}

ما هي الآثار الفعلية التي يتركها الفنّ فينا؟

إلين وينر 16 يوليه 2021
ترجمات ما هي الآثار الفعلية التي يتركها الفنّ فينا؟
(من صالة متحف بوسطن - نيويورك تايمز)

سيناريو 1: افترض أنك كنت تحدّق بتركيز في لوحة رامبرانت "بورتريه ذاتي" (1659) المعلّقة في المعرض الوطني للفنون في واشنطن العاصمة، ثم قيل لك إن هذه في الحقيقة لوحة رسمتها آلة تعلّمٍ عميق استدخَلتْ أسلوب رامبرانت عبر عرض لوحاته عليها. عندها، ستشعر في الحال أن ثمة شيئًا ما قد فُقد. وسينزع المتحف اللوحةَ عن جدرانه بالتأكيد. فما هو الشيء الذي فُقِد يا ترى؟

سيناريو 2: تم مؤخرًا العثور على آلاف اللوحات التي تغطي تقريبًا مسافة ثمانية أميال على جروف نائية في الغابات الأمازونية المطيرة، وقّدر عمرها بحوالي 12.500 سنة. يصوّر فن الجرف الأمازوني ذاك بشرًا يرقصون ويشبكون الأيادي، بالإضافة إلى حيوانات الماستودون المنقرضة الآن، أحصنة العصر الجليدي ذات الوجوه الغريبة (بضع اللوحات شديدة التفصيل حدّ أن شعر الحصان ظاهر فيها بوضوح) وحيوانات الكسلان الضخمة؛ كائناتٌ شبيهة بالمخلوقات العجيبة في لوحات هيرونيموس بوش. وقد تصدّر ذلك الاكتشاف العناوين الرئيسية. إن الوقوف وجهًا لوجه قبالة هذه الصور الحقيقية المرسومة على الصخور هو شيء مثيرٌ بالفعل. لكن، إذا تبيّن أن اللوحات ليست إلا خدعة، فسيتوقف شعورنا بالإثارة؛ الإثارة التي يسبّبها تخيّل بشر ما قبل التاريخ، الشبيهين بنا ربما، وهم يرسمون تلك اللوحات.

بالنسبة إليّ، كاختصاصية في علم النفس ذات اهتمام خاص بالفنون ودراية بها، أرى أن افتتاننا بالفن يطرح سؤالين جوهريين ينتظران جوابًا منذ أمد بعيد؛ وهما سؤالان استحوذا على الفلاسفة، علماء النفس، ومحبي الفن. أولًا، لماذا ننجذب للغاية إلى الأعمال الفنية؟ لا شكّ في أن جمالها هو السبب بالطبع. لكن، لا يمكن أن يكون ذلك كلّ شيء، كما تُظهر التجارب المفترضة أعلاه. ثانيًا، أي نوع من التأثيرات النافعة والقابلة للإثبات يمكن للانكباب على الفنون أن يتركها فينا، إذا ما وجدتْ مثل هذه التأثيرات؟

لماذا نهتم كثيرًا بالفن؟

بالنسبة إلى السؤال الأول - لماذا نهتم كثيرًا بالفن؟- أرى أننا منجذبون إلى الأعمال الفنية لأنها تربطنا مباشرة بالعقل المتخيَّل للفنان الذي صنعها. فنحن نعتقد أن الفنانين يقصدون شيئًا ما بما ينتجونه، حتى لو كان من الصعب أحيانًا تبيّن المعاني المقصودة. وهكذا، كلما اعتبرنا شيئًا عملًا فنيًّا، وليس حالة عرضية أو مصنوعًا وظيفيًّا، نقوم أوتوماتيكيًا بمحاولة تأويله باعتباره يحمل قصديّة ودلالة ما.

