}

أديلا كورتينا: علينا أن نتحلى الآن بـ"الكرم الكونيّ"

ضفة ثالثة ـ خاص 31 مارس 2021
ترجمات أديلا كورتينا: علينا أن نتحلى الآن بـ"الكرم الكونيّ"
كورتينا في جامعة كولومبيا بعد منحها الدكتوراة الفخرية(semana)
"الأزمات الكبرى التي تطول الأخلاق المدنية والمسؤولية الفردية والجماعية تصلح أيضًا لإعادة التفكير في ما هو أساسي، وما يمكن الاستغناء عنه، ما هو جوهري أو سطحي"، هذا ما تراه أستاذة الفلسفة الإسبانية، أديلا كورتينا (بالينثيا، 1947)، وهي أستاذة الأخلاق في جامعة بالينثيا، ومديرة مؤسسة إتنور، والفائزة بجائزة خوبيانوس العالمية في الدراسات الفلسفية.
على طول مسيرتها العلمية والأكاديمية، انشغلت كورتينا بالفلسفة، كفعل مؤثر في المجتمع، وليست كأفكار متعالية، لذلك ربطت دراستها دائمًا بالاقتصاد والحرب والتمييز ضد المرأة والمهاجرين، وكانت المواطنة من أكثر الأفكار التي نظرت لها في العديد من كتبها الهامة، من بينها "المواطنون كأبطال"، و"الأخلاق المدنية والدين"، و"من أجل أخلاق الاستهلاك"، و"الجذور الأخلاقية للديمقراطية"، و"أبوروفوبيا: رفض الفقراء".
هنا، حوار أدلت به كورتينا مؤخرًا لبابلو بيلاثكيث، ونشرته جريدة "إثيك" الإسبانية، حيث تنتقد الدوغمائية الأيديولوجية، والقوميات التي ترفع الجدران بين المواطنين، لتؤكد: "هذه لحظة الاتحادات. الآن، أكثر من أي وقت مضى، يجب أن نمارس الكرم الكوني".
وتعرف أديلا كورتينا أن البلد الذي يدخل في حرب أهلية معرض دائمًا للدخول في حرب أهلية جديدة، مهما مرت السنون، لكن هذه المعرفة لا تخيفها، إنما تدفعها إلى مزيد من التأمل، والتوصل إلى أفكار من شأنها إعادة الوحدة والنظر إلى المستقبل.

 

أديلا كورتينا تقترح أخلاقًا عالمية لمواجهة التحديات العالمية مثل وباء كورونا


(*) كان أرسطو يقول "هدف الإنسان السعادة". ما وصفاتك لهذه الأيام الصعبة والأيام القادمة؟
كان أرسطو يذكر، أيضًا، أن صقل الشخصية أهم شيء لتحقيق السعادة. بالطبع، للحظ نصيبه، أيضًا. كذلك الثروة، هذا الذي يبقى خارج أيدينا. وفيروس كورونا لم يكن في أيدينا، ولا كنا ننتظره على الإطلاق. لكن الحقيقة أن صقل شخصيات الأفراد والشعوب أدى إلى تعامل أفضل مع الوضع، ولم ينته الحال بوضع درامي. بالتالي، أبدأ حديثي بالتذكير بأن صقل الشخصية رئيسي. وفي داخله، نتحدث عن الفضائل الشهيرة، وأكثرها تقليدية هي الحيطة، والعدالة، والتحصين والاعتدال. التحصين هام جدًا، وفي هذه الظروف نسيناه كثيرًا. التحصين يحتاج إلى حرثه. وينبغي فعل ذلك عبر التعليم، من خلال المدرسة، ومن الطفولة. يجب أن نحاول أن نكون أقوياء أمام هذا النوع من الكوارث، من أجل كل واحد فينا، ومن أجل الجميع، حتى نكون مسؤولين في ما يخص الآخرين، ونتمكن من مساعدتهم. لا بد أن نحاول فهم الوضع، وأن نمد يد قوتنا، ويد تضامننا واعتدالنا. في هذه اللحظة، لا نستطيع الخروج إلى الشارع، ولا فعل أشياء كثيرة نحبها، لذلك فالاعتدال مهم أيضًا. أعتقد أن الرسالة الرئيسية الآن أن نعمل على صقل شخصية الأفراد والشعوب لنستطيع مواجهة الكوارث. لقد ترك لنا القدامى نصيحة طيبة جدًا بحديثهم عن العدالة، والتحصين، والحيطة والاعتدال. بعد ذلك، يمكن أن نتكلم عن الحب والأمل، وكلاهما جزء من هذا الكل.



(*) تسببت الأزمة الأخيرة بخلق رديّ فعل من المجتمع: أحدهما إنساني وتضامني، والثاني خطاب تقسيم وكراهية ومواجهات مستمرة.
ما علينا البحث عنه في هذه اللحظة، سواء في إسبانيا، أو على مستوى العالم، هو ما يجمعنا، وليس ما يفرقنا. هؤلاء الذين يزرعون الصراع والاستقطاب يتسببون في أذى كبير. أذى كبير ليس فقط لأننا جميعًا في المركب نفسه، ومن يزرعون الصراع يؤذوننا جميعًا، وإنما لأن تعايشنا نفسه هش جدًا ونحن نحوله إلى حرب من الجميع ضد الجميع.

ما يجب أن نتعلمه، إن كنا نتعلم شيئًا، لأنه يبدو أحيانًا أننا لا نتعلم شيئًا من المصائب، هو أنه كفانا صراعات واستقطابات ومغالاة في تقدير العرق والحروب الطائفية والأيديولوجية. من فضلكم، علينا أن نبحث عما يجمعنا، وهو كثير، لأني أعتقد أننا جميعًا نقدر الحرية والمساواة والتضامن والحوار وبناء المستقبل. من فضلكم، هيا نبحث عما سماه أرسطو "الصداقة المدنية".



