}

الحجْر برفقة كافكا.. رهاب الأماكن المغلقة

صموئيل إيرل 3 أبريل 2021
ترجمات الحجْر برفقة كافكا.. رهاب الأماكن المغلقة
عرض وصور لكافكا في أكاديمية برلين للفنون (1966/Getty)
[كيف يقدم لنا هذا الكاتب العظيم دليلًا مرشدًا للعيش في زمن الوباء من خلال قصصه الخانقة التي تعاني شخصياتها، وتثير في قرائها، رهاب الأماكن المغلقة]

 

في "تقرير إلى أكاديمية"، قصة قصيرة نشرها فرانز كافكا عام 1919، يُلقي قرد يدعى "ريد بيتر" محاضرة في مؤتمر علمي، مسترجعًا فيها اصطياده في الغابة، ثم استيقاظه ذات يوم داخل قفص عاجزًا عن العودة إلى شكل الحياة القديمة الذي أحبه.
"لأول مرة في حياتي، لم أتمكن من إيجاد مخرج"، يقول القرد واصفًا أسره. "منتحبًا بيأس، باحثًا بألم عن البراغيث، لاعقًا جوزة هند بلا مبالاة، ضاربًا جمجمتي بالقفل، مادًّا لساني لكلّ من يقترب مني ـ على ذلك النحو، ملأت وقتي في حياتي الجديدة. لكن فوق ذلك كلّه، طغى شعور واحد وحسب: ما من مخرج".
في زمن الوباء الذي نعيشه اليوم، برزت مجموعة شبه رسمية من العرافين: ألبير كامو، دانييل ديفو، سوزان سونتاج، جوزيه ساراماغو؛ مجموعة من الكتاب الذين اكتسبت رواياتهم ومقالاتهم حول أمراض سارية ارتباطًا جديدًا، ووصلت إلى متلقّين جدد. أمّا كافكا، وعلى الرغم من أننا لا نعثر عليه في أي من هذه القوائم، فإننا نجد في حياته وكتابته نوعًا مختلفًا من الارتباط بالوباء الحالي: أقل حَرفيّة، وأكثر شمولية. لقد سكن هذا الكاتب عشًّا من العُصابات الشبيهة بتلك التي تسببها الأوبئة، جاعلًا من ذلك العشّ موطنه.
شخصيات كافكا عالقة في أغلب الأحيان ـ في قفص، في قضية محكمة، في جسد حشرة، في هوية زائفة ـ وهي تتشاطر الشعور بأن الجدران تطبق عليها، وأن بابًا، كان موجودًا في السابق، يتلاشى بعيدًا جدًا. رهاب الأماكن المغلقة الوجودي هذا، الذي كان غامضًا وحادًا في قصص كافكا، يتردد صداه اليوم، لا سيما في ظل الحجر الصحي.

