الفطرة البشرية تُرسّخ فينا أنّ المرأة أجمل من الرجل. خلقتْها السماء بهذه الصورة الجذابة. وهذه حقيقة لا نتغافل عنها. حتى الإنسان القديم تحركه غريزة الجمال الفاتنة التي عليها المرأة آنذاك مهما كانت صورتها. مع أن الأبحاث الدارسة للشعوب للقديمة لم تستنج أية معايير محتملة لمعايرة الجمال من القبح في ذلك الوقت. غير أن النظافة تُعد سلوكًا فطريًا يشترك به الجنسان قطعًا.
ما بين القديم والأقدم والمعاصر والحديث، تغيرت ثقافة النظافة واكتسبت موضعًا آخر في أن يكون الجنس البشري على طقوس متعددة ومختلفة في مناخات تجميلية من عصر إلى عصر ومن جيل إلى آخر، فإن كانت المرأة قديمًا تستحم بالبخار في أكواخٍ مُعدّة لهذا الغرض، فإن الثقافة المعاصرة والحديثة في التجميل للجنسين أخذت أبعادًا أكثر من تسخين الحجارة الصلبة لتوليد البخار. وإذا كانت أسنان المرأة الأفريقية ناصعة البياض بسبب العناية بها، كونها "واجهة" الجسد بلون مغاير له، فإن تكنولوجيا الطب الحديث أوجدت ابتسامة هوليوود. لنلاحظ أن موضوعة التجميل الذكري والأنثوي لا تقف عند حد معين، فالمؤثرات اليومية الاجتماعية لها دور في تطوير نظافة الجسد الكلي والعناية به، من الصغير فيه إلى الكبير. وهذا تم على مراحل تطورية جيلية تبعًا لثقافات الشعوب في ما تراه مناسبًا في وجودها اليومي، سواء أكانت في غاباتٍ أم على حافاتِ بحار وأنهار أم في صحارى.
(1)
من أمثلة كثيرة يذكر يوليوس ليبس صاحب كتاب "أصل الأشياء: بدايات الثقافة الإنسانية"[1] - وهو كتاب مصدري ضخم عن نشأة الوعي الإنساني وبدايات تشكّل الثقافة المجتمعية بشكلها المبسط- أن أفراد إحدى قبائل الهنود الحمر يغتسلون مرة في اليوم في الأقل. والمتمرد على هذا العرف تكون عقوبته تمزيق ذراعيه وساقيه بأنياب أفاع. ولا تبدو هذه العقوبة شكلية كمظهر من مظاهر القانون أو العُرف الاجتماعي، إنما باعتقادنا هي محاولة للقضاء على الرائحة الجسدية غير المستحبة التي يتسبب بها الجسد عندما يُهمَل ويكون عرضة للأوساخ. هذه إشارة من تلك الأقوام الخارجة من التاريخ القديم التي توطّن ثقافة النظافة كبنية اجتماعية لا بد منها. حتى في الأقوام والمجتمعات الأقدم بدت المعالجات الصحية والطبية كتحفيز على النظافة الجسدية، لكنها بشكل ما كانت محفزات للتجميل على وجهٍ أدق.
أوروبا الباردة تنتج المسك البارد. وأنثى الغزال البري تنتج من سرتها المسك الأسود. والحوت الأزرق يقذف من جوفه عطر العنبر. وقط الزباد يفرز الزباد الفواح. والقندس الكندي يفرز عطرًا شرقيًا، ولكن تبقى النحلة الشمّامة الماهرة في حفلة العطور التي لا تنتهي. كل هذه اكتشافات واستخراجات من الحيوانات، يُعطّر الجسد بها بوصفه حاملًا لا محمولًا في سبيل تنقيته من الشوائب المحتملة.
بقي الإنسان يبحث عن نطفة الجمال في مكونات الطبيعة من حوله، وقد يقودنا البحث إلى خمسة آلاف سنة حيث ترافق استعمال العطر مع نشوء المعابد وتعدّد الآلهة بالمعتقدات القديمة. الفراعنة المصريون كانوا يحرقون صمغ الراتينج كقرابين للإله (رع) كما استخدموا الياسمين واللوتس والّلبان والزعتر كمراهم ودهون، وطحنوا نوى التمر بعد تيبيسه وتحميصه لأجل توسيع عين المرأة والرجل.