(*) في الوقت نفسه، من المهم أن نسلط الضوء في هذه اللحظة على أن النظرة النقدية والمسؤولة للسلطة عامل رئيسي، سواء لمواجهة الوضع الطارئ، أو لبناء ديمقراطية ومستقبل.
أتفق مع هذا تمامًا. إن البحث عما يجمعنا يقصد بالتحديد أن نتمتع بالنظرة النقدية. أن نكون نقادًا يعني أن نستطيع التمييز. ومن منطلق ما يجمعنا، علينا أن نذكّر كل فرد في الطبقات الاجتماعية ما واجبه وما حقوقه. أعتقد أن الساسة قد نسوا ذلك بإفراط. الساسة لا يجب أن يكونوا إطلاقًا أبطال حياتنا الاجتماعية، ولا يجب أن يكونوا هم مانحو وصفات السعادة. ما يجب عليهم فعله أن يكونوا مُخلّصين في الحياة اليومية حتى نستطيع نحن كأشخاص ومدنيين أن نتقدم في خطط حياتنا. لا يجب أن يجردونا من بطولتنا في الحياة. الديمقراطية هي بطولة المدنيين. بهذا المعنى، أعتقد أن على الساسة أن يتعلموا. وبالفعل، علينا أن نذكرهم بذلك كلما استطعنا. لقد فعلت ذلك قدر استطاعتي، وعلينا أن نواصل في فعل ذلك. ليسوا أبطالًا، إنهم ببساطة مُخلّصون واجبهم وضع أسس العدالة لنتمكن كأفراد من التقدم في خطط سعادتنا وحياتنا الجيدة. النقد هو الإدراك.



(*) في هذا المجتمع الملتصق بالإيجابية، ورفض الفقير، أو الأبوروفوبيا (الفوبيا من الفقير)، بحسب مصطلحك. هل ينعكس هذا، أيضًا، في رفض المريض والمصاب بالعدوى؟
هذا الوضع في إسبانيا الآن معقد جدًا في هذه اللحظة. الأشخاص المتضامنون يعانون لأنهم محبوسون في بيوتهم، وليس في وسعهم الخروج لمساعدة الوحيدين، هؤلاء الذين يحتضرون في دور المسنين والمستشفيات. غير أن الوضع الصعب يعيشه المصابون، لأننا كالعادة نفكر في تحسين الوضع من دون أن نفكر في الكوارث. الأبوروفوبيا تجد أرضها في عدم المساواة هذه، حيث البعض يعاني أكثر بكثير من الآخرين، لأنهم فقراء.


لكن أكثر ما يشغلني في هذا الوضع هو شعورنا بالعجز أمام مساعدة من يعاني، لأن أفضل مساعدة يمكن أن نقدمها أن نقترب من الآخرين. تربطنا بالآخرين روابط وعلاقات. ونتمنى أن نعيدها من جديد.



(*) أثارت الأزمة المالية موجة غضب كبيرة: المواطنون يشعرون بأن النخبة تخلت عنهم، ما أدى إلى بزوغ الحركات الشعبوية. هل تخافين من أن عودة هذا التخلي على المستوى العالمي سيؤدي إلى توطيد الشعبوية؟ وكيف يمكن تجنبه؟
هذه نقطة مهمة جدًا. عالم البيزنس سيتأثر جدًا. من ناحية، لأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بدأت في الإغلاق، وليس لسوء نية، وإنما ببساطة لغياب الزبائن، والعجز عن المقاومة. سيكون ذلك مقلقًا. بعد ذلك، سيكون هنالك من يستغلون الموقف. سيكون الوضع دراميًا، وعلينا أن نضغط على المؤسسات القوية حتى لا تطرد العمالة إنْ لم يكن ذلك ضروريًا، ألا يستغلوا الموقف. مسؤولية هذه المؤسسات تكمن الآن في الحفاظ على كل الوظائف. إنه لحظة تذكر "أخلاق المؤسسة" والمسؤولية الاجتماعية المؤسسية.



(*) يقول السوسيولوجي الألماني، أولريش بيك، إن نظام إنتاج الثروة يقودنا إلى مجتمع المخاطرة. ماذا علينا أن نغيّر؟
قبل مجتمع المخاطرة الذي يتكلم عنه أولريش بيك، أتفق جدًا في أن علينا التمتع بنظرة كوزموبوليتانية. لا توجد المخاطرة فقط في كل مجتمع من مجتمعاتنا، وإنما الآن، في لحظة تسليط الضوء على المشكلات، لا يمكننا أن نفعل ذلك من وجهة نظر مجتمعنا المستقل، أو أمتنا، أو بلدنا، بل من وجهة نظر عالمية. نحن عالم، بعضنا مربوط بالبعض الآخر. وكلنا تابعون لبعض، وهذا هو الدرس الأساس. علينا أن نتمتع بنظرة كونية أسميها، باتباع كانط، والإضافة إليه، "كرم كوني"، وهو أكثر ما نحتاج إليه الآن. ماذا نفعل مع كمية المهاجرين الذين يموتون في البحر المتوسط؟ إن مجتمع المخاطرة يبرهن لنا بالفعل أن المخاطر إما أن نعاملها بمنطق عالمي، أو سنجتث من جذورنا. إن دعوات الاستقلال والقوميات التي تقطع صلات بعضنا عن البعض الآخر دعوات بائسة.


ترجمة: أحمد عبد اللطيف.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.