفحات الأخيرة للرواية، و"مُولي بْلوم" في الرواية شخصية أنثوية، متوقّدة الرغبة، رشيقة الجسد، منتعشة الذاكرة، متحررة في أسلوب حياتها، وهذا تطابق فيما بينهما، بدون أن ننسى بأنّ مَن التقط الصورة أيضًا امرأة وهي إيف أرنولد، كتكسير لنمط التصوير الذكوري.

أودْري هيبورن تقرأ في غابة

بعدها بثلاث سنوات، عام 1958، سيلتقط المصوّر الفوتوغرافي ليو فوكس صورة للممثلة أودْري هيبورن، في الكونغو، وكانت لحظتها في رحلة لتصوير فيلم "قصّة راهبة" من إخراج فريد زينيمان، وتلوّح بزيّها المدني لا بزيّ الراهبة كما في الفيلم، بما معناه أنّ ما تقرأه ليس له علاقة بالفيلم، وإنّما من تلقاء رغبتها كهواية، وشغف شخصي، بعيدًا عن العمل كممثلة، وقريبًا من ذاتها كإنسانة، في لحظة عُزلة، لكن ما يثير الارتياب بأنها أيضًا صورة يشوبها الادّعاء، والاستعراضية، هو أنّ أودري هيبورن تظهر واقفة وسط الغابة وهي حاملة لمظلة، بينما لا تكشف هوية الكِتاب في يدها، إن كان رواية أم شعرًا أم ينضوي في جنس إبداعي آخَر، ومع ذلك، فأناقة الصورة تكشف تناغمًا في التماهي بين حركة الجسد، وشُعلة الذكاء التي تُصدرها الوقفة الرشيقة الشبيهة برقصة، ولا تخلو من رسائل للرغبة تتوارى خلف الرصانة، ومحصّلة العلامات أنّ ممثلة من طرازها لا يمكن الوقوف عند صورتها الجاهزة كسينمائية، بل هذه صورة أخرى لاهتماماتها الفنية، كقارئة نهمة، خاصّة في عزلتها داخل غابة.

وأمّا ما يُحسب للمصوّر فوكس، فأنه يُخرج هيبورن من الأستوديو إلى فضاء طبيعي مفتوح، وبدل أن تستحوذ الغابة كليًّا بانتباهها، ها هوذا كتاب يستأثر باهتمامها وهذا نادر جدًّا.

صوفيا لورين تقرأ قريبًا من المدفأة

في عام 1963، التقط المصوّر بييرلويجي براتورلون صورة للممثلة صوفيا لورين، في عطلتها بسويسرا، في إقامتها الخاصة وهي على كرسي، حافية، تدخّن سيجارة، بعيدًا عن الصور المستهلكة لها داخل الأستوديوهات، أو المُلتقطة لها على هامش التصوير السينمائي في أكثر من مكان، هي هنا في وضعية صوفيا الإنسانة، المنعزلة هي الأخرى في منزل، تمارس جزءًا من أسلوب حياتها غير المعروف، وهو فِعل القراءة، أمّا ما تقرأه فلا تكشفه، كل ما تُفصح عنه أنها مستغرقة في الكتاب، وهي تتدفّأ بنار حطب في الزاوية، وما بين المصوّر وصوفيا أباجورة بيضاء، بينما ترتدي هي الأسوَد والرمادي.

إنغريد برغمان - صوفيا لورين - أودْري هيبورن


قد تبدو هي الأخرى صورة استعراضية، ولكن بتخفّف من الادّعاء، لأن الكِتاب، في كل الأحوال هنا، يؤدّي وظيفة فنية تخرج بنمطية الممثلة من إطار نجوميتها الاستهلاكية، إلى جانب آخَر خفي، هو قيمة الكتب في حياتها اليومية؛ هل كانت قارئة فعلًا؟

هذا ما أعربت عنه في حوار عام 1970، أجراه معها الناقد السينمائي توني ماستروياني: "أقرأُ كثيرًا الآن، الروايات والمسرحيات، أحِبُّ تينيسي وليامز".

وبحسب سيرتها فمَن كان السبب في التأثير الثقافي هو كارلو بونتي الذي حفزها على القراءة وسِعة الاطلاع، ويدّعي بأنه صنع قارئة مِن لا شيء.

إنغريد برغمان تقرأ في غرفة الملابس

التقط المصوّر فيل بورشمان صورة لإنغريد برغمان في أستوديوهات rko، في غرفة ملابسها وهي تقرأ كتابًا، في أثناء فترة الاستراحة وهي مستغرقة في تصوير فيلم "سيء السمعة"، من إخراج ألفريد هتشكوك، وهذا نموذج للقراءة كمتعة وضرورة غير منفصلتين عن العمل، وفي هذا ما يقول بأنّ فِعل القراءة ليس محض استراحة من ثِقل العمل، بل تحفيز له، كطقس للتزوّد بطاقة تخييليّة تُضاعِف من ديناميّة التمثيل.

لِيف أولْمان والقراءة اليومية

وأمّا الاستثناء فتمثّله الممثلة النرويجية لِيف أولْمان، التي تَعتبر القراءة ضرورة في حياتها، إن لم تكن طقسًا يوميًّا، وليس مجرّد استعراض في الصور، أو محض ادّعاء، وهذا ما نلفي له أثرًا عمليًَّا في طريقة عيشها وتكوينها الثقافي، وأسفارها، كيف لا وهي أكثر من ذلك، خاضت عالم الكتابة أيضًا بإصدارها لكتابين، أحدهما سيرة والآخر مذكّرات: "أتغير" المنشور عام 1977 عن طفولتها ويفاعَتها وتكوينها المسرحي وأمومتها فيما بعد، وكذلك عن أسفارها. و"الاختيارات" المنشور عام 1984، عن اختياراتها الشخصية والفنية والمهنية مسرحًا وسينما، وعلاقتها بالمخرج إنغمار برغمان.

ومن الصور النادرة لها، صورة متداولة لها في منزلها الصيفي في النرويج، لكن لا نَعلم مَن المصوّر ومتى بالضبط، لكن ما يفصح أكثر عن شغفها بالقراءة كفِعل وجودي، هو ما أخبرنا به روجر إيبرت حين أجرى معها حوارًا في ستوكهولم، في أثناء تصويرها لأحد الأعمال السينمائية من إخراج إنغمار برغمان، ووصف غرفة ملابسها بأنها تشبه غرفة طالبة جامعية، والكثير من الروايات تضع بين صفحاتها علامات...

وأمّا في حوار آخَر عام 2012 في أثناء حديثها في فيلم وثائقي عن زوجها برغمان، قالت للصحافي بأنها لا تستطيع الانتظار لإكمال قراءة كتاب يستأثر بانتباهها، وعندما سألها عمّا يكونُه الكتاب، طلبت المساعدة بإحضاره، فكان محض رواية بعنوان "جمعية جيرنزي للأدب وفطيرة قشر البطاطس" لـماري آن شيفر وآني باروز.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.