}

آن كارسون.. شعرية الغموض والإقناع

نجيب مبارك 24 يونيو 2020
تغطيات آن كارسون.. شعرية الغموض والإقناع
آن كارسون الفائزة بجائزة أميرة أستورياس للآداب لهذا العام
فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (تورنتو، 1950) مؤخرًا بجائزة أميرة أستورياس للآداب لهذا العام، وهي من أرفع الجوائز الأدبية في العالم الناطق باللغة الإسبانية، إذ سبق أن فاز بها في دوراتها السابقة كلّ من: أمين معلوف، فريد فارغاس، ريتشارد فورد، ليوناردو بادورا، جون بونفيل... وقالت لجنة تحكيم جائزة الأدب- وهي واحدة من ثماني جوائز تسلّمها سنويًا مؤسسة تحمل اسم وريثة العرش الإسباني: "إنّ كارسون، في مجمل كتاباتها المختلفة، وصلت إلى مستويات من الكثافة والملاءمة الفكرية تضعها بين أبرز الكتّاب المعاصرين. فمن خلال دراستها للعالم اليوناني- اللّاتيني، قامت بتأسيس شعرية مبتكرَة نعثر فيها على حيويّة الفكر الكلاسيكي العظيم الذي يمتدُّ مثل خريطة تساعدنا على فهم تعقيدات اللّحظة الراهنة. إنّ عملها يحافظ على الالتزام بالعاطفة والفكر، مع دراسة التقاليد والوجود المتجدّد للإنسانيات كوسيلة لتحقيق وعي أفضل لعصرنا".


سحر العالم الإغريقي


ولدت آن كارسون، التي بلغت السّبعين قبل عدة أيام، في تورونتو عام 1950، لكنها تستقرُّ حاليًا في نيويورك. وهي تعدُّ في السنوات الأخيرة واحدة من الأسماء الرئيسة في الأدب الأنكلو – ساكسوني المعاصر، حيث رشّحتها الأكاديمية السويدية بقوّة لنيل جائزة نوبل للآداب في العام الماضي. تعمل أستاذة للفيلولوجيا الكلاسيكية، ويجمع عملها بين معرفة عميقة بإرث الإغريق القدامى والتعبير عن حميميتها العائلية، بين المغامرات المثيرة للآلهة الأولمبية وطلاقها الشخصي، وبين موت شقيق كايو فاليريو كاتولوس في القرن الأول وموت شقيقها في عام 2000. فبالنسبة إليها، لا يوجد صراع بين الماضي والحاضر. إذ لا تختلف أفكارنا عن الحب أو الموت كثيرًا عن أفكار سكّان هيلاس. لذا، فإنّ أعمالها تتّسم بوحدة مذهلة. وهي في الوقت الذي ترجمت يوريبيدس وإيسخيلوس - خصوصًا ثلاثية "أوريستيا"- نشرت كتبًا شعرية مثل "رجال في أوقاتهم" عام 2000 أو "وسامة الزوج" عام 2001 أو "نوكس" عام 2010. ولم يكن غريبًا أن يحمل آخر أعمالها المسرحية عنوان "نورما جين بيكر من طروادة"، وهو حوار درامي بين أسطورة حديثة (مارلين مونرو) وأخرى كلاسيكية (هيلين)، ولقد تمّ عرض المسرحية لأوّل مرة في العام الماضي على خشبة مسرح نيويوركر غريفين، ولا يُخفى على الجميع المصير المأساوي الذي كان يتربّص بجمال هاتين المرأتين الأسطوريتين.

حصلت على دكتوراه في علم اللّغة في سنّ الواحدة والثلاثين، وفي سن الثانية والأربعين نشرت أوّل أعمالها الشعريّة بعنوان "محادثات قصيرة". وبعد ستّ سنوات، في عام 1998، نشرت رواية شعريّة بعنوان "سيرة الأحمر الذّاتية"، وهي إعادة كتابة لحكاية هرقل وجيريون، وقد لقيت نجاحًا كبيرًا إلى درجة أنها غطت على باقي أعمالها، حتى كادت أن تُحشر ضمن تلك الفئة من الكتّاب الذين تسحقهم شهرة كتاب واحد. ولهذا الكتاب حكاية طريفة، وهي أنّ صديقًا لها تحدّاها يومًا لكتابة عمل سرديّ، فقبلت التحدي وكتبت الرواية. بل إنّها أصرّت على أن تكون رواية شعبية "مثل تلك التي قد يشتريها المرء في أكشاك المطارات". لكن ما بدأ مثل تحدٍّ بسيط سرعان ما أصبح عملًا أكثر تعقيدًا و"شعرية" من المتوقّع. تقول في أحد مقاطعه: "إنّ إنكار وجود اللّون الأحمر هو إنكار لوجود الغموض. الروح التي تفعل ذلك ستُصاب ذات يوم بالجنون". لكن اللّافت في جلّ أعمالها على العموم هو استلهامها لحياتها الشخصية. فمثلًا، تنعكس علاقتها مع والدتها في كتاب "دراسة الزجاج"، من خلال تشريحها لشخصية إميلي برونتي، التي تعدّ واحدة من بين مراجعها الأدبية المتنوّعة. وهذه بلا شك سمة غالبة في أعمالها: تعدُّد المراجع الأدبية المختلفة، من الأساطير اليونانية إلى كيتس، ومن مارسيل بروست إلى بول سيلان.


