}

ذاكرة القراءة: بين ألبرتو مانغويل والعالم العربي

ميشلين مبارك ميشلين مبارك 2 سبتمبر 2026
استعادات ذاكرة القراءة: بين ألبرتو مانغويل والعالم العربي
"المكتبة"، 1960، للفنان الأميركي يعقوب لورنس


للقراءة تاريخ وذاكرة ومتعة، بدءًا من ولادة الإنسان في قراءة الطبيعة وعواملها إلى قراءة الناس وانفعالاتهم ووجوههم وهذا ما يُسمى بعلم الفراسة، إلى قراءة الكتب وصولًا إلى قراءة المقالات الإلكترونية ونقدها أو الكتابة عن الكتب. في كل ذلك ترتبط القراءة ارتباطًا وثيقًا بالإنسان الذي يحقق فعلها. فالقراءة هي سفرٌ نحو اللامتناهي، سفر ذاتنا إلى ذوات أخرى، إلى أمكنة وأزمنة متعددة، إلى عوالم قد نظنها صامتة الحروف لكنها تبوح بأسرار الإنسان على اختلاف مشاربه. والقراءة قد تريحنا وتمتعنا، وقد تقلقنا وتحزننا، لكنها بالتأكيد تفتح أمامنا أبوابًا لا نعرفها، نغرف منها عبرًا في الحياة. ولا شك في أنّ القراءة المفيدة والغنيّة، تعيد تشكيل ذائقتنا الأدبية والفكرية، خصوصًا عندما نعرف كيف نقرأ وماذا نقرأ؟

في الواقع، تعدّدت الكتب المنشورة التي تتحدث عن القراءة، لكن يبقى أبرزها سلسلة الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل والمترجمة إلى اللّغة العربية والصادرة عن دار الساقي، وخصوصًا: "فنّ القراءة"، "متعة القراءة"، "يوميات القراءة"، "المكتبة في الليل" و"ذاكرة القراءة".

وها نحن اليوم في مقالنا هذا، نعيد إحياء كتب ألبرتو مانغويل نظرًا لأهمية القراءة في عالم تسيطر عليه المادة والحروب والنسيان، "فالقراءة ضرورية للحياة كالتنفس" على حدّ قول مانغويل نفسه. والمكتبة ترتبط بحياة القارئ. من هنا تبدأ حياة الكاتب، ففي كتابه "ذاكرة القراءة" (2018) على سبيل المثال يشرح مانغويل كيف اضطر إلى مغادرة منزله في فرنسا والتخفيف من حجم مكتبته التي كانت تضم نحو 35 ألف كتاب. ولعلّ الفكرة الأساسية من هذا الكتاب هي "أنّ القراءة ليست مجرد نشاط فكري، بل هي وسيلة نبني من خلالها هويتنا ونحافظ على ذاكرتنا".

ضمن هذا المناخ، استطلعت "ضفة ثالثة" آراء بعض الكتّاب من العالم العربي والذين تمّ انتقاؤهم لأنهم قرّاء نهمون، وسألناهم عن ارتباط ذاكرتهم بالقراءة.

 أسماء الشرّقي - بشير عريعر

 

