}

أحياء دمشق التاريخية: بين حماية التراث والاستثمار

سمر شمة 31 أغسطس 2026
استعادات أحياء دمشق التاريخية: بين حماية التراث والاستثمار
باب توما في دمشق

تُعدُّ أحياء مدينة دمشق القديمة التاريخية شاهدًا حيًّا على إحدى أقدم العواصم المأهولة في التاريخ، ومركزًا للحضارات والثقافات المتعاقبة، تضم آثارًا وحقبًا زمنية مختلفة تعود للفترات: الآرامية، واليونانية، والرومانية، والبيزنطية، والإسلامية، وتحتضن معالم دينية وعمرانية فريدة من نوعها، وأزقة مرصوفة بالحجارة متعرجة وضيقة، وبيوتًا عريقة تفوح منها رائحة الليمون والنارنج والياسمين، تتوسطها نوافير المياه والبحرات، وتُغطي أسقفها وجدرانها نقوش نباتية وهندسية بارزة مطعمة بورق الذهب والفضة.
تُقسم هذه الأحياء إلى قسمين. قسم داخل السور التاريخي يضم:
ــ حي العمارة: الذي يقع على بعد أمتار من المسجد الأموي الكبير، ويختصر تاريخ دمشق بطريقة بنائه والمعالم الموجودة فيه، كباب الفراديس، ومقام حفيدة الرسول (ص) الست رقيّة، والمكتبتين الظاهرية والعادلية، والمنازل العريقة ذات الطابع الشرقي.
ــ حي القيمرية: أهم الوجهات السياحية، لحفاظه على روحه التراثية القديمة، وبيوته المبنية على الطراز المعماري القديم، ولوجود معالم تاريخية هامة فيه، مثل: باب جيرون، والكنيسة المريمية، أقدم كنائس الروم الأرثوذكس في العالم.
ــ البزورية: يتميز هذا الحي بسوقه الشهيرة، ويقع جنوب الجامع الأموي. تفوح منه دائمًا روائح التوابل والبهارات والزهورات والصابون والعطارة، ويضم خانات تاريخية، كخان أسعد باشا، أكبر خانات المدينة القديمة، وقصر العظم، التحفة المعمارية التي تختزل ثلاثة قرون من التاريخ، وسوق مدحت باشا، أقدم وأعرق الأسواق في العالم.
وهنالك أيضًا حي باب شرقي: أقدم أحياء المدينة القديمة وأكثرها تعبيرًا عن الروح التاريخية والعمرانية التي امتزجت فيها الحضارات. وباب توما: أحد أعرق وأشهر الأحياء في تلك المنطقة. ويضم بيوتًا تقليدية ذات جدران حجرية وأفنية داخلية تحوي الأشجار والرياحين والبحرات.

حي القيمرية في دمشق القديمة 


أما الأحياء التي تقع خارج السور الأثري لدمشق القديمة فهي:
ــ حي ساروجة: أول منطقة بُنيت في القرن الثالث عشر الميلادي في هذا المكان، ويتميز بحماماته التقليدية (الورد ــ الجوزة ــ الخانجي) ومساجده وأضرحته ومنازله وقصوره التراثية.
ــ العقيبة: يعود تاريخه إلى أكثر من 700 عام، فيه جوامع وأسواق للحدادين والنحاسين، ومنازل تاريخية عريقة، وقد سُمي بـ"إسطنبول الصغيرة" لكثرتها وجمالياتها، وأهمها منزل خالد بك العظم، أحد رموز فترة الجمهورية الأولى في تاريخ سورية الحديث، والذي شغل منصب رئيس الدولة السورية لفترة مؤقتة عام 1941، ومنزل الشيخ والعالم والصوفي الجليل النقشبندي. إضافة إلى أحياء تاريخية مُحدثة، مثل: حي الميدان، وهو من أكبر أحياء دمشق وأكثرها حيوية، وحي القنوات المرتبط بعمران المدينة القديمة، وحي الصالحية الامتداد