وعندما ننظر إلى لوحة لِرامبرانت، نشعر كما لو أننا نقرأ رسالة أرسلها هذا العبقري العتيق إلينا في الحاضر. فضربات الفرشاة إشارات إلى الكيفية التي تحركت بها ذراعه عندما كان يرسم، وكيفية تحرّك ذراعه يمكن قراءتها كتعبير عن حالته الذهنية عندما خلق اللوحة. توحي بورتريهات رامبرانت الذاتية أيضًا بنوعٍ من التأمل الذاتي. فنشعر أن بوسعنا أن نلمس إدراكه لكيف يبدو في عيون الآخرين، ونفهمَ تحليله الذاتي الثاقب من خلال سلسلة البورتريهات التي رسمها لنفسه مع تقدمه في العمر. كذلك، يثير النظر إلى اللوحات الصخرية الأمازونية ردود فعل مماثلة. فنحاول أن نتخيل بماذا كان يفكر فنانو ما قبل التاريخ هؤلاء بعقولهم المشابهة لعقولنا، بماذا كانوا يشعرون، وماذا كانوا يقصدون بأفعالهم في رسم هذه الصور؟

"بورتريه ذاتي"، رامبرانت، 1659 


من المعروف أيضًا أن الناس يكرهون الأعمال المزوّرة. وفي هذا المجال، يستعرض وثائقيان حديثان، "منساقون للتجريد" (2019) و"لقد جعلكَ تنظر: قصة حقيقية عن الفن المزيّف" (2020)، أكبر وأنجح فضيحة تزوير فني مزور عرفتها الذاكرة البشرية. فعلى مدى أكثر من عشر سنوات منذ عام 1994، أحضرت امرأة حوالي أربعين لوحة إلى غاليري نودلر المرموق في نيويورك، قائلة إنها تمثّل جامع لوحات غني يرغب في أن يبقى مجهول الهوية. كانت اللوحات بتوقيع الفنانين الأكثر شهرة في القرن العشرين؛ مارك روثكو، جاكسون بولوك، روبرت ماذرويل، فرانز كلاين، كليفورد ستيل، وآخرين. وكانت مالكة المعرض، حسب قولها، مبهورة بجمال هذه الأعمال. ولهذا اشترتها كلّها وبأسعار منخفضة للغاية، إذ قيل لها إن جامع اللوحات مجهول الهوية لا يهتم بالمال. وفي وقت لاحق، عرض غاليري نودلر هذه اللوحات في مزاد علني لقاء ملايين.

قد يكون الغاليري تغاضى عن، أو تستّر على، حقيقة أن تلك اللوحات لم تكن مرفقة بأي إثبات حول كيفية امتلاك جامع اللوحات المجهول لها. وعلى الرغم من أن بعض الخبراء الفنييّن قالوا إن الأعمال بدت أصلية، عارض آخرون ذلك. على أية حال، بيعت اللوحات في مزاد في مقابل ما مجموعه حوالي 70 مليون دولار. وتم خداع غالبية عالم الفن رفيع المستوى. ثم، شيئًا فشيئًا، ظهرت الحقيقة، منتهية باعتراف المرأة التي أحضرت اللوحات إلى الغاليري أمام المحكمة. إذ أقرّت بأن الأعمال هي لوحات مزيفة رسمها بي شين شيان، وهو رسام من الصين يعيش في كوينز، نيويورك. وجدير بالذكر هنا أن رسم لوحات مزيفة ليس مستهجنًا عادة في الصين - بل إنه تخصصٌّ لبعض الفنانين- حتى أن أحد الفيلمين الوثائقيين يأخذنا إلى واحد من الاستديوهات الصينية التي يتم فيها إنتاج لوحات مزيفة بأعداد كبيرة.

كان جامعو اللوحات الذي تم خداعهم غاضبين. لكن السؤال هنا: طالما أنهم في البداية وجدوا اللوحات جميلة للغاية وأخاذة، لماذا يهتمون إن كانت مزورة؟ لا بدّ أن أحد الأسباب هو فقدان اللوحات للقيمة المادية: ما كان يمكن أن يساوي الملايين باعتباره لوحة أصلية تصبح قيمته لا شيء تقريبًا حين يُكتشَف أنه مزور. هنالك أيضًا احتمال أن اللوحة الجميلة تفقد بعض جمالها عندما ننظر إليها ونحن نعلم أنها مزورة؛ يبدو كما لو أن سمتي الاحتيال واللاأخلاقية السلبيتين تتسربان إلى الإغراء الجمالي للوحة. كذلك، هنالك مسألة التفاخر التي تحدث عنها آرثر كوستلر عام 1964. إذ لاحظ كوستلر أن صديقته قامت بتعليق لوحة تملكها في مكان بارز، بعد أن علمت أنها لوحة أصلية وليست مجرد نسخة مطبوعة بأعداد كبيرة، على الرغم من أن اللوحة لم تتغير على نحو ملموس. لكنّنا بالطبع لا نكره اللوحات المزورة التي اشتريناها وحسب؛ نحن نمقت أيضًا اكتشافها على جدران المتاحف، وبالتأكيد لا يمكن أن يكون الأمر متعلقًا بالتفاخر عندما لا يكون هنالك ملكية.