الكاتب والأكاديمي الدكتور بشير عريعر (العراق):
كل قراءة تفتح أفاقًا للمعرفة

أول كتاب قرأته، كان من خزانة كتب المكتبة المدرسية في ثانوية الشامية للبنين؛ فقد كان مدرس اللغة العربية، يفضّل أن يكون درس المطالعة في القاعة المخصصة لمكتبة المدرسة، وقتها، كنّا طلابًا في الصف الأول المتوسط. كنّا مأخوذين بجمال الكتب، ورائحة الورق، ومقاعد المكتبة التي تختلف عن مقاعد الصف، نجلس متقابلين على طاولة عريضة مصنوعة من الخشب، ثم يضع أمامنا مدرس العربية مجموعة من الكتب، غير منتقاة، فبعضها في الأدب، وبعضها الآخر في الفكر والتاريخ، ويضع أيضًا مجموعة من الروايات، بعضها لروائيين عرب، وأخرى لروائيين أجانب (غربيين)، ثم يطلب أن يحصل كلّ واحد منّا على كتاب، نقرأ ما تيسر لنا منه، ثم نلخص ما قرأناه شفاهية. لم يكن مقصد مدرس العربية، أن يكون لنا شغف بالقراءة، على قدر ما كان يريد أن يقوّم ألسنتنا على النطق السليم. وقعت يدي على كتابٍ من كتب الأديب والروائي والمؤرخ اللبناني جرجي زيدان، وكان عنوان الكتاب "العرب قبل الإسلام". شدني إلى الكتاب لون غلافه الخارجي، المصنوع من الجلد. قرأت ما تيسر لي، من صفحاته الأولى، شُغفت بالكتاب؛ لأنه كان سردًا في التأريخ، بلغة غير متكلفة، وبعد أن انتهى الدرس، استعرت الكتاب، وقد قرأته حتى أتيت على آخره، لم يكن يعنيني من الكتاب، صدق الروايات من عدمها، ولا طريقة الكاتب في السرد، كنت فقط أريد أن أعرف عن تأريخ العرب لا غير. كان هذا الكتاب الأول الذي تعلمت منه، ماذا يعني أن تعرف؟ وماذا يجب أن تقول؟ كان ذلك الكتاب، وكاتبه، بابًا من أبواب المعرفة التي أدين له بالجميل. بعد عقود طويلة، وعلى الرغم من تباين الآراء النقدية حول ما ورد في الكتاب؛ غير أن ميزة الريادة والتبسيط في الطرح، من الأصول التي تحبب هذا الكتاب لدى القارئ.

بالنسبة لأهم كتاب قرأته وتعلمت منه، فأرى أن كل الكتب مهمة بدرجات متفاوتة، أو بالنسبة إلى ميول القرّاء، وأمزجتهم، ومرجعياتهم الثقافية والمعرفية. لكل كتاب ميزته، وفي النهاية، فإنّ كل قراءة مهما كان مستوى الكاتب، ومهما كان موضوع الكتاب، فإنها تفتح آفاقًا للمعرفة، حتى لو كانت بالضد من متباينات القارئ؛ ولكن ثمة كتاب يبقى محتواه عالقًا في الذاكرة، وكلما تجدد الحديث عن الكتب والقراءة، تستحضره الذاكرة بتفاصيله كلها، والمفاجأة أنّ الكتاب الذي أعتز بقراءته، وما زلت أعود إليه، كلما سنح لي الوقت، لم يكن كتابًا فلسفيًا، ولا تأريخيًا، ولا أدبيًا بالمعنى العام لكلمة أدب؛ بل كان مما يلحق منشورات دار المدى، وكان عنوانه "العودة إلى الأهوار" لمؤلفه "كافن يونغ"، ترجمة الدكتور حسن الجنابي. وكافن يونغ صحافي ومراسل حربي، وكاتب رحلات بريطاني، وصل إلى البصرة في بداية الخمسينيات من القرن المنصرم، للعمل في شركة شحن بحري، وكان ينوي زيارة صحراء الجزيرة العربية؛ لحبه للصحراء؛ ولكن الرحالة الشهير "ويلفريد ثيسيجير" أقنعه بالذهاب إلى الأهوار العراقية. أما مترجم الكتاب، فهو د. حسن الجنابي خبير عراقي بالشؤون المائية. هذا الكتاب رحلة في أهوار العراق الجنوبية، سجّل فيها الكاتب يومياته بكل حبّ وشغف ودفء، هو ليس سردًا، بل هو فيض من الكتابة الشعرية الرائعة، لم يكن الموضوع وحده يحمل عمقًا إنسانيًا وضميرًا حيًا، وصدقًا عاطفيًا؛ بل كانت اللّغة تأخذ طريقها إلى القلب، وتنقلك إلى حيث كان الكاتب، يجدف بالزوارق السومرية، وهي تشق طريقها وسط أجمات القصب والبردي. كان هذا الكتاب درسًا في اللغة العفوية، والكتابة الحرّة، المنفلتة من القيد الأكاديمي، مثّل لي هذا الكتاب درسًا، بأنّ الانطباع الجيد، يخلق نصًا جيدًا أيضًا.