وفقًا لقاموس Merriam-Webster، لوحظ مع بدء أزمة فيروس كورونا ازدياد واضح في عمليات البحث عن كلمة "Kafkaesque" (كافكاوي). يُستخدم التعبير غالبًا ليشير إلى سخافات البيروقراطية القاسية، إلا أن المعنى الكامل للكلمة أوسع من ذلك، ويصفُ، مثل كليشيه، الحالة التي تتخذ شكل حافة كابوسية مشؤومة وتبقى، مع هذا، اعتيادية، لتصبح بهذا أكثر إثارة للقلق.
في أسلوب القص الشبيه بالحلم عند كافكا، يتم تقديم الأحداث العنيفة والمقلقة على أنها طبيعية تمامًا، بل وحتمية؛ يتآمر العالم ضدك، ويأخذ مجراه الطبيعي في الآن ذاته. هكذا، يُترك القارئ مع هذا "التزامن المدوِّخ بين المستحيل والمجرى الطبيعي"، على حد تعبير الناقد إريك هيلر.
يُخضعنا الوباء اليوم لمثل ذلك التزامن المدوّخ ـ تبدو الحياة غير قابلة للتصديق ومتوقعة، خارجة عن المألوف ومُضجرة، ساكنة وفي حالة تغيّر دائم ـ لتغمر كافكاويّة عجيبة كلّ شيء. مع تلاشي العالم القديم والمألوف، وجدنا أنفسنا فجأة مثل ريد بيتر، أسيريّ حالة غريبة، مجبرين على التكيف مع شروط حياة جديدة.
تربط بنية الشعور المشتركة هذه مخيلة كافكا بلحظتنا الراهنة، دالّةً إيانا، إن لم يكن على طريقة للخروج من الأزمة، فعلى طريقة جديدة لعيشها، على أقل تقدير. عند كافكا، يفضي كل شيء، في آخر الأمر، إلى النتيجة ذاتها: ما من مهرب حقيقي قط.
قد تبدو مقارنة الحجْر بسبب فيروس كورونا مع الأسر الحقيقي فظّة بعض الشيء، لا سيما عندما يقوم أناس ذوو امتيازات خاصة بإجراء المقارنة. في نيسان/ أبريل 2020، انتُقِدت مقدمة البرامج التلفزيونية الأميركية إلين ديجينيرِس، لأنها قالت على سبيل المزاح إن العزل الذاتي في قصرها الذي تبلغ قيمته 15 مليون دولار هو "أشبه بالوجود في السجن". بعد ذلك بفترة قصيرة، حذّرت الناشطة أنجيلا ديفيس من تأطير حالتنا على هذا النحو.
مع هذا، ثمة في الحقيقة تشابه بين الحالتين. يعود تعبير "lockdown" (المستخدم اليوم ليدل على إلزام الناس بيوتهم وتطبيق الإقفال العام) إلى نظام السجون، حيث يُحجز المساجين في زنازينهم كعقوبة على أعمال شغب، أو إخلال بالنظام. ومثل حظر التجول، ينطوي هذا التعبير على القيام بفعل خاطئ، ويستدعي سلطة غير مرئية: "هل تتقيد بالحجر؟". في الوقت ذاته، فإن التوجيهات والقوانين المتعلقة بالفيروس والمتغيّرة باستمرار ـ إلى أي حد يمكنك أن تقترب من الآخرين، بمن تستطيع أن تلتقي، كيف يجب أن تبرّر مغادرة المنزل، إلى أين يمكنك السفر، لماذا يمكنك السفر، إلى آخره ـ من شأنها أن تضفي مسحة عبثية على الحالة جاعلة أعمال السلطة تبدو مبهمة ومتقلبة. "من المغيظ أن تحكمنا قوانين لا نعرفها"، كتب كافكا في قصته الرمزية القصيرة "مشكلة قوانيننا".

رجل يشاهد تمثال فرانز كافكا بعد يوم من افتتاحه  في براغ/ تشيكيا (5/ 12/ 2003/فرانس برس)


بهذا المعنى، ينطوي شعورنا بالاحتجاز على أكثر بكثير من وجود قيود رسمية على حريتنا: إنه يتعلق بوجودنا في عالم طارئ نكون فيه ـ لأن الحدود والشروط غير واضحة ومتغيرة باستمرار ـ عرضة دومًا للقيام بشيء ما على نحو خاطئ. هذان الشعوران ـ رهاب الأماكن المغلقة الذي لا يستلزم وجود قفص، والشعور بالذنب الذي لا يستلزم وجود ذنب ـ رئيسيان في سيكولوجيا الوباء، وهما يشكّلان كذلك أساس حياة كافكا وأعماله.



الرهينة
ولد كافكا في براغ عام 1883، في عائلة يهودية صاعدة اجتماعيًا. بعد دراسة الحقوق، عمل في النهار محاميًا في شركة تأمين. أما في الليل، فكان يكتب سرًا، وعلى نحو قهريّ، من دون أن ينشر أي شيء تقريبًا. في الأعمال التي خلّفها، المشؤومة والهزلية في الآن ذاته، نجد كاتبًا مسكونًا على الدوام بفكرة أنه يتعرض للمحاكمة، ومعذبًا بشعور أنه محتجز. يبدو أن كل شيء ـ بما في ذلك بنيته الطويلة والنحيلة التي استاء كافكا من ضعفها ـ كان يحتجزه كرهينة.