ثمة سبب آخر، أكثر عمقًا، وراء كراهيتنا للوحات المزورة: إذا كانت الأعمال الفنية بالفعل متصلة على نحو وثيق بما نتخيل أنه العقل الذي صنعها، فهذا يعني أن النسخ واللوحات المزورة، مهما تكن درجة إتقانها، لا تتمتع بذات السطوة علينا. إن النسخ التي رسمها شخص آخر غير رامبرانت لا تُشعرنا بأننا نتواصل على نحو مباشر مع عقل رامبرانت.

ملصق فيلم "لقد جعلكَ تنظر: قصة حقيقية عن الفن المزيّف" (2020)  


بالإضافة إلى ذلك، قام فريقي البحثي مؤخرًا بإجراء تجربة لاستبعاد التفسيرات المتعلقة بالقيمة النقدية وبمسألة اللاأخلاقية. بداية، كان علينا أن نتوصل إلى طريقة لتجريد اللوحات المزورة من افتقارها للقيمة النقدية ومن الجانب اللاأخلاقي فيها. هكذا قررنا أن نسخة مطابقة رسمها مساعد الفنان، وموقعة من قبل الفنان الفعلي، ولها نفس قيمة اللوحة الأصلية في سوق الأعمال الفنية، ستكون موضّحة للفكرة. ومن أجل تحاشي وصمة اللاأخلاقية، أخبرنا المشاركين في التجربة أن استخدام مساعدين لرسم لوحات لفنانين مشهورين هو شيء مألوف في عالم الفن. ثم طلبنا إليهم أن يقيمّوا أخلاقية النسخ، لكي نتأكد أنهم صدقونا. هكذا تكون النسخة التي نستخدمها في التجربة شبيهة بلوحة مزيفة، لكنها لن تكون لا أخلاقية، وسيكون لها ذات القيمة المادية كاللوحة الأصلية. كذلك، عرضنا على المشاركين الصورة ذاتها مرة أخرى، وأخبرناهم هذه المرة أنها نسخة عن اللوحة الأصلية رسمها الرسام ذاته. وكان السؤال الرئيسي هنا فيما إذا كانت النسخة التي صنعها المساعد أقلّ قيمة قياسًا بالنسخة التي صنعها الرسام.

وبالفعل، قيّم المشاركون النسخة التي رسمها الفنان على أنها أكثر إبداعًا، أكثر أصالة، وأكثر تأثيرًا من النسخة التي صنعها المساعد. ولا بدّ أن يكون هذا التفضيل منفصلًا عن القيمة النقدية (بما أن النسختين لهما ذات الثمن)، ومنفصلًا عن التقييم الأخلاقي كذلك، بما أننا حيدّنا إحصائيًا تأثير أي تقييمات أخلاقية منخفضة لفعل المساعد. فعلى أي أساس، إذًا، يمكن أن تكون نسخة المساعد المطابقة أسوأ من نسخة الرسام المطابقة، على الرغم من أن أيًّا من اللوحتين ليست أصلية؟