التاريخي على سفح جبل قاسيون، والذي يزخر بالمعالم والمدارس.
تحول عدد كبير من هذه المنازل والقصور التراثية في هذه الأحياء إلى مطاعم وغاليريات ومعارض فنية وفنادق عبر الزمن. ومرّ بعضها (كحيي العمارة والقيمرية) في العقود الماضية بمراحل متباينة، تراوحت بين الاعتراف الرسمي بالهوية الأثرية لدمشق القديمة وإدراجها على لوائح اليونسكو، والإهمال الخدمي والبيروقراطية المفرطة والتشويه العمراني، وواجه الأهالي تعقيدات هائلة للحصول على رخصِ ترميم لمنازلهم، مما أدى إلى تآكل وسقوط بعضها بعد تراجع البنية التحتية للحارات والزواريب. وتسرب الرطوبة لأساسات منازلها الطينية والخشبية العتيقة.
كما شهد حي القيمرية في عهد النظام البائد (الأسد الابن) تحولًا جذريًا حيث فُتحت الأبواب على مصراعيها لتحويل البيوت الدمشقية الواسعة إلى مطاعم وفنادق تراثية، مما أدى إلى تفريغه من نسيجه السكاني والاجتماعي الأصلي، وتحويله إلى مكان صاخب يخدم النشاط التجاري السياحي، ويضغط على البنية التحتية للمنطقة.
وقد بدأت هذه الظاهرة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1992 مع افتتاح أول مطعم ضمن منزل تراثي في حي باب توما. وبعد عام 2000 تحولت أعداد كبيرة من البيوت القديمة إلى فنادق ومطاعم تفتقد روح المكان الأصلية وتفاصيلها الفريدة.
بعد التحرير، لا سيما في الأيام الأولى من المرحلة الانتقالية التي تعيشها سورية، حدثت تعديات تجارية كبيرة على الأحياء التاريخية، وسرقات طاولت مواقع أثرية، ومخالفات عمرانية جائرة، وازدادت أعداد الأكشاك والبسطات العشوائية فيها، مما دفع الجهات الرسمية لإزالتها وحماية المدينة القديمة، لا سيما بعد قيام بعضهم باستخدام مواد بناء حديثة، كالإسمنت، في مخالفة صريحة لضابطة البناء الصارمة، على الرغم من كل الحملات التطوعية الشبابية المكثفة لحماية الهوية البصرية لحارات دمشق القديمة، وإزالة كل ما يشوّه جمالياتها، وتنظيف معالمها المتضررة، وتشكيل لجان لحراستها، إضافة إلى صيانة ذاتية طارئة للبيوت المتهالكة نفذتها فرق محلية.

خان أسعد باشا 


تولت الجهات الحكومية فيما بعد حراسة هذه الأحياء عبر القوانين الصارمة لمنع الهدم وفرض ضوابط البناء، وأقامت شراكات دولية لإعادة تأهيل البنية التحتية لها، وكافحت التعديات واستردت الآثار المسروقة، إضافة إلى قيامها بإزالة المخالفات، والتعاون مع "اليونسكو" و"الإيكوموس" لتقييم الاحتياجات الطارئة للمباني والمتاحف، وتوقيع مذكرات تفاهم مع منظمات متخصصة لإطلاق استراتيجيات وطنية جديدة تركز على إعادة التأهيل وحماية هذه الأمكنة من الحرائق والتآكل الإنشائي. لكن ورغم كل هذه الخطوات الجادة تشير تقارير حقوقية وشهادات من بعض السكان المحليين إلى وجود "تعديات وضغوط" غير مباشرة تصب في مصلحة المستثمرين، وإلى قيام الجهات المعنية بفرض شروط بالغة التعقيد والتكلفة لترميم المنازل المتهالكة في الأحياء التاريخية. هذا إضافة إلى وجود مشكلة العقارات المستملكة، فهناك نحو 19% من مساحة المدينة القديمة عائدة لمصلحة الجهات العامة منذ عقود مع "وقف التنفيذ"، مما يعرضها للاحتضار الإنشائي، ويمهد الطريق لطرحها كفرص استثمارية.
وقد أشارت مصادر صحافية غير رسمية إلى وجود توجهات ومعلومات متداولة حاليًا لطرح خان أسعد باشا للاستثمار، وتحويله إلى فندق سياحي. وهذا ما أثار مخاوف جدية لدى الخبراء والمهتمين بالتراث من التغيير المعماري الذي سيطرأ عليه، لأن ذلك يتطلب تمديدات صحية ومطابخ وشبكات خدمات حديثة تضر بالبنية التاريخية وتُفقده أصالته وملامحه الأصلية.
وكان قد تم سابقًا في كانون الثاني/ يناير 2026 افتتاح فندق خان سليمان باشا في المدينة القديمة بعد ترميم وتأهيل استمر لسنوات، بعد أن كان مستملكًا لصالح النفع العام منذ عقود.




