}

"مشاهد من الاحتلال في غزة": جماليات الصورة المقاومة

يوسف الشايب 30 أغسطس 2026
استعادات "مشاهد من الاحتلال في غزة": جماليات الصورة المقاومة
لقطة من فيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة"

 

يقف فيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة" (1973) للمخرج الراحل مصطفى أبو علي كعلامة فارقة، ووثيقة بصرية بالغة التعقيد والجرأة، في تاريخ سينما الثورة الفلسطينية؛ إذ لا يقدم مجرد توثيق تقليدي لواقع قطاع غزة الرازح تحت نير الاحتلال العسكري عقب هزيمة عام 1967، بل يتجاوز التقرير الإخباري ليؤسس لسينما نضالية ذات نزعة طليعية وتجريبية فريدة.
إن الفيلم الذي أنتجته "جماعة السينما الفلسطينية" في بيروت، استطاع أن يحوّل لقطاتٍ خامًا التقطتها بعثة تلفزيونية فرنسية إلى عمل سينمائي مقاوم، بحيث يُخضع المادة المصورة إلى عملية هدم وإعادة بناء أيديولوجية وجمالية تسحب الصورة من سياقها الاستشراقي، أو التقريري المحايد، لتزرعها في قلب الاشتباك الثوري مع الاستعمار الاستيطاني.
على صعيد المضامين والخطاب الكامن وراء النص، لا يتعامل الفيلم مع قطاع غزة بوصفه حيزًا جغرافيًا معزولًا، أو فضاءً لانكسار الهزيمة، بل يعيد ترسيمه كبؤرة ثورية وصداع مزمن في رأس المنظومة الاحتلالية، إذ يتكئ الخطاب على سردية تراكمية للمقاومة؛ فمن إسقاط مؤامرة تدويل القطاع إبان العدوان الثلاثي عام 1956 إلى التصدي لمحاولات شق شوارع بعرض ثمانين مترًا لتفتيت المخيمات وتسهيل حركة المدرعات، يُبرز الفيلم إرادة الصمود الجماهيري كفعل عضوي متجذر، كما يكشف العمل، عبر توثيق العمليات الفدائية وأحكام السجن الجائرة (من بينها الحكم بالسجن لمئات السنين على الفدائيين)، عن فلسفة المحو المكاني والتهجير القسري إلى سيناء والضفة الغربية، ويجعل من شهادات الناس العاديين (لا سيما صرخة المرأة الفلسطينية التي هُدم بيتها، وشهادة الشاب ذي العشرين عامًا)، بيانًا وجوديًا قاطعًا على التشبث بالأرض، ورفض الترحيل.
تتجلى عبقرية الفيلم الفنية والتقنية في مقاربته المونتاجية؛ حيث اشتغل مصطفى أبو علي، والمونتير إيميل بحري، بتقنيات المونتاج الجدلي والتصادمي، إلى جانب تبني استراتيجيات التغريب والتفكيك التي تتقاطع مع مفاهيم المسرح الملحمي، والسينما المضادة، بحيث لم يكن المخرج يملك ترف السيطرة على حركة الكاميرا الأصلية، فاستعاض عن ذلك بما يمكن تسميته "الإخراج الموازي"، أو "إعادة الإخراج بالمونتاج"؛ حيث عولجت المشاهد بتقطيع إيقاعي حاد، وتناوب ذكي بين بطء الحركة والجمود، وتكرار اللقطات والمشاهد بصورة قصدية، كما في تكرار شهادة المرأة المنكوبة بيافطة صريحة كُتب عليها "إعادة"، لنزع صفة الاستهلاك العابر عن المأساة، وإجبار المتلقي على التأمل الفكري والتحريضي بدلًا من الانجراف العاطفي اللحظي.
وتكتسب تقنية "الإعادة" في هذا الفيلم بعدًا معرفيًا وجماليًا بالغ الخصوصية، يتجاوز وظيفة التأكيد البصري النمطي إلى ممارسة فعل المقاومة بالصورة ضد التلاشي والاعتياد؛ فالإعلان الصريح عن الإعادة عبر لوحة نصية مباشرة تحمل كلمة (إعادة)، يكسر الإيهام السينمائي، ويوجه صدمة واعية إلى عين المشاهد، مانعًا تحويل الألم الفلسطيني إلى مجرد مادة استهلاكية عابرة في نشرات الأخبار اليومية، فإعادة بث صرخة المرأة، ووجوه الأطفال، والركام، للمرة الثانية، لا تأتي بهدف استدرار الشفقة، بل لإعادة فحص المشهد وتثبيته كوثيقة إدانة تاريخية غير قابلة للطمس؛ حيث يُجبر المتلقي في التكرار على تفكيك بنية القهر المادي، والانتقال من تلقي الصدمة الانفعالية الأولى إلى استيعاب الحقيقة السياسية الكامنة وراءها. وبذلك، تتحول هذه التقنية المونتاجية إلى أداة لمساءلة الذاكرة، ومانيفستو بصري يعلن أن الجريمة المستمرة لا يمكن تجاوزها بمجرد مرور شريط الفيلم، بل يجب إعادة تفكيكها وإدراكها حتى يكتمل الوعي بالفعل الثوري المضاد.
أما سينوغرافيا الفيلم فهي نابعة من خشونة الواقع المادي وشروخه؛ إذ تشكل الأزقة الضيقة، والجدران المتداعية، والأسلاك الشائكة، واللافتات العبرية المشؤومة، والبيوت المهدمة بالبلدوزرات، فضاءً دراميًا مغلقًا ومحاصرًا ينضح بالتوتر الدائم. هذا الفضاء المكاني الذي فرضه الاحتلال يتحوّل في عين الكاميرا إلى فخ مفتوح للغزاة، وموئل للتربص والمباغتة؛ فالنوافذ المغلقة، وزوايا الشوارع الهادئة، تصبح امتدادًا لسيكولوجيا الترقب والمقاومة.
يتكامل هذا التكوين البصري مع شريط صوتي بالغ الدقة والتأثير؛ حيث يتداخل الصوت الرصين والعميق للتعليق (عصام سخنيني، ورسمي أبو علي) مع تقاسيم القانون ذات الشجن المقاوم (جورج أبيض)، ممتزجةً مع النشيد الحماسي "زاحفين فوق كل شبر من أرضنا"، وأصوات الانفجارات والصفارات وحوارات الجنود الميدانية، ما خلق نسيجًا صوتيًا حركيًا يضاعف من شحنة التوتر والرفض.