التفسير الوحيد المتبقي هو أن الناس يعتقدون، وإن كان ذلك غير منطقي، أن الرسامين يصبغون أعمالهم بجوهرهم في لحظة الخلق، حتى لو كانت تلك الأعمال نسخًا نقلها الفنان عن عمله الأصلي. كتب عالم النفس بول بلوم ذات مرة عن هذا النوع من الاعتقاد اللامنطقي بالإشارة إلى ما يدعوه "الجوهرية". تفسّر الجوهرية تفضيلنا للأشياء التي لها تاريخ خاص، ويعود ذلك إلى نوع من التفكير السحري المبني على قصة اتصالٍ سببية. إن ذلك الاعتقاد بأن لبعض الأشياء جوهرًا داخليًّا يفسّر تفضيلنا للأشياء ذات القيمة العاطفية: إذا فقدتُ خاتم زفافي، لن أكون راضية تمام الرضى ببديل مطابق له؛ وإذا فقدتْ طفلة دبها المحشو المهترئ، لن يخفف عنها دبٌ جديد. أما في حالة العمل الفني، فالاعتقاد بجوهر الفنان يجعلنا نشعر أننا نتصل بعقل الفنان. ويبلغ ذلك التبجيل للأشياء الأصلية حده الأقصى، وعلى نحو عبثي، في الهوس الجديد تجاه ما يدعى "NFTs" (التذكارات غير القابلة للاستبدال)، حيث ينفق الجامعون والتجار مبالغ مالية هائلة لقاء "ملكية" فردية لأعمال فنية رقمية يستطيع أي شخص تحميلها مجانًا. وبما أنه لا يوجد شيء اسمه النسخة الأصلية من ملف رقمي، يستطيع الفنان الآن أن يصادق على أن الملف هو "النسخة الأصلية" الواحدة والوحيدة، ويجني ثروة. وسنعرف مع الوقت إن كانت هذه مجرد بدعة عابرة أو طريقة جديدة لترسيخ الشعور بعلاقة مع عقل الفنان الرقمي.

"غيرنيكا"، بيكاسو، 1937 


إن ذلك التبجيل للأصلي ليس عالميًا. فالتعامل مع الأصلي على أنه استثنائي ومقدس هو توجه غربي. أما في الصين واليابان، على سبيل المثال، فمن المقبول صنع نسخ طبق الأصل من أعمال فنية، وهي ثمينة بقدر الأصلية؛ لا سيما أن الأصلي القديم قد يتلف بمرور الزمن، في حين أن نسخة جديدة ستُظهر لنا كيف كان العمل يبدو في البداية. وكما ذكرنا سابقًا، هنالك استديوهات في الصين يُستعان فيها بفنانين خصيصًا من أجل صنع لوحات مزيفة. أما الثقافة الغربية فتعلمنا أن نستجيب للأعمال الفنية من خلال استنباط العقل الكامن وراء الفن.



ما هي الآثار النافعة المحتملة للفن؟

أما بالنسبة إلى السؤال الثاني - ما هي الآثار النافعة المحتملة للفن؟- فيبدو من المعقول بديهيًا أن نقول إن للفن تأثيرًا إيجابيًا في صحتنا العقلية وعافيتنا، وأنه يجعلنا بشرًا أكثر رأفة وتعاطفًا. ولقد تبيّن أن هنالك بعض الأدلة التي تدعم القول بأن للفن أثرًا في منحنا العافية والسلامة النفسية، أما الأدلة التي تتعلق بالتعاطف فلا تزال مطلوبة.

سيتفق الكثيرون بالطبع على أن الفن، رغم أنه ليس ضرورة بيولوجية مثل الطعام والنوم، إلا أن صنعه والاستجابة له أنشطة هامة للازدهار البشري. لكن، كيف يمكن أن يكون للفن مثل ذلك التأثير فينا، وهل ثمة من أدلة على ذلك؟ سأقدم ها هنا دليلًا على الكيفية التي يحسّن بها الفن عافيتنا بطريقتين متناقضتين ظاهريًا؛ بمساعدتنا على الهرب من ناحية، وبجعلنا نواجه العواطف السلبية ونفهمها من ناحية أخرى.

أولًا، لنأخذ فكرة الفن كمهرب. اعتقد أرسطو أن التراجيديات المسرحية تؤثر فينا عن طريق التطهير؛ إنها تحفزّ فينا مشاعر الشفقة والخوف التي تزول بعد ذلك في نهاية المسرحية، تاركة إيانا مرتاحين. بالإضافة إلى ذلك، يستخدم المعالجون بالفن صنعَ الفن لمساعدة الناس على تجاوز الصدمات النفسية. لكنْ، هنالك طريقة معاكسة تمامًا لكيفية تأثير الفن فينا، وذلك عبر الهروب. قد نفكر بالهرب كنوعٍ من التهرّب، لكنه يلعب دورًا هامًا في منحنا العافية والسلامة النفسية. فعندما يتيح لنا الفن أن نهرب، يأخذنا من عالمنا اليومي إلى واقع آخر. وهذا هو السبب في أن الكثيرين منا لا يستطيع الخلود إلى النوم من دون دخول عالم تخييلي، سواء أكان ذلك عبر رواية أو مسلسل تلفزيوني.