| |
| يذكر يوليوس ليبس في كتابه أن أفراد إحدى قبائل الهنود الحمر يغتسلون مرة في اليوم في الأقل. والمتمرد على هذا العرف تكون عقوبته تمزيق ذراعيه وساقيه بأنياب أفاع |
بمسافة زمنية أبعد من الهنود الحمر نجد الشعوب المصرية القديمة قد استخدمت الكحل كوسيلة تجميلية جاذبة، وقيل بأنها لطرد الشرور والحسد. وكان هذا معروفًا في تلك الحقب الفرعونية؛ في ما كان أفراد الألعاب الأولمبية عند الشعب الإغريقي يستخدمون مستحضرات معينة لتفتيح البشرة كجزء من طقوس الرقص اليومية. ومثل هذه الأمثلة وغيرها تضعنا في مواجهة الجسد البشري عندما يتحوّل إلى مشروع طقسي ديني طوطمي للقبائل البدائية التي تجاهر بإشهار هويتها الشخصية والدينية والاجتماعية والاعتبارية الفطرية أيضًا لكن عبر عناصر الجسد، وهذا باب تجميلي في معانيه السافرة. لذلك فإن بعض أفراد الشعوب القديمة يغتسل أفرادها مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثًا. بينما ثمة أفراد في شعوب أخرى لا يغتسلون ولا يقربون الماء ولا يعرفون معنى أن يكون الإنسان نظيفًا.
هذا يحيلنا إلى الشعوب الأحدث منها، كما في القرن السابع عشر الفرنسي على وجه المثال، عندما لخّص باتريك زوسكيند في روايته "العطر" الحالة الاجتماعية الفرنسية- آنذاك- التي كانت عبارة عن " زُفرة سمك" ومزابل ونفايات وقمامة وأوساخ. لتبدو الرائحة بأنها كانت تكشف النوع الاجتماعي للجسد في المجتمعات، لتحدد مدى أن يكون الإنسان نظيفًا أم لا. فالرائحة انعكاس للفضاء الاجتماعي قبل أن تنعكس على الجسد في ما يحمله من مخلفات ونفايات مجهرية وما تختزنه مساماته من بقايا خاثرة ومخمّرة كثيرة. شخصية غرينوي في "العطر" انقذفت من عصر نتن ومن مجتمع يضج بالروائح الكريهة في كل مكوناته، وتحولت إلى (أنف) شمّام، وهو في يفاعته ليستخلص الروائح في ذاكرته ويستحضرها في قتل الصبايا الصغيرات الجميلات.
القرن السابع عشر الأوروبي عمومًا وما قبله ربما كان عديم النظافة. وهذا ما يتوجب أن نستحضر شواهد اسمية عليه. فمثلًا كان نابليون يستهلك نصف غالون من العطور يوميًا... لماذا؟ ومدام بونبادور الفرنسية تصرف أموالًا طائلة بشراء العطور وإغراء الملك لويس الخامس عشر... لماذا؟ ولم تقتصر نساء الإمبراطورية الرومانية على تعطير أنفسهنّ، بل كنّ يعطرنَ كلابهنّ وقرودهنّ... لماذا؟[2] في ما كان عطر المرأة الأرستقراطية آنذاك كمذبحة أزهار، من أجل إكساب الجسد عافية عطرية بدلًا من رائحة البيض الفاسد الذي كانت عليه الشعوب يومذاك. وكان بلاط الملك لويس الرابع عشر يسمى "البلاط المعطر" لكثرة العطور المرشوشة في زواياه ومنعطفاته حتى أن رجال البلاط كانوا يغتسلون بالعطر بدل الماء...!!
الإشارات هذه كانت دالّة على أن البلاطات الحاكمية تفتقد إلى النظافة، ويفتقد أشخاصها إليها أيضًا. ويبدو جليًا بأن الجو الاجتماعي عامة هو مناخ غير صحي. فإذا كان التاريخ القديم لا يحدد زمنًا لفكرة إنشاء صالونات تجميلية، بوصفها طقوسًا دينية أو صحية في الأغلب الأعم. وهي عبارة عن تأويلات بحثية توصف بأنها أشبه بالصالونات التجميلية. فهذا سابق على تلك العصور التي كانت النظافة فيها غريزية وفطرية. لكونها تفتقد إلى مستحضرات التجميل وموادها الأساسية للعناية بالبشرة والشعر والوجه؛ قبل أن تفعل ذلك مارثا ماتيلدا[3] عام 1888 في افتتاح صالونها التزييني - التجميلي، ومن ثم بعد الحرب العالمية الأولى باختراع الآلات المناسبة لتصفيف الشعر وتنظيم المستحضرات المعنية بتجميل المرأة من مساحيق زهرية وحيوانية، حتى أواخر القرن التاسع عشر عندما بدأ انتشار ثقافة النظافة في الصالونات النسائية التي طورت الفكرة من الصالونات الفرنسية.
