ينطلق كتاب "إرث مريم: العائلة والملكية في بلاد الشام العثمانية" للبروفيسور بشارة دوماني (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2026) من تساؤل محوري يمسّ جوهر المعرفة التاريخية والاجتماعية في الشرق الأوسط: ماذا نعرف حقًا عن تاريخ الحياة العائلية ومؤسسة الشريعة في ممارساتها اليومية قبل اللقاء بالاستعمار الغربي وبروز الدولة الحديثة؟
يلخص الغلاف الخلفي للكتاب خطورة وأهمية هذا العمل، موضحًا أن التوظيف الأيديولوجي لمفاهيم "العائلة" و"الشريعة" من قِبل المذاهب الفكرية الكبرى (الاستشراق، والقومية، والإسلاموية، والليبرالية) أفقر الفهم التاريخي التجريبي للممارسات الاجتماعية والقانونية للناس العاديين، حيث تفترض تلك التيارات وجود "عائلة تقليدية نموذجية"، وشريعة أصيلة وسكونية سبقت الحداثة.
يكشف الكتاب، بالاستناد إلى بحث أرشيفي دؤوب استمر قرابة عقدين في سجلات المحاكم الشرعية والأوراق العائلية ومجموعات الفتاوى، عن وجود فروق مناطقية جذرية، وتحوّلات مادية وثقافية عميقة في كيفية فهم العائلة وتنظيمها وإعادة إنتاجها بين مدينتين تتشاركان الإطار الإمبراطوري والديني والنظري نفسه؛ وهما نابلس في فلسطين، وطرابلس في لبنان، خلال الفترة الممتدة من 1660 إلى 1860 للميلاد، إذ يركز العمل على استراتيجيتين قانونيتين أساسيتين تربطان العائلة بالشريعة: إنشاء الأوقاف الذرية (العائلية)، ورفع الدعاوى القضائية بين الأقارب، مبينًا كيف شكلت أفعال الملاك العاديين أنظمة القرابة والنوع الاجتماعي والملكية على المدى الطويل.
وتكمن أهمية هذا الجهد البحثي وتفرده في كونه أول دراسة تاريخية مقارنة طويلة المدى (تمتد عبر قرنين من الزمن) تعتمد بالكامل على التحليل الكمي والكيفي المقارن لأرشيفات المحاكم الشرعية المحلية في مدينتين شاميتين، متجاوزًا المقاربات التقليدية التي تركز حصرًا على النخب السياسية، أو المراكز الإمبراطورية الكبرى (مثل إسطنبول، والقاهرة، ودمشق، وحلب)، ليلتفت إلى "الأقاليم المهمشة" التي صاغ فيها السكان العاديون من أبناء الطبقة الوسطى والمالكة مصائرهم بأنفسهم.
كما يتجلى تفرد الكتاب في تفكيكه لجغرافيا الحداثة الثنائية النمطية (الساحل مقابل الداخل، أو البحر مقابل الجبل) التي لطالما هيمنت على الدراسات الشرق أوسطية، حيث كان يُفترض أن المدن الساحلية تجارية، منفتحة، وتحديثية، بينما المدن الداخلية المحافظة تقاوم التغيير، إذ يثبت دوماني أن التباينات الحادة في استراتيجيات نقل الملكية ومكانة المرأة داخل العائلة بين نابلس وطرابلس لم تكن ناتجة عن التغريب، أو التأثير الأوروبي، بل كانت متجذرة عميقًا في التباين البنيوي بين الاقتصاد السياسي والاقتصاد الروحي لكلتا المدينتين قبل أي تدخل غربي ملموس.
ويحمل عنوان الكتاب "إرث مريم" رمزيته العميقة من حادثة تاريخية استثنائية شهدتها أروقة المحكمة الشرعية في طرابلس يوم 5 شباط/ فبراير 1840.