وقد أظهرت دراسة قامت بها عالمة النفس جينيفر دريك، إحدى طالباتي لنيل درجة الدكتوراه سابقًا وأستاذة مساعدة حاليًا في جامعة بروكلين، الآثار العاطفية النافعة للهروب بواسطة صنع الفن البصري. في تلك الدراسة، طُلب إلى البالغين والأطفال أن يفكروا بتجربة شخصية حزينة ومزعجة للغاية، ثم أن يرسموا إما عن تلك الذكرى الحزينة، أو عن شيء مختلف تمامًا. وقد أبلغوا في نهاية التجربة عن حدوث تغير مزاجي إيجابي (تم قياس مزاجهم بواسطة الإبلاغ الذاتي قبل تجربة الرسم وبعدها). غير أن أكثر ما يثير الاهتمام هو أن تحسّن الحالة المزاجية لوحظ أكثر عندما ساعد صنع الفن الناسَ على الهرب من التفكير بحزنهم - أي عندما تمكنوا من التفكير في شيء مختلف عن الذكرى الحزينة- وليس عندما استخدموا الفن ليركزوا على حزنهم. تُظهر نتيجة هذه الدراسة، والتي تم إعادتها مرارًا، أن صناعة الفن عندما نكون حزينين تجعلنا نشعر بحال أفضل، وذلك بأخذنا بعيدًا عن هذه المشاعر المزعجة، بدلًا عن جعلنا نركّز عليها ونتعامل معها.

ثانيًا، لنأخذ فكرة أن الفن يتيح لنا أن نفهم المشاعر السلبية. لطالما تساءل الفلاسفة عن سبب سعينا وراء الفن الذي يضعنا أمام صور وقصص عن المعاناة، في حين أننا نتجنب أن نكون شهودًا على مثل تلك المعاناة أو أن نحسّ بها في حياتنا الحقيقية. لماذا نحب بورتريه رامبرانت الذاتي (1659) والذي يظهر فيه رجلًا عجوزًا كئيبًا، حزينًا، وقلِق الهيئة؟ هل نستمتع بالحزن الذي يجعلنا هذا العمل نشعر به؟ تاليا غولدشتاين - أيضًا واحدة من طالباتي سابقًا، وأستاذة مساعدة اليوم في جامعة جورج مايسون، فرجينيا- حاولت أن تكتشف الاختلافات بين تجربة الحزن الشخصي وتجربة الحزن الذي يسبّبه الفن. طلبت تاليا من المشاركين في التجربة أن يقيّموا شعورهم بالحزن والقلق أثناء تفكيرهم في ذكرى شخصية حزينة للغاية، وأثناء مشاهدتهم لمقتطفات فيلمية مأساوية. وقد شعر المستجيبون للتجربة بالقدر ذاته من الحزن بسبب الأفلام وبسبب الذكريات السيرية الذاتية. غير أن ما ميّز الاستجابة للذكريات الذاتية هو أنها أثارت أيضًا شعورًا بالقلق. أما الحزن الناجم عن الأفلام، والذي أسقط الناس فيه ذواتهم على عوالم الآخرين، فقد أسفر عن حزن صرف غير مختلط بشعور القلق المنفِّر.

"الثالث من مايو 1808، مدريد" غويا  


كذلك، قدم لنا عالم النفس وينفريد مينينغهاوس ما أسماه نموذج الـــ "إبعاد- احتواء" من أجل تفسير انجذابنا للفن الذي يستحثّ فينا مشاعر سلبية. لقد تبيّن أن المشاعر السلبية تقسر انتباهنا، تزيد من تورطنا العاطفي، وتجعل الفن أكثر قابلية للتذكر وأكثر إثارة للمشاعر (والشعور المُستثار هنا يصبح مبهجًا). ولأننا نعرف أن ما نختبره هو فن، أي نوع من الإيهام، ننأى بأنفسنا عن هذه المشاعر ونبقى متحكمين بها. إن الفن يدعونا لأن نحتوي المشاعر السلبية ونتقبّلها لأنها تحدث في منطقة آمنة؛ أي من دون أي عواقب فعلية على حياتنا. فنحن نعرف أنها مجرد إيهام. أشار عالم النفس بول روزين إلى هذه الحالة باسم "المازوشية الحميدة" في سياق آمن؛ بمعنى أننا باحتواء المشاعر السلبية، نتلذّذ بها، ونفهمها على نحو أفضل.