"يبدو لي أحيانًا أن دماغي ورئتي توصلا إلى اتفاق من دون علمي"، كتب كافكا إلى صديقه المقرب، الكاتب ماكس برود، بعد أن تم تشخيص إصابته بالسل عام 1917. "لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا النحو، قال الدماغ. وبعد خمس سنوات، قالت الرئتان إنهما على استعداد للمساعدة". حتى مسقط رأس كافكا كان يتحكم به. "براغ لا تفلتك"، كتب كافكا، "لهذه الأم الصغيرة مخالب".
لكن، من بين كل آسريّ كافكا، كان والده هِرمان هو أكثر من خيّم على مخيلته. كان هرمان، كما يروي ابنه، رجلًا غضوبًا، ضيّق الخلُق، ومتسلطًا. كما أنه لم يكن قاسيًا وحسب، بل مصرًّا كذلك بكل عناد أن على ابنه الحزين، والعصابي، أن يُظهر له مزيدًا من الامتنان لقاء الحياة الرغيدة ظاهريًا التي عاشها الابن.
في واحدة من ذكريات طفولته التي رواها بإسهاب في "رسالة إلى والدي"؛ رسالة مطوّلة في سبع وأربعين صفحة كتبها عام 1919، لكن لم يرسلها قط، يستذكر فيها كافكا أنه صرخ مرة وهو صبي صغير طلبًا لكأس من الماء في وقت متأخر من الليل. وأن والده أتى أخيرًا إلى غرفته، إنما فقط ليحمله ويحتجزه في الخارج. "لسنوات عديدة، عذبتني فكرة أن هذا الرجل العملاق، والدي، قد يأتي إليّ في الليل، من غير سبب تقريبًا، ويُخرجني من السرير"، كتب كافكا.
في يومياته، رسائله وقصصه، يتخذ خوف كافكا الدفين غالبًا هذا الشكل: سلطة شريرة كليّة القدرة تحتجز الضحية رهينة؛ سلطة ترفض الاعتراف بذات الضحية الحقيقية، أو قيمتها الفردية، وتعاقبها بصفاقة، لأن مجرد وجود هذه الضحية هو جريمة كافية. تحققت هذه الرؤية تمامًا في رواية كافكا غير المكتملة "المحاكمة" التي نُشرت عام 1925 بعد وفاته. في هذه الرواية، يستيقظ موظف بنك سيئ الحظ يدعى "جوزيف ك" على اعتقاله المفاجئ. وبما أن جريمته لم تُحدَّد قط، لا يستطيع جوزيف ك إثبات براءته. "لا تستطيع أن تدافع عن نفسك أمام المحكمة"، قيل له، "كل ما يمكنك فعله هو الاعتراف".
كل ما يمكنك فعله هو الاعتراف؛ لكن، حتى ذلك لن يكون كافيًا. لم يستطع كافكا أبدًا أن يجد مخرجًا من شعوره بالذنب وبرهاب الاحتجاز، رغم أنه قد لا يكون أراد ذلك حقًا. "أن ينتهي بي الأمر سجينًا؛ يمكن لذلك أن يكون مطمحَ حياة"، قال في إحدى يومياته. وفي رسالة إلى حبيبة كتب: "العالم الخارجي أكثر صغرًا، أكثر تحديدًا، أكثر حقيقية، من أن يحتوي كل ما يمتلك المرء متسعًا له في الداخل".

شبّه المنظّر الاجتماعي ثيودور أدورنو مرة أدب كافكا بـِ"حكاية رمزية سُرق مفتاحها". "كل جملة تقول: فسّرني"، كتب أدورنو، "لكن أيًّا منها لا تسمح بذلك". والمقارنة محقة: قلما تجد شخصيات كافكا نفسها على الجانب الصحيح من الباب المقفل. كما أن قصصه تخلّف غالبًا لدى القارئ الانطباع نفسه؛ البحث بيأس عن مفتاح.

كتب فرانز كافكا معروضة في متجر سياحي في براغ/ تشيكيا (19/ 10/ 2007/فرانس برس)


يُترجم عنوان رواية كافكا الثالثة وغير المكتملة Das Schloss إلى "القلعة"، لكنه يمكن، أيضًا، أن يعني "القفل". وتظهر مخطوطات أولية أن كافكا قام بتمشيط النص لكي يجعل كل شيء فيه: "ein wenig unheimlich" (غريبًا قليلًا)، على حدّ تعبيره. "أحاول دومًا أن أوصلَ شيئًا لا يمكن إيصاله، أن أفسّر شيئًا لا يمكن تفسيره"، كتب كافكا.
ما من أجوبة سهلة في روايات كافكا المبهمة، بل محض متاهة من الأسئلة غير القابلة للإجابة، وربما غير القابلة للسؤال. "لعلّي أسيء تفسير معنى سؤالي"، يتساءل الراوي "ك" في رواية "القلعة"، بينما يسعى باستماتة لأن تعترف به السلطات الغامضة في البلدة مجهولة الاسم التي استدعي إليها.