لقطة من "مشاهد من الاحتلال في غزة"


وينبثق تميّز الفيلم من قدرته الفائقة على تحويل اللغة الإحصائية والتوثيق الميداني الجاف إلى خطاب بصري درامي مشحون؛ فالأرقام والتواريخ المتعلقة بعمليات المقاومة وتفجير خطوط السكك وأنابيب الري في المستوطنات لم تُطرح كبيانات مجردة، بل رُكبت مونتاجيًا لتشكل متوالية زمنية متصاعدة تعكس وتيرة الاشتباك اليومي وتكسر أسطورة الهدوء والاستقرار التي حاول الاحتلال ترويجها عن القطاع. هذا التضفير بين المعلومة الإخبارية الدقيقة والحركة الميدانية المتوترة منح العمل مصداقية تسجيلية جعلت من كل رقم عنوانًا لحالة نضالية حية.
يتجلى التفرد الفني أيضًا في الاستخدام الرمزي المكثف للأشياء والمفردات المادية داخل الكادر السينمائي؛ إذ تتحوّل القنبلة اليدوية المستقرة في كادر ساكن منعزل، أو السلاح الخفيف، إلى أيقونات بصرية توازي في حضورها شهادات الضحايا وصور الركام.
وهذا التناقض البصري المتعمد بين سكون الآلة الحربية وعنفوان دلالتها، مع تقطيع المشاهد المباغت بين سكون الشوارع ودوي الانفجارات وصفارات الإنذار، يخلق حالة من الترقب المشدود لدى المتلقي، ويجعل من كل تفصيل مكاني أو أداة رمزية مدخلًا لفهم طبيعة الصراع وضرورات المواجهة.