فكرة الفن/ التعاطف

السؤال أيضًا: إذا كان الفن جيدًا لعافيتنا، هل يمكن له أيضًا أن يجعلنا نتصرف على نحو أكثر تعاطفًا؟ وإذا كان الفن يربطنا بعقل المبدع، أليس ذلك شكلًا من التعاطف؟ المشكلة في فكرة "الفن يخلق التعاطف" أنها تعني أكثر من الارتباط بعقل الفنان. إنها تعني أيضًا التصرف على نحو أكثر رأفة (أو تأييد سياسات أكثر رأفة) بنتيجة الاتصال بحالات الآخرين العقلية.

لكن، لا تكون فكرة الفن/ التعاطف معقولة إلا عندما نقابل فنًا عن المعاناة والظلم. الفنان البريطاني لوك جيرام صنع منحوتة لرجل ينام تحت ملاءة (مصنوعة من الزجاج) فوق قطعة من الورق المقوّى، وترك تلك المنحوتة في شارع في مدينة بريستول. ومن المفترض أنه كان يقصد زيادة الوعي في شأن مسألة التشرد، وربما حثّ الناس على فعل شيء إزاء ذلك. ولوحة بابلو بيكاسو الزيتية "غيرنيكا" (1937) تصوّر الدمار الذي حلّ ببلدة إسبانيّة جرّاء القنابل الألمانية؛ في حين أن لوحة غويا التي رسمت عام 1814 وتحمل اسم "الثالث من مايو (أيار) 1808" تصوّر جنودًا إسبان يجري إعدامهم من قبل جيش نابليون. والسؤال هنا: هل تحوّلنا هذه الأعمال إلى دعاة للسلام؟ وهل يجعلنا النظر إلى بورتريه رامبرانت الذاتي كرجل عجوز أكثر رأفة تجاه المسنّين؟

على الرغم من أن فكرة الفن/ التعاطف هي عن الفنون بوجه عام، إلا أنها غالبًا ما ترتبط بالفنون السردية؛ الأدب، الأفلام، المسرح. في مقابلة مع الفيلسوفة مارثا نوسباوم، تقول إنها تعتقد اعتقادًا جازمًا أن الأدب يجعلنا أكثر تعاطفًا، لأنه يدرب قدرتنا على أن نضع أنفسنا مكان الآخرين. وفي نقش على لوحة معدنية في مسرح في سان فرانسيسكو نقرأ التالي:

"مسرحنا صالة تدريبٍ على التعاطف. إننا نأتي إلى هنا لنمرّن قدرتنا على الرأفة... وبينما نعبر هذه الأبواب، نأخذ معنا قدرة أكبر على الفهم من أجل جعل مجتمعنا مكانًا أفضل".

وفي مقابلة إذاعية معه، قال عالم الأعصاب جميل زكي - باحث في مجال التعاطف في جامعة ستانفورد، كاليفورنيا- إنه يفكر "بالكثير من أشكال الفن المختلفة بوصفها معسكرَ تدريب على التعاطف"، وإنه "إذا رأيتَ لوحة تصوّر شخصًا يُجلد بالسوط، أو أشخاصًا يبكون بكاء شديدًا، فإنك عندها تتبنّى تلك الحالة".

الزعم العام هنا هو أن قراءة الأدب ومشاهدة الأفلام والعروض المسرحية تجعلنا نتدرب على التعاطف: فنحن نضع أنفسنا في مكان الآخر - غالبًا في مكان آخرين مختلفين جدًا عنّا- وهذا الانتقال يؤنسن الآخر. يوافق الفيلسوف ريتشارد رورتي على تلك الفكرة. وفي كتابه "طوارئ، مفارقة ساخرة، وتضامن" (1989)، يشير رورتي إلى كتب تتناول موضوع الظلم - "كوخ العم توم" لـِ هارييت بيتشر ستاو (1852)، و"البؤساء" لـِ فيكتور هوجو (1862)- ويقترح أن القرّاء، من خلال التعرف على الآثار المدمرة للقسوة، سيصبحون أقل قسوة في سلوكهم الخاص. ويقال إن الرئيس أبراهام لينكولن قال لبيتشر ستاو عندما قابلها عام 1862: "أنتِ هي إذًا المرأة الصغيرة التي كتبت الكتاب الذي سبّب هذه الحرب الكبيرة". وسواء كانت هذه القصة حدثت بالفعل أم لا، وذاك موضع جدل، فإنها تلتقط على نحو جيد الاعتقاد القائل بأن الأدب يستطيع تغيير العقول والتصرفات.