يتّبع "ك" كل وسيلة ممكنة، حتى أنه يتخذ عملًا مؤقتًا كحارس مقيم في مدرسة محلية. لكنه يغدو مرهقًا للغاية جرّاء سعيه للاعتراف به، حدّ أنه عندما يقابل، بمحض الصدفة، المسؤول المناسب، في الوقت المناسب، في المكان المناسب، يغلبه النعاس. لقد ضاعت اللحظة.
معنى الرواية، كما العادة، مُضلّل. بالنسبة إلى ماكس برود، رواية القلعة "عبّرت عن حال اليهود اليوم أكثر مما فعلت مئة أطروحة متعمقة". ووفقًا للباحث في مجال الكابالا غرشوم شوليم، هنالك فقط ثلاث نصوص يهودية معتمدة: الكتاب اليهودي المقدس (التناخ)، الزوهار، وأعمال كافكا. إلا أن كافكا لا يذكر اليهودية بشكل صريح في أي من قصصه. وتبعًا لموقفك، أو مبتغاك، تستطيع أن تحدد فيما إذا كانت قصص كافكا تصيب صميم التجربة اليهودية، أو الحالة المعاصرة بشكل عام، أو حتى، ببعض المبالغة، الشرط البشري ذاته.
إن عدم وجود مفتاح ملائم هو تحديدًا ما يولّد لدى العديد من القراء شعورًا بأنه، إذا أمكن فتح قفل باب قصص كافكا بطريقة ما، فسوف يكشف أسرار العالم كلّها. يغذّي هذا الإيمان الصوفي ما يدعى "طائفة كافكا" التي يقوم فيها القراء المخلصون بدور المفسّرين، محاولين فك رموز معنى هذه النصوص المقدسة. وبما أن الشخصيات الرئيسية عند كافكا هي غالبًا عبارة عن أنماط أولية مجهولة الاسم ـ أشخاص (أو حيوانات) لا تنتمي إلى مكان معين، مجردة من ماضيها، مستقبلها، ومظهرها الجسدي، وتُعرف فقط بألقاب مثل "مسّاح الأراضي"، "فنان الجوع" أو "ك" ـ فمن الطبيعي تأويلها كحكايا رمزية، أو أمثال. من جهة أخرى، يمُعَن التفكير في أقوال كافكا المأثورة، وشذراته غير المكتملة، كما لو كانت مخطوطات عتيقة؛ (جُمعت مؤخرًا مجموعة جديدة منها تحت عنوان "الكتابات المفقودة"، من قبل كاتب سيرته راينر شتاخ).
أودى السل بحياة كافكا عام 1924، وكان في عمر الأربعين حينها. وقد تكون أمنيته الأخيرة هي أشهر الحقائق المعروفة عن حياته. في رسالة كتبها إلى برود، طلب كافكا أن تُحرق أعماله غير المنشورة ـ وهي تشكّل أغلب كتاباته ـ قبل أن تُقرأ. إلا أن برود، بدلًا عن ذلك، عكف على نشرها جميعًا. برود الذي هرب من النازية إلى فلسطين عام 1939، وفي حوزته أوراق كافكا، أكّد أن تلك لم تكن خيانة: لو أن صديقه أراد بالفعل أن تنفذ وصيته الأخيرة، لكان طلب من شخص آخر أن يتولى ذلك. على أية حال، عجز كافكا التام إزاء قرار برود كان بمثابة إشعار موافقة له ليمضي في الأمر.



غياب الخاتمة
بما أن كثيرًا من قصص كافكا بقيت غير مكتملة، فالنهايات فيها غالبًا هي اختلاقات غير متقنة أضافها برود بعد وفاة كافكا. المسودة الأصلية لـ"القلعة"، على سبيل المثال، كانت تنتهي في منتصف جملة. على نحو ما، تلك هي الطريقة التي يجب أن تنتهي بها كل قصص كافكا؛ بما أنها عبارة عن كوابيس، وبما أن الأحلام تنتهي فجأة ـ تُقاطع ولا تكتمل ـ فإن أي خاتمة سردية محكمة سوف تبدو زائفة.
غياب الخاتمة يتردد صداه اليوم أيضًا. في بداية الجائحة، كان من الممكن تخيُّل نهاية سعيدة: لحظة تعود فيها الحياة الطبيعية، ونعود لنجتمع في بيوتنا ونتحدث عن مدى صعوبة الأمر، ومدى سعادتنا بأنه انتهى. وكانت تلك لتكون واحدة من الخواتيم التي سخر منها هنري جيمس بوصفها "توزيعًا في النهاية للغنائم، المعاشات، الأزواج، الزوجات، الأطفال، الملايين؛ فقراتٌ مضافة وتعقيباتٌ مبهجة".
أما الآن، حتى في خضم عملية نشر اللقاح، ليس ثمة مثل ذلك الشعور بالنهاية. كلما مضينا أكثر، بدا أن الباب الذي اعتقدنا أنه سيقودنا خارج الوباء يتوارى بعيدًا. ثمة شكوك حول فعالية اللقاحات ضد أشكال الفيروس الجديدة التي تستمر بالظهور، وقد تم تحذيرنا أنه قد يكون هناك مزيد من الأوبئة. هكذا، وكما تختبر كثير من شخصيات كافكا، اللانهائية، وليس المضمون، هو جوهر الصراع. الوباء، مثل براغ، لن يفلتك: لهذه الأم الصغيرة مخالب.