(2)
في الفعاليات الطقسية المتصلة ببعضها زمنيًا (لاحظنا بأنها لا تتطور كثيرًا في تلك الحقب الزمنية) يبرز الجسد كلوحة تعبيرية عن ثقافات الشعوب القديمة والحديثة، ولا شك بأنها ترتبط بالدين والسحر على وجه الخصوص، ومن ثم التجميل في العصر الحديث ومنها الظاهرة الوشمية التي يمارسها الرجال والنساء. فتتحول ثقافة الجسد من استجابة غريزية إلى نقطة مركزية في إبراز الهوية الجماعية على الأغلب، وبالتالي يمكن أن نجد أن ثمة نسيجًا مشتركًا زمكانيًا بين الشعوب القديمة بما يشير إلى أن أسسًا مبدئية انتظمت في البنى اليومية في اجتماعياتها المتواصلة. لتُظهر مظهرًا أوليًا من البنى الثقافية الواصلة بين الأفراد والجماعات. وحتى اليوم نجد في القرى الأفريقية وجماعاتها القبلية زينة جسدية لدى النساء من أصداف ومحارات وقلائد متشكلة على الأعناق، توحي بالجمال والنظافة والهيمنة الجمالية في الاعتقاد المبسّط لرجال باحثين عن نساء الجمال في فرادتهنّ الطبيعية.
هذا أمر لافت في تلك القرى المعزولة عن عالم التحضر والإلكترونيات وثورة التكنولوجيا الكبيرة. أن ترى مثل تلك الممارسات المتصلة زمنيًا في الأقل كجينات موروثة للمرأة؛ وحتى الرجل؛ في أن يُخضَع الجسد إلى ممارسات طقسية متواصلة لتقديم الصورة التجميلية الجسدية التي عليها شعوب أفريقيا النائية في الغابات والأنهار. تلك الصورة بمجملها والممارسات المستمرة لها تجعل من المهيمنة الاجتماعية التقليدية ثقافة أولية للتشكيل الهوياتي الجماعي في مكان فرضت العزلة عليه تقاليد لم تنقطع بين الأجيال في إثبات هويتها الجماعية من خلال صورة الفرد، ومن خلال التشكيل الفني للأوشام والحفر على اللحم وإقامة الشروخ على الوجه والذراعين بشكل خاص. فهذه الأمكنة الجسدية هي التي تظهر من الجسد كأيقونات ليراها الآخر في القبيلة ذاتها والقبائل الأخرى التي تمارس التقليد الهوياتي في ثقافتها الشخصية.
(3)
الجسد هو المحور قديمًا وحديثًا في التجميل البشري، كشاشة عرض ثقافية هوياتية تربط الماضي البدائي بالحاضر وحتى إلى المستقبل، ويمكن ملاحظة ملامحها في الطبعات الجسدية الآن من كتابات ورسوم وخرائط وتنبيهات وحِكم وإشارات أيقونية وطبعات شخصية عشوائية في معظم الأحيان. هذا قبل أن تكون هناك صالونات تجميل ومواد كيميائية ساندة وتجمعات معنية بالجمال والتجميل؛ وذلك لاستمرار غريزة الحياة الطبيعية بأن يعتني الإنسان بمظهره الشخصي، ليعبّر من خلاله عن هوية جمالية للمجموع العام.
(4)
أنتقل إلى الزمن الذي يشابه حركية الماضي؛ بطريقة تشبيهية؛ وذلك بالإحالة إلى الرسوم الحائطية التي انتشرت في أوقات ماضية مع الثورات والانقلابات والتمرد الاجتماعي في أنحاء كثيرة من العالم، في الكتابات على جدران المراحيض والحمّامات الصحية العامة، وحيطان وواجهات المحال والدوائر الرسمية، وكل مظهر عشوائي أو مقنّن أو بصمة خطيّة متمردة تحيل إلى أن تلك الرسوم انتقلت إلى الجسد البشري؛ أي أن الحائط أصبح جسدًا. الحائط الإسمنتي بات حائطًا من لحم أنثوي/ رجالي/ وضعوا له روحًا. هذا الانتقال في التوشيم؛ لأقل الزينة المشهدية؛ من الحائط إلى الجسد، أصبح فيه الأخير ميزانًا للجمال.
| |
| حتى اليوم نجد في القرى الأفريقية وجماعاتها القبلية زينة جسدية لدى النساء من أصداف ومحارات وقلائد متشكلة على الأعناق، توحي بالجمال والنظافة والهيمنة الجمالية |
برأيي أن الانتقال التدريجي في العصر الحديث تطلّب حركة حثيثة ومستمرة لإبراز نظافة الجسد، وفكرة الجسد المشهدي عبر أسباب ومبررات نراها- وهذا استنتاج شخصي- في أن الحائط ثابت لا يتحرك. تُكتب عليه الشعارات والتوجيهات ولا يعترض، بينما الجسد يتحرك في كل مكان. يستطيع الاعتراض والتحكم بالإملاءات الخارجية. إنه أفضل إشهار للتجميل والنظافة. يحدث هذا في المسابح المغلقة والمفتوحة والمختلطة/ في البحر وشواطئه/ عاريات إيطاليا يقدمن صورة واضحة على هذا التشكيل المتمرد مع بقاء الحيطان في أمكنتها المنزوية أو على الطرق العامة تحت تعرية في الشمس والمطر.