يشير رورتي إلى كتب تتناول موضوع الظلم - "كوخ العم توم" و"البؤساء".  ويقترح أن القرّاء، من خلال التعرف على الآثار المدمرة للقسوة، سيصبحون أقل قسوة في سلوكهم الخاص


إذًا، يبدو الاعتقاد بأن قراءة الأدب تجعلنا أناسًا أفضل، وأكثر تعاطفًا، اعتقادًا صحيحًا. فجميعنا نعرف من تجربتنا الشخصية أننا كثيرًا ما نتعاطف تعاطفًا شديدًا مع شخصيات خيالية. لكن السؤال هو فيما إذا كان الفن يستطيع تغيير مواقفنا وسلوكنا بعد أن نغلق صفحات الرواية أو نغادر المسرح، جاعلًا إيانا نتصرف على نحو أكثر تعاطفًا ورأفة تجاه الآخرين، أم أننا حين نغادر العالم التخييلي، نشعر أننا أدّينا واجباتنا التعاطفية؟

بالمشاركة مع رويان زينغ، طالب جامعي مع مرتبة الشرف في جامعة بوسطن، أنجزتُ مؤخرًا دراسة (غير منشورة) تقدم بعض الأدلة للزعم القائل بأن الحكايات التي تتحدث عن المعاناة تزيد التعاطف، ولا تستنفده. وقد اشترك معنا 114 طالبًا في "دراسة حول تأثير القراءة". في واحدة من الحالات، قرأ المشاركون رواية "عزيزتي أميركا: ملاحظات مواطن بلا وثائق" (2018) لـِـ جوزيه أنطونيو فارغاس. وتروي هذه المذكرات كيف أُرسل المؤلف، وهو بعدُ طفل، من الفيليبين ليعيش مع أقاربه في الولايات المتحدة على أمل إيجاد حياة أفضل؛ بالإضافة إلى أزمة الهوية التي عانى منها المؤلف بعد أن اكتشف أنه مهاجر غير مسجّل بوثائق. أما في الحالة الأخرى من التجربة، فقد قرأ المشاركون معلومات حقيقية عن معاناة المهاجرين بلا وثائق في الولايات المتحدة.

قبل القراءة، ملأ جميع المشاركين استبيانًا من ثمانية بنود من أجل سبر مواقفهم تجاه المهاجرين غير المسجلين بوثائق. وتضمن الاستبيان، على سبيل المثال، سؤال المشاركين عن درجة موافقتهم (على مقياس من خمس درجات) على عبارات مثل:

الشباب البالغون الذين أُحضروا إلى الولايات المتحدة وهم أطفال من دون أوراق يجب أن تتم إعادتهم إلى بلدهم الأم، لكي ينتظروا في الدور ويرجعوا بشكل قانوني، وذلك بغضّ النظر عن الظروف في بلادهم، أو عن الوقت الذي يستغرقه هذا الإجراء.

غالبًا، العائلات التي أحضرت أطفالها إلى الولايات المتحدة من دون وضع قانوني معترف به ليس لديها أيّ خيار آخر، لأنها هاربة من عنف شديد، ورعب وجوع.

نتج عن إجابات هذه الأسئلة ما يمكن أن ندعوه "مقياس موقف" لكلّ فرد. وقد أعاد المشاركون ملء الاستبيان ذاته بعد القراءة مباشرة، ثم مرة أخرى بعد مضيّ شهر.

قبل القراءة، لم تكن هنالك أي فروق في المواقف بين المجموعتين. لكنْ، بعد القراءة مباشرة، أظهرت المجموعة التي قرأت المذكرات الأدبية زيادةً ذات دلالة إحصائيًا في تأييد سياسات متعاطفة ورحيمة تجاه المهاجرين الذين لا يحملون وثائق، في حين بقيت مواقف المجموعة التي قرأت المعلومات من دون أيّ تغيير. أمّا بعد مضي شهر، فقد سجّلنا انتكاسة: بدأت مواقف مجموعة المذكرات بالعودة إلى حيث كانت في البداية، جاعلة الفروق بين المجموعتين غير كبيرة.