مريم عنكليس امرأة مسنة أنيقة وسافرة الرأس، وقفت أمام جمع من الشهود والعلماء وألقت كلمتها الأخيرة في وثيقة هجينة وغاية في التعقيد القانوني، بحيث استطاعت أن تعيد تشكيل الأدوات القانونية المتاحة (الوقف، والهبة، والإقرار بالدين، والوصية الذاتية، وحصر التركة) لتصوغ استراتيجية محكمة لنقل ملكيتها متجاوزة قواعد الفرائض المعتادة؛ بهدف حماية ابنتيها (ديبة وفاطمة) وإيراد أوقافها لهما حصرًا، مع استبعاد القربى الذكور (ابن عمها الحاج محمد)، وتحييد زوجها الثاني (علي ترح).
إن حضور "مريم" في العنوان يرمز إلى الفاعلية الاجتماعية والقانونية الواعية للمرأة في الشرق المتوسط العثماني، فمريم ليست حالة فردية معزولة، بل هي نموذج صارخ لما يطلق عليه المؤرخ "تفاعل الأقارب مع المحكمة".
وفي المقابل، يتجلى حضور "فاطمة" (كما في الفصل السابع "إصرار فاطمة" وقصة فاطمة القلموني، إضافة إلى الابنة فاطمة عنكليس) كرموز للجيل الجديد من الإناث اللاتي واجهن تحديات نقل الملكية، وصارعن داخل المنظومة القضائية للحفاظ على حقوقهن، أو إنفاذ وصايا أمهاتهن وآبائهن.
يكشف الكتاب عن أن حضور النساء لم يكن مجرد مجيء عابر إلى الأرشيف، بل كان ممارسة واعية للفاعلية القانونية. ففي طرابلس مثلًا، أنشأت النساء نحو نصف الأوقاف الذرية بصورة مستمرة طوال قرنين، واستفادت الإناث في أكثر من 98% من الأوقاف، بل وحصلن على حصص مساوية للذكور في ثلث الحالات.
بينما في نابلس، تحرك مسار التاريخ في الاتجاه المعاكس، حيث انخفضت نسبة أوقاف النساء حتى بلغت الصفر في أواسط القرن التاسع عشر، وتزايدت شروط استبعاد الإناث ("أولاد البطون") لصالح النسب الأبوي الذكوري.
ويقدّم الفصل الأول (كلمة مريم الأخيرة) دراسة مجهرية مكثفة لوثيقة وقفية مريم عنكليس (1840)، محللًا الصياغة اللغوية الفريدة التي زاوجت بين الضمير المتكلم ("أنا") والضمير الغائب، وكيف جمعت مريم بين خمس معاملات قانونية في إطار موحد لضمان انتقال بساتين التوت والعقارات لابنتيها ديبة وفاطمة، وتخصيص جزء من إيراداتها لمبادرات ورجال طريقة صوفية، بما يؤسس للإطار المفهومي للكتاب حول انتقال الملكية بوصفه عملية إجرائية تعيد بناء العلاقات العائلية والنظام الأخلاقي للقرابة.
ويتناول الفصل الثاني (أبناء حميدة يصلون إلى سن الرشد: المحكمة الشرعية وأرشيفاتها) قضية أبناء حميدة (من عائلتي بدوي وزعرور في نابلس، 1725) ليلج من خلالها إلى فهم طبيعة أرشيف المحكمة الشرعية بوصفه ذاكرة اجتماعية نصية للأهالي، مبرزًا كيف أدت المحكمة دورًا تأسيسيًا في "عثمنة" علاقات الملكية، وكيف تشكلت الوثائق والسجلات عبر تفاعل متبادل بين الأقارب والمحكمة، كما يقدم مسحًا كميًا لأنواع النزاعات القضائية حول الميراث والأوقاف.
ويتمحور الفصل الثالث (تصميمات حسين وعبد الواحد: الوقف كميثاق عائلي) حول أطروحة أن الوقف العائلي يمثل دستورًا أو ميثاقًا عائليًا يحكم العلاقات بين الأجيال وبين الذكور والإناث، مقارنًا بين نموذج حسين الحسيني في طرابلس، ونموذج عبد الواحد الخماش في نابلس، إذ يظهر كيف عكس وقف الحسيني في طرابلس الانشغال بالعائلة الزوجية والأعمال الخيرية والبعد الروحي، بينما ركز وقف الخماش في نابلس على حماية ثروة العائلة الممتدة، والنسب الأبوي، ومنع تجزئة الملكية عند غياب الوريث الذكر.