غموض السلاسة والإقناع



برز اسم كارسون أيضًا كمثقفة وناقدة لامعة. في أحد أعمالها الأولى بعنوان "إيروس: شاعرية الرغبة"، اشتغلت على الشّعر اليوناني الكلاسيكي الأكثر بدائيّة لتتعمّق أكثر في أصول ودوافع الحب الإيروتيكي والشبقي: تلك الإيروتيكية الصارخة باعتبارها نسخة ثقافية من الذات تظهر في إبداعات الخيال العاطفي. وفي الواقع، نجد هذا الموضوع الأزليّ يتكرّر مرارًا في قصائدها: الحبُّ بكلّ إغراءاته، إشباعاته ومكابداته، تعقيداته وخيباته، وعلاقاته بالرّوحي والإلهيّ. وفي هذا الكتاب مثلًا، تأخذنا كارسون في رحلتها إلى الشاعرة سافو، التي وصفت لأوّل مرة الرّغبة باعتبارها مشاعرَ تتراوح بين العذوبة والمرارة. وبالنسبة للعديد من الشعراء اليونانيين الآخرين، الّذين استشهدت بهم كارسون، صُوِّرت الرغبة على أنّها تعمل على إرهاق الجسد والتفكير، تشلّ الإرادة وتُفقد السيطرة على السلوك. إنّ الإحساس بالرغبة ضرورة أنثروبولوجية، وتشكّل مصدر الحياة، لذلك تختتم آن كارسون كتابها بالسؤال التالي: "هل يمكننا أن نتخيّل مدينة خالية من الرغبة؟ ستكون هذه المدينة ميّتة وغير موجودة، تائهة ومهجورة، ومشوّهة".

درَّست آن كارسون ومارست البحث الأكاديمي في جامعات كثيرة في كندا والولايات المتحدة، مثل مكغيل في مونتريال وبرينستون في نيوجيرسي، حيث تخصّصت في مجالات الأدب المقارن وفلسفة اللغة الكلاسيكية والتاريخ والفن، لهذا نجد معظم كتبها تنتمي إلى مجال البحث الأدبي. لكن اهتماماتها اتّسعت، فيما بعد، لتشمل الشعر، المقالة، القصة، الفنون البصرية، والترجمة. وقد اشتهرت كارسون في التسعينيات من القرن الماضي بأسلوبها المتجدّد والمتنوّع. ففي كتابها "وثيقة حمراء"، وهو تتمّة لروايتها الشعرية الأولى الناجحة، تقدّم كارسون خليطًا من الشّعر والدراما كعادتها، في تناصّ مع قصائد قديمة للشاعر الإغريقي ستيسيكورس (632-556 ق.م). يتمحور الكتاب على شخصية "جي" الانطوائية التي تقرأ بروست ودانييل خارمس السوريالي في أغلب الأحيان، وشخصية أخرى تدعى "حزين لكنّه عظيم"، ويدعى اختصارًا "حزين"، وهو شخصية خرجت للتوّ من الحرب وتعاني من آثارها المدمّرة. بينما تحضر شخصيات أخرى من وحي الميثولوجيا اليونانية ترافق "جي" و"حزين" في رحلتهما إلى عيادة في أقصى شمال الأرض. تتداخل في هذا الكتاب أشياء كثيرة متناقضة: الآلهة والبشر، الجنس بشتّى أنواعه، الشّعر والنثر، كما هو الشأن في نصٍّ إغريقي، لكن مع توظيف الانزياح الزماني والمكاني وحبكة كارسون الذكيّة. يقول النقّاد إنّ كارسون تكتب نصًّا غامضًا من أجل الغموض فقط، وليس لغرض جمالي آخر، لكن المتفحّص لأعمالها يجدها تكتب هذا الغموض بسلاسة كبيرة وإقناع كامل. تلعب كارسون باللغة، وبشكل القصيدة على الورق، وبالمجازات التي يصفها أحد النقاد بأنّها " مُربكة، تلتوي وتنزلق بين الجُمل".


صيغ مبتكرة لنشر الكتاب



تقول آن كارسون في أحد الحوارات: "موقفي هو أنّه مهما كانت الحياة صعبة، فإنّه من المهمّ أن نصنع بها شيئًا مثيرًا للاهتمام". وهذا ما كان عليها أن تصنعه عندما توفّي شقيقها مايكل في كوبنهاغن عام 2000. لم يلتق أحدهما الآخر منذ عام 1978. هو غادر كندا بعد تخطّيه مجال المراقبة بسبب مشاكل مع المخدرات. فكتبت عنه: "لقد عبرتَ الكثير من البلدان/ والكثير من البحار/ ونزلتَ هنا يا أخي، في هذا القبر المؤسف/ لأمنحكَ آخر تكريم". هذه الأبيات هي جزء من أشهر قصائدها "كاتالوس"، بينما ساعدتها صور قليلة لمايكل في تأليف كتاب "نوكس" 2010، وهو يمتدُّ عبر ورقة واحدة مطويّة مثل صفحات الأكورديون، وتتخلَّله بعض أعمال "الكولاج" المختلفة، وكلُّها معبَّأة في صندوق واحد. هذه الصيغة المبتكرة في نشر الكتاب صارت جذّابة للغاية بالنسبة لكارسون، حيث أنّها أعادت الكرّة في عام 2016 حين أصدرت "كتابًا- صندوقًا" بعنوان "فلُوات"، يضمُّ 22 نصًا، وصفته بأنّه "عرض أداء"، مثلما أطلقت على بعض قصائده وصف "تانغو". وهذه المرّة بدا شخوص الكتاب مثل ضيوف في حفلة تنكرية لذوي الثقافة العالية: هيغل وماتا كلارك ولو ريد. وفي العام الماضي، حين سألها أحد الصحافيين الإسبان، خلال زيارته لمنزلها في مانهاتن، عن مشروعها التالي، أجابت: "سيكون قصصًا مصوَّرة".

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.