وتقتضي القراءة النقدية الموضوعية لفيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة" تفكيك بنيته الفنية والخطابية في ضوء شروط إنتاجه التاريخية، وسياقه كأحد أبرز نتاجات سينما الثورة الفلسطينية التي قامت في الأساس على وظيفة تحريضية وتعبوية مباشرة.
وفي هذا الإطار، يبرز التعليق الصوتي كأحد المفاصل الجدلية في العمل؛ إذ يطغى الصوت الجهوري الحاد والمشحون بالنبرة التقريرية والتعبوية على مساحات واسعة من الشريط، ما يوجه وعي المتلقي وانفعاله بصورة قطعية ومسبقة الصنع، ويقلل أحيانًا من فاعلية الصمت التأملي، أو التأويل البصري الحر الذي كانت لغة الصورة في حد ذاتها قادرة على تفجيره لدى المشاهد.
يرتبط بهذا المسار أيضًا التحدي المتمثل في ارتهان الفيلم الكامل لمادة أرشيفية خام صوّرها فريق إخباري فرنسي من دون قدرة صناع العمل على الوجود الميداني في غزة بكاميراتهم الخاصة؛ وقد فرض هذا القيد التقني واللوجستي حدودًا واضحة على زوايا التصوير وتنوع الكوادر ومستويات الحركة، ما جعل الحل الإخراجي محكومًا ومقيدًا بما التقطته عين الكاميرا الخارجية، ودفع بالمونتير والمخرج إلى الاعتماد المكثف على حلول تعويضية، كالتجميد، والتكرار، والتقطيع الإيقاعي الحاد، لسد فجوات السرد البصري المفروضة بحكم المنع والحصار.
كما ينعكس التوتر الميداني والتعبوي على البنية الصوتية للعمل؛ حيث تشهد بعض المقاطع تداخلًا حادًا وكثيفًا بين الموسيقى التصويرية، والإنشاد الثوري، وهدير الشارع، والتعليق الصوتي، والضجيج العسكري، ما أثر في بعض اللحظات على نقاء ووضوح الشهادات الحية للمواطنين وحواراتهم العفوية، وغلب الطابع الصدامي الصاخب على مساحات كان يمكن للصوت الواقعي المباشر فيها أن يحمل وزنًا دراميًا وتوثيقيًا أكثر عمقًا.
ويفرض زمن العرض القصير، الممتد لنحو ثلاث عشرة دقيقة فقط، تكثيفًا فائقًا ومزدحمًا بالقضايا والمحاور؛ إذ سعى الفيلم إلى استيعاب الامتداد التاريخي منذ عام 1956، ورصد العمليات الفدائية وإحصاءاتها، وتوثيق الأحكام العسكرية الجائرة، وكشف مخططات التهجير ونسف المنازل وتغيير معالم المخيمات جغرافيًا. وهذا التدفق السريع في زمن محدود، ورغم انسجامه مع طبيعة الفيلم التحريضي السريع، جعل التنقل بين الوقائع شديد الخطف، وحرم بعض المحاور الإنسانية والتحولات العمرانية الشاهدة على الجريمة من معالجة سينمائية أكثر تأنيًا واتساعًا.

من فيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة"


إن ما يجعل "مشاهد من الاحتلال في غزة" عملًا نقديًا غير مسبوق في مسار السينما النضالية هو تخليه الواعي عن النمذجة الدعائية السطحية لصالح حداثة بصرية واعية بذاتها، فقد حوّل مصطفى أبو علي الأرشيف المعادي، أو المحايد، إلى سلاح مضاد، واضعًا الصورة المتحركة في موقع التحريض والتأريخ المضاد للرواية الاستعمارية؛ فغدت الدقائق الثلاث عشرة ليست مجرد سجل لحدث تاريخي عابر، بل مانيفستو بصريًا يختزل جدلية الحصار والتمرد، ويوثق كيف استطاعت سينما الثورة الفلسطينية أن تبتكر لغتها الجمالية الخاصة من داخل الركام، لتظل شاهدًا حيًا على أن الصورة المقاومة قادرة دومًا على تفكيك بنية القهر، وإعادة إنتاج الأمل واليقين بالحرية.