ويجيب الفصل الرابع (الأعمال الخيرة: الوقف العائلي كفعل اجتماعي) عن سؤالين محوريين: من ينشئ الوقف؟ ولماذا؟ عبر تحليل التباين الطبقي والمتعلق بالنوع الاجتماعي بين الواقفين في طرابلس ونابلس، مُصنفًا الأوقاف العائلية إلى ثلاثة أنواع من الدوافع: الأوقاف التأسيسية (لتأسيس مكانة العائلة)، والتكميلية (كشبكة أمان اجتماعي)، والانضباطية/ التقوية (لضبط السلوك والتقرب إلى الله)، ومُبرزًا صعود عائلة البركة في طرابلس كنموذج للحياة الاجتماعية للوقف التأسيسي.
الفصل الخامس (الإدراج والاستبعاد: الوقف كأداة لترسيم الحدود) يركز على الأنماط الأساسية لتحديد المستحقين في الأوقاف العائلية، ويكشف عن مفاجأة دراماتيكية: بينما اتجهت طرابلس نحو إدراج واسع للإناث ومساواتهن بالذكور في ثلث الحالات، شهدت نابلس تصاعدًا متسارعًا في استبعاد النساء وأولاد البنات ("أولاد البطون")، للحد الذي أصبحت فيه النسبة الساحقة من أوقاف نابلس تستثني النساء لمنع تسرب أملاك العائلة إلى الأصهار.
ويقدّم الفصل السادس (الملكية والنوع الاجتماعي: الاقتصادات القانونية والروحانية) التفسير المادي والروحي الأساسي للتباين بين المدينتين، بحيث يربط بين نمط الإنتاج والاستغلال الاقتصادي وبين بنية العائلة.
ويختتم الكتاب بالفصل السابع (إصرار فاطمة) مُقدمًا دراسة حالة عميقة لـ "إصرار فاطمة القلموني" في طرابلس، ونزاعها القضائي الطويل لحماية حصتها الوقفية ضد الأقارب المتقاضين.
ويُسجل لـ"إرث مريم" أنه عمل تأسيسي يمثل نقلة نوعية في حقل التاريخ الاجتماعي والقانوني للشرق الأوسط، بالاعتماد على فحص مباشر وغير مسبوق لنحو 15 ألف وثيقة شرعية غير مفهرسة عبر قرنين، مع جمع الأوراق العائلية، ومجموعات الفتاوى، والمشاهدات الميدانية، والجمع المبدع بين التحليل الكمي/ الإحصائي للأنماط الأرشيفية عبر الزمن، وبين التحليل الكيفي/ المجهري العميق للحالات الدراسية الفردية التي تبث الحياة في النص التاريخي، علاوة على الجمع بين أدوات الاقتصاد السياسي (علاقات الإنتاج ونقل الملكية) وبين التحليل الخطابي والأنثروبولوجيا الأرشيفية، ودحض فرضيات التحديث والاستشراق حول وجود "عائلة إسلامية أو عربية نمطية ثابتة"، وإثبات مرونة وحيوية التقاليد القانونية الإسلامية والممارسات المحلية.
يكتسب هذا الكتاب أهمية فائقة واستثنائية للسردية الفلسطينية بالدرجة الأولى، إذ يناهض السردية الصهيونية الاستعمارية التي صوّرت فلسطين كأرض بلا شعب، أو كمجتمع بدائي ساكن تنقصه الحداثة حتى مجيء الصهيونية، كما يرفض السرديات القومية العاطفية التي تختزل التاريخ الفلسطيني في لحظة النكبة (1948) وما بعدها.
ويُثبت "إرث مريم" أن المجتمع الفلسطيني في جبل نابلس كان مجتمعًا حيويًا، ممتلئًا بالتاريخ، يمتلك مؤسساته القانونية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة، ويمارس أفراده (رجالًا ونساءً) فاعلية تاريخية واعية ومُعقدة لبناء بيوتهم ونقل ثرواتهم وتخليد أسمائهم لبنة لبنة عبر القرون، فالحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي الفلسطيني وصموده بوجه سياسات المحو والإبادة الراهنة إنما يستند إلى هذه الجذور التاريخية العميقة التي صاغها الأجداد والجدات.


تحميل المقال التالي...