وهنا لا بد من أن نذكر أن هنالك وجهات نظر عديدة تشجع على الاستثمار في هذه الأحياء، طُرحت في حوارات متكررة ولقاءات رسمية ومجتمعية يرى أصحابها أن تحويل البيوت التراثية إلى منشآت سياحية يحميها من الإهمال والاندثار ويشجع السياحة الثقافية، ويوفر السيولة المالية اللازمة لصيانتها دوريًا. بينما يرى آخرون أن هنالك مخاطر كبيرة لهذه الخطوة تتمثل في طمس الهوية الاجتماعية، وتحوّل المدينة القديمة إلى "متحف مفتوح أو مجمع تجاري" فاقد لروحه الحقيقية، إضافة إلى الاستغلال التجاري.
الجهات الحكومية نفت قيامها بتحويل المواقع الأثرية في أحياء دمشق القديمة إلى استثمارات تجارية أو سياحية، مؤكدة أن الأعمال القائمة تهدف إلى صيانة البنية التحتية الأساسية، كالكهرباء، والمياه، والشوارع. ومشيرة إلى أنها تنسق مع منظمات دولية لوضع خطط سليمة ومدروسة لترميم وحماية المعالم الأثرية، ووقعت مذكرة تفاهم رسمية بين المديرية العامة للآثار والمتاحف ورابطة "إيكوموس سورية" لتدريب الشباب على الخرائط الرقمية، كما أنها أطلقت مسابقة تصوير شبابية لبناء أرشيف بصري يوثق هذه المعالم الحضارية كافة، وفي المحافظات السورية. وهذا كله لا ينفي وجود تحديات كبيرة تتجلى في القدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة المعاصرة، وخصوصية المناطق القديمة.
في النهاية لا بد من القول إن الحل لا يكون بـ"التجميد الكامل"، ومنع الاستثمار، بل في التوظيف المعاصر المنضبط، وتطوير التشريعات والقوانين الاستثمارية الصارمة التي تضمن ألا تطغى السطوة التجارية على القيمة الأثرية، وإشراك الشباب والتقنيات الرقمية لتوثيق ومراقبة أي تعديات تطرأ على المباني التاريخية. هذا إضافة إلى إبقاء الأحياء التاريخية مأهولة ونابضة بالحياة، والاستفادة من الخبرات المتراكمة وتطويرها بأدوات حديثة، ونشر الوعي بقيمة التراث، وتشجيع المجتمعات المحلية على حماية معالمها. والقيام بعمليات التأهيل والتطوير من دون توظيف التراث كمنتج سياحي استهلاكي، وذلك كله لكي تبقى مدينة دمشق القديمة "قارورة العطر التي يطرب فيها الحجر. وتسير السماء في طرقاتها حافية".

مراجع:
ــ بوابة التراث العالمي.
ــ مواقع إلكترونية.
ــ بوابة سورية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.