بعد موت كافكا عام 1924، أضفت أهوال النازية في أوروبا على كتاباته قوة تنبؤية جديدة، ومُنعَت قصصه. ومع قيام سلطة واسعة ومنيعة بوضع شعب بأكمله موضع الإدانة، منزلة بهم عقابًا سرياليًا ومنهجيًا في الآن ذاته، شعر عديدون أن رؤى كافكا الكابوسية قد تحققت. "أليس من الطبيعي أن يغادر المرء مكانًا يكون فيه مكروهًا جدًا؟" تساءل كافكا عام 1920، بعد أعمال شغب معادية لليهودية في براغ. "مع هذا، بطولة البقاء هي بطولة الصراصير التي لا يمكن اجتثاثها حتى من الحمام"، (في إشارة إلى رواية المسخ).
لكن، مع انتهاء الحرب، أصبحت لقصص كافكا قوة مخلّصة على نحو غريب في ألمانيا، وارتفعت مبيعات كتبه. كان غانثر أندِرس، زوج حنة آرندت الأول، متشككًا بـِـ"جائحة كافكا" هذه. واعتقد أن الألمان وجدوا في شعور الذنب الوجودي الهائم بلا هدف في قصص كافكا ـ العقاب الأزلي من غير وجود إثم ـ وسيلة للتنصل من مسؤولية أفعالهم. إذا كان محكومًا علينا جميعًا أن نُعاقب بعبثية، فأيّ فارق تشكّله أفعالنا؟ "تأليه كافكا ميّع حقيقة أن ملايين من أبناء جلدته قد قتلوا"، كتب أندرس.
قد تحمل رؤى كافكا اليائسة اليوم نوعًا مختلفًا من العزاء، فربما لا تكون أكثر من نظرة عارفة تدرك قساوات الحياة: لا مبالاة العالم التآمرية، قدرته الفريدة على ركلك عندما تكون محبطًا واعتباره ذلك مجرد حادث؛ إحساس الكوميديا السوداء الذي يخبرك بأنه مهما ساء الأمر، ثمة دومًا ما هو أسوأ في الطريق إليك. "في الصراع بينك وبين العالم، قفْ في صف العالم"، ينصح كافكا.
مع هذا، عرف كافكا أيضًا كم يمكن لإرادة الاستمرار أن تكون قوية وعنيدة. في "تقرير إلى أكاديمية"، إحدى القصص القليلة التي أكملها كافكا وهو على قيد الحياة، يصف ريد بيتر تصالحه مع عالمه الجديد في الأسر: "بيديّ في جيوب بنطالي، وزجاجة نبيذي على الطاولة، أقبع بين جالسٍ ومستلقٍ في كرسيّ الهزّاز وأحدق عبر النافذة". القرد، بطرق عدة، هو بمثابة نُصب لفن المرونة ـ والخضوع ـ الكافكاوي. "وهكذا أيها السادة، تعلمت أشياء"، يقول القرد. "حسنٌ! يتعلم المرء عندما يتحتم عليه ذلك؛ يتعلم المرء عندما يحتاج إلى مخرج؛ يتعلم المرء مهما كلّف الأمر".

صموئيل إيرل: كاتب صحافي في عدة صحف هامة، منها الغارديان، ونيويورك تايمز. تتناول كتاباته خصوصًا السياسات البريطانية، الفلسفة والأدب. محاضر في كلية لندن الجامعية (UCL) منذ 2019. نال جائزة (Political Theory Prize) التي تُمنح سنويًا على الإسهام في مجال النظرية السياسية. يعيش اليوم في لندن.

رابط النص الأصلي:
https://www.newstatesman.com/culture/books/2021/02/locking-down-kafka


ترجمة: سارة حبيب.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.