إشهارات الجسد تضمن واقعتين:
الأولى: التجميل بوصفه وشمًا أو رسومًا أو خرائط.
الثانية: الجسد أكثر إلفاتًا للأنظار من الجدران الثابتة، لا سيما جسد المرأة.
تلك الإشهارات خرجت إلى حد كبير من جمالياتها المفترضة إلى أبعاد سياسية ودينية في التمرد والاحتجاجات، كونها متحركة بين الأمكنة المتعددة: الشواطئ/ الأسواق/ المحال/ التجمعات السكنية/ الدوائر الحكومية الرسمية وشبه الرسمية/ النوادي الرياضية/ الجمهور الرياضي/ حتى أن بعض لاعبي كرة قدم وضعوا علامات على أجسادهم (ميسي- ديفيد بيكهام- إبراهيموفيتش- نيمار- راموس...) ومثلهم بعض عارضات الأزياء، والراقصات، والمغنيات. في فذلكة شكلية لإشهار ثقافة جسدية مرئية ومتحركة، فذهبت الفكرة من الجمال والتجميل إلى الإعلانات المجانية بدعوى التجميل في غريزة الاكتساب الزمني.
(5)
الصالونات النسائية الحديثة مغلقة على نسائها؛ ويبدو بأن القديمة منها كانت مغلقة أيضًا، فيما الصالونات الرجالية مفتوحة إلى حد كبير. ويُسمح للمرأة الدخول اليها، بينما لا يُسمح بدخول الرجال إلى صالونات المرأة. ويبدو بأن ثنائية المرأة/الرجل تتحكم فيها بنىً أخلاقية اجتماعية، وينسحب ذلك على المكان، فما دامت فيه نساء يعني تكون فيه سرية، وتلك السرية فيها أبعاد يمكن تخيلها من دون عناء:
1 - التجميل. مزاج السيدات والآنسات يمنع التطفل الرجالي على كشف أسرارهن، وهي أسرار يمكن أيضًا تخيلها بلا عناء:
أ- المرأة لا تثق كثيرًا بشكلها أو جمالها الظاهر. جسدها محاصَر بالكثير من الأسرار. إطلالتها قبل الدخول إلى الصالونات هي غيرها بعد الخروج منها. لا سيما الوجه بوصفه مدخلًا إلى الجسد.
ب- الآنسات أقل كلفة من السيدات. الفرق بينهما حساس. فالنمط الأول من النساء ليس عابرًا على أمكنة التجميل، بل هو أشبه بالمعاينة الصورية للنمط الآخر من النساء. وقد لا تكون الاحتياجات كبيرة، ربما التسريحات في الشعر الطويل هي اللازمة التي تتكرر على الصالونات. لكن النمط الثاني هو الأكثر تعقيدًا؛ الأقل ثقة في منظومة الجسد الكلي. فلا توجد سيدة تقتنع بما يُجرى عليها من (تعديلات) شكلية، لأنه لا يمكن قتل الزمن في التجاعيد والأورام والحُبيبات واللطخات السمراء، لذلك يكون التجميل كعلاج وليس تزيينًا.
ج- للعرائس وضع شخصي في مثل هذه الأمكنة التجميلية. وعادة ما تكون الزبونات من الشابات المقبلات على الزواج، ولهذا يكون الاستعداد لليلة العرس استثنائيًا جدًا، في ساعات غير قليلة من الانتظار و"التسويات" الشكلية التي تزيد من نضارة العروس الصغيرة والشابة. وهذه ثقافة شعبية شائعة للتجميل معروفة في الشعوب.
إحالات:
[1]- أصل الأشياء: بدايات الثقافة الإنسانية - يوليوس ليبس- ترجمة: كامل إسماعيل- الناشر: دار المدى للثقافة والنشر- 2006 - دمشق، بيروت، بغداد (طُبع الكتاب خمس طبعات)
[2]- أصابع السرد ( جماليات المهمل في الحياة): وارد بدر السالم- دار ومكتبة عدنان/ دار ميزوبوتاميا / بغداد- 2013
[3]- مارثا ماتيلدا (1858- 1950): ابتكرت نظام الامتياز التجاري في قطاع صالونات التجميل والعناية بالشعر.


تحميل المقال التالي...