غير أن مثل هذا التراجع بعد مضيّ شهر، مع تدخل عامل يشمل قراءة واحدة فقط، ليس مفاجئًا جدًا. فمن الصعب جدًا تغيير مواقف البشر، ومن السذاجة التفكير بأن قراءة واحدة تستطيع أن تُحدث تغييرًا راسخًا. غير أن قراءات عديدة (وربما مناقشات عن تلك القراءات أيضًا) من المرجح أكثر أن تؤدي إلى تغيير دائم. وهنالك أيضًا مسألة أخرى: تقريبًا كلّ المشاركين في هذه الدراسة بدأوا التجربة بمواقف إيجابية إزاء المهاجرين غير المسجلين بوثائق. غير أنّ المشاركين في مجموعة المذكرات أصبحوا أكثر إيجابية وحسب. لكن السؤال هنا: هل كنا لنتمكن من تغيير مواقف الناس الذين كانت لهم، قبل القراءة، مواقف سلبية للغاية؟ يبقى هذا من الأمور التي لم تتضح بعد. وعلى الرغم من أننا باشرنا بالفعل العمل على تلك الدراسة، إلا أن إثبات مثل ذلك التغيير سيكون بالتأكيد أكثر صعوبة.

إذًا، قد ينجح التعاطف في جعلنا أكثر رأفة، لكنه قد يفعل العكس أيضًا. يحذّر بلوم من أن معرفة ما يشعر به شخص آخر يمكّن بعض الناس أيضًا من معرفة كيف يجعلونه يعاني. كما أنه كثيرًا ما يجري تذكيرنا بأن بعضًا من أكثر النازيين فظاعة أحبوا الفن، الأدب، والموسيقى. بالتالي، وبينما يمكن للانكباب على الفن أن يزيد تعاطفنا وسلوكنا الرؤوف، ليس هنالك ما يضمن أنه سيفعل ذلك. وينبغي علينا أن نقاوم التفكير القائم على الأمنيات فيما يخص الفنون ما لم تكن لدينا الأدلة اللازمة لإثبات الادعاءات الوردية.

بالنتيجة، نحن منجذبون للفن لأسباب عدة، لكن أحد الأسباب الوجيهة على وجه الخصوص هو اختبار الشعور بأننا نشارك عقل فنان عظيم. وإذا ما استُبعِد هذا الاحتمال، بإخبارنا أن مساعدًا رسم العمل الفني، أو مزورًا، أو آلة تعليم عميق، فسنشعر بخيبة أمل، أو حتى بالغضب. أما فيما يخص آثار الانكباب على الفنون، فإن لصنع الفن آثارًا إيجابية على مزاجنا، في حين تتيح لنا مشاهدة الفن أن نتعامل مع المشاعر السلبية بطريقة حمائية، وتجعلنا نختبر الشعور المُستثار على نحو ممتع. لكن، فيما إذا كان التعاطف الذي نشعر به تجاه الفنان - لنقلْ تجاه رامبرانت كرجل عجوز، أو الذي نشعر به تجاه الشخصيات في حكاية- يغيّر سلوكنا حقًا بعد أن نغادر عالم المتحف أو الرواية أو الفيلم أو المسرحية، فتلك أسئلة لم تتم الإجابة عليها بعد.

*****


إلين وينر: عالمة نفس، وأستاذة في علم النفس في كليّة بوسطن في الولايات المتحدة. متخصصة في علم نفس الفن. نالت درجة الدكتوراه في علم النفس التنموي من جامعة هارفرد عام 1978. باحثة مشاركة في مشروع زيرو (Project Zero) الذي يُجري دراسات حول الفنون، تعلّمها، وكيفية اختبار وتلقّي الناس لها. تدير مختبر الفنون والعقل Arts and Mind Lab في هارفرد الذي يدرس إدراك الفنون عند الأطفال والبالغين. لها أكثر من مئتي مقالة والعديد من الكتب منها: "عوالم مبتكرة: علم نفس الفنون" (1982)، "أطفال موهوبون: أساطير وحقائق" (1996)، "كيف يعمل الفن: استكشافٌ نفسيّ" (2018). نالت جائزة رودولف آرنهايم للبحث المتميز عام 2000.


رابط النص الأصلي:

https://aeon.co/essays/works-of-art-compel-our-attention-but-can-they-change-us

 

ترجمة: سارة حبيب.

 

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.