الشاعرة والفنانة التشكيلية أسماء الشرقي (تونس):
المطالعة صندوق سحريّ

عندما يكون الطفل حالمًا بجبلة الخلق، وتكون الطبيعة حضنه الأم التي تشكلت في خضمّه عوالمه المحسوسة والمتخيلة، يصبح فعل المطالعة شغفًا ضروريًا تقتات منه روح الطفولة الحالمة، وصندوقًا سحريًّا يكاشف عبره الطفل أحلامه المنتظرة. وأنا كطفلة نشأت في منطقة صغيرة شبه منقطعة عن مصادر الترفيه، وفي بيت شاسع محاط بسحر الطبيعة البكر، وجدت ضالتي في قصص الأبطال الخوارق، وفي كتب المغامرات والخيال العلمي التي ما فتئت تسافر بي عبر الأزمنة بدون تقويم مضبوط، وإن أسعفتني الذاكرة، فإنّ أناملي الصغيرة احتضنت أول قصة لي في سن الخامسة، ومن ثم صرت مدمنة على التهام القصص والحكايات. أمّا عن أول قصة قمت بمطالعتها فهي "مغامرات السندباد البحري". وكانت قصة ممتعة جدًا لا يُملّ من قراءتها.

وليس من السهل تحديد أفضلية كتاب قمت بقراءته، سواء كان ذلك على مستوى الفحوى أو الفكرة أو الأسلوب، جنسًا سرديًا أو نقديًا؛ والسبب هو أنّني خلال مسيرتي الدراسية العليا قبل الإجازة وعند دراسة الماجستير والآن في إطار بحث الدكتوراه، تشربت من مناهل علمية ومعرفية مختلفة جعلت من الضبط الدقيق لفائدة كتاب واحد مسألة صعبة؛ لكن يمكنني أن أستثني كتابين تركا في ذاكرتي أثر النور الذي لا يخبو وهما كتابا "الفتوحات المكيّة" للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، وكتاب "المقدمة" للعلامة عبد الرحمن بن خلدون، فكلاهما شكّلا رؤية تأسيسيّة في الفكر العربي الإنساني عامة والإسلامي خاصّة.

فالأوّل غاص في معارج التّصوف والفلسفة الإشراقيّة، بينما عمد الثاني إلى تأسيس علم الاجتماع والعمران البشري. لذا أدعو كلّ محبّ للمعرفة الإنسانية الراقية وللصفاء الرّوحي الخالص أن يتمتّع بقراءة هذين الكتابين.

إسحاق بندري - حكمت حسن  


الكاتب والمترجم إسحاق بندري (مصر):
"الشيخ والبحر" و"سجن العمر"

قد يبدو السؤال صعبًا، لكنني أتذكر جيدًا أنني قرأتُ رواية "الشيخ والبحر" لإرنست همنغواي في الحادية عشرة من عمري. مؤكد أنني لم أفهمها جيدًا حينها، لكنني أدركت بعد ذلك أنها ليست مجرد حكاية صياد يخوض مغامرة. أرى أنها تُصَنَّف ضمن النصوص التأسيسية، لأنها تغرس في الوعي مفهوم صلابة الإرادة الإنسانية رغم التناقض الدائم بين الإصرار والمصير. يعتمد همنغواي على الاختزال الأسلوبي واللّغوي إلى أبعد حدّ، وتلخص عودة سانتياغو فكرة النصر المعنوي وتجاوز الهزيمة الظاهرة؛ إذ تتداعى الخسارة أمام الإرادة البشرية. تبقى تلك القراءة الأولى حاضرة في الذهن لأنها أول خطوة تتلمس ماهية الأدب، تتعلم بمرور الوقت أن تتخطى رؤيته كمجرد سرد لأحداث مشوقة، لتتلاقى مع مضمونه الوجودي والفكري، وتكتسب منه المهارة الذهنية الضرورية لاستيعاب العالم.