كما يكرس الفيلم بعدًا تضامنيًا عابرًا للحدود في مسار حفظ الذاكرة السينمائية؛ فوجود هذه النسخة النادرة ضمن بكرات مقاس 16 ملم تم الحفاظ عليها وصونها لعقود على يد حركات التضامن اليابانية في طوكيو، ثم رقمنتها وترميمها لاحقًا، يبرهن على البعد الأممي الذي رافق سينما الثورة الفلسطينية منذ نشأتها. إن نجاة هذا الشريط من محاولات الطمس والضياع، وتحوله إلى وثيقة معروضة في المحافل الفنية الدولية المعاصرة، يثبت أن قوة الفيلم لا تكمن فقط في تقنياته ومضامينه الثورية ساعة إنتاجه، بل في قدرة هذه المادة البصرية على عبور الجغرافيا والزمن لتظل أداة حية لتفكيك الخطاب الاستعماري، واستنهاض الوعي الجمعي.
تتوج رحلة هذا العمل الاستثنائي باستعادته ضمن مشروع بحثي وأرشيفي طليعي، إذ يُعد "مشاهد من الاحتلال في غزة" واحدًا من بين عشرين فيلمًا نادرًا يضمها مشروع "شرائط طوكيو" (Tokyo Reels)، إذ يعود الفضل في بقاء هذه المجموعة إلى مبادرات التضامن الأممي العابرة للحدود؛ حيث حُفظت بكرات الأفلام (قياس 16 ملم) وتمت صيانتها لعقود طويلة في العاصمة اليابانية على أيدي ناشطين متضامنين مع القضية الفلسطينية، من بينهم آوي تانامي، ومينيو ميتسوي، وبمشاركة المخرج والناشط ماساو أداتشي.
وقامت مجموعة "تحريض للأفلام"، وهي مبادرة بحثية وإنتاجية سينمائية تأسست عام 2011، وتتخذ من رام الله منطلقًا رئيسيًا لها، بالتعاون مع مركز أبحاث ممارسات الذاكرة السمعية البصرية (CRAMP) في بلجيكا، بتوثيق هذه البكرات ورقمنتها وترميمها لإعادة تداولها وإطلاقها للنقاش المعاصر.
إن استعادة هذا الفيلم ضمن "شرائط طوكيو" لا تقتصر على مجرد الحفظ الفيزيائي، أو الرقمنة التقنية لشريط سينمائي قديم، بل تمثل استردادًا حيويًا للذاكرة البصرية لسينما الثورة الفلسطينية وتاريخها النضالي وشبكات تضامنها العالمية، وبذلك، يتحول فيلم مصطفى أبو علي من وثيقة أرشيفية كادت أن تندثر إلى منصة معاصرة لمساءلة أساليب التوثيق والمقاومة بالصورة، مجسدًا قدرة الأرشيف الحي على كسر قيود النسيان ومواصلة الاشتباك الفكري والجمالي عبر الأجيال والقارات.
ولا بد من التشديد على أن الراهنية الوجودية لفيلم "مشاهد من الاحتلال في غزة" تتضاعف عند استعادته اليوم، بعد ثلاثة أعوام على حرب الإبادة والتدمير الشامل التي استهدفت قطاع غزة؛ إذ لا يعود الشريط مجرد استرجاع نوستالجي للماضي، بل يتحول إلى وثيقة إدانة استشرافية تكشف الجذور البنيوية والسياسات الممنهجة للمنظومة الاستعمارية عبر العقود، فما وثقه مصطفى أبو علي مبكرًا في مطلع سبعينيات القرن الماضي (من هدم البيوت بالجرافات، ومحاولات شق المحاور والشوارع العريضة لتمزيق المخيمات وتفتيت وحدتها العمرانية لتسهيل حركة الآليات العسكرية، وتهجير السكان قسرًا نحو سيناء والضفة)، يمثل التأسيس الأولي للمخطط الإحلالي الذي تجلى في أقصى درجات توحشه ودمويته الراهنة، إذ تكتسب صرخة المرأة الفلسطينية فوق أنقاض بيتها، وشهادات الصمود في الفيلم، طاقة تراجيدية متجددة؛ فهي تفضح استمرار أدوات الإبادة والمحو المكاني من جهة، وتؤكد من جهة أخرى على حتمية الانغراس في الأرض واستحالة كسر الإرادة الجمعية، ليغدو الفيلم مرآة تاريخية تثبت أن كل ركام معاصر هو امتداد لمسار طويل من التطهير العرقي الذي واجهه القطاع بالاشتباك والرفض المستمر.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.