ويظل كتاب "سجن العمر" لتوفيق الحكيم النص الأكثر تأثيرًا في تشكيل وعيي وذائقتي. أعود إلى قراءته من وقت لآخر. يبدو الكتاب لأول وهلة نموذجًا تقليديًا للسيرة الذاتية، لكنه ينطوي على تفكيك جادّ للمفاهيم العتيقة التي تميل نحو تقديس الأسلاف. بين صفحات الكتاب، نلمس تلك السخرية الممزوجة بالنقد والألم، كما نعاين تلك الجدران الخفيّة التي تسجن المرء. يطرح هذا النص فكرة التحلّي بالشجاعة والمكاشفة الذاتية، وكيف يمكن لكل تفاصيل الحياة مهما كانت جارحة أو هزلية أن تسمو لتتحول إلى كتابة إبداعية رفيعة. يكشف الكتاب عن أن الأسوار التي تقيد المرء ليست تلك المفروضة عليه من الخارج، بل هي التي يتشربها في لاوعيه، وبفضل الكتابة، يحتفظ بالأمل في هدم السجون.

الشاعرة حكمت حسن (لبنان):
القراءة فيها نجاة...

في ذاكرتي أسماء كثيرة لكتّاب عديدين قرأت لهم، ولست أعود إلى قراءاتي منذ الطفولة البعيدة الآن، بل إلى ما زال يطفو في بالي. فقد قرأت لجرجي زيدان كما أذكر مجموعة كبيرة من أعماله، وقد أثّر بي سرده التاريخيّ كما أبطاله في تشتّت حياتهم والتشويق الذي يثير التخيّل والأسئلة، وفي مرحلة لاحقة قرأت لمارون عبود، ميخائيل نعيمة، جبران خليل جبران، كمال جنبلاط، بالإضافة إلى الأدب الروسيّ، وكنت أكتب خلاصات من أقوالهم في دفتري الخاص، نجا هذا الدفتر من أهوال الحرب والتهجير وما زلت أحتفظ به إلى الآن.

تنوّعت قراءاتي فيما بعد إلى كتب الفكر والفلسفة والشعر والروايات وهي الأقل حظّا في اختياري لها خلال السنوات الأخيرة، وفيها الكثير من الكتب المهمة، وما أعتبره أهم كتاب هو الذي أتفاعل معه ويثير فيّ الفكر. آخر كتاب قرأته وهو "الأقليّات: ركن يتصدّع بصمت (الموحدون الدروز)" وعنوان فرعيّ مهم أيضًا: اضطراب الهوية الأقلية المؤدلجة والنزعة الانشطاريّة الموحَّدة، انقسام متماسك أم تماسك منقسم/ دراسة أنتروسوسيولوجيّة في الثقافة الأساسيّة لمعتقداتهم الدينيّة وموروثاتهم الاجتماعيّة وتأثيرهما على سلوكهم الجمعيّ، للباحث الدكتور حسام نصار. أمّا بالنسبة لهذا الكتاب الفكريّ الفلسفيّ الاجتماعيّ فلست بصدد كتابة مطالعتي فيه لأنّ المجال لا يتّسع لمقاربته وهو يحوي ما يقارب الخمسمائة صفحة من الخطّ الصغير، لكن سأعرض هنا أبوابه الأساس، ومنها يمكن أن نقارب ما جال فيه من إبداع في النظرية وجرأة في الطرح وسعة معرفة لدى المؤلف. أمّا ما ورد في الفصول فسأذكره باختصار بدءًا بالباب الأول الفصل الأول: الدعوة، الفصل الثاني: التقيّة، الفصل الثالث: مراتب الدين. الباب الثاني فيه عرض وافٍ للبنيّة الاجتماعيّة والدينيّة لطائفة الموحّدين الدروز. الباب الثالث: أحكام القوانين المذهبيّة والأحوال الشخصيّة لدى الطائفة الدرزيّة. الباب الرابع: تحليل وعرض النتائج. ما أودّ قوله إنّ القراءة فعل معرفة واستمرار، هي حياة وفيها نجاة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.