}

"في يومٍ من الأيام...": عن الإبادة الجماعية في غزة

فخري صالح 2 أكتوبر 2025
تغطيات "في يومٍ من الأيام...": عن الإبادة الجماعية في غزة
عمر العقاد وكتابه "في يوم من الأيام"

"من أجل الحفاظ على قيم العالم المتحضر، من الضروري إحراقُ مكتبة، تفجيرُ مسجد، حرقُ أشجار الزيتون، أن تلبس ملابس النساء الداخلية، اللاتي هربن، وتأخذ صورًا لنفسك، بتلك الملابس، أن لا تبقي حجرًا على حجر في الجامعات، أن تسرق المجوهرات، والأعمال الفنية، والبنوك، والطعام، أن تعتقل الأطفال لأنهم يقطفون الخضار من الحقول، أن تطلق النار على الأطفال لأنهم يقذفون الحجارة، أن تجبر من تعتقلهم على المشي في طابور، وهم بملابسهم الداخلية، أن تكسر أسنان رجل، وتولج فرشاة المرحاض في فمه، أن تطلق الكلاب المدربة على القتل في الحروب على شخص مصاب بمتلازمة داون، ثم تتركه يموت. إن لم تفعل ذلك، فإن العالم غير المتحضِّر سينتصر". (عمر العقاد، "في يوم من الأيام..."، ص: 77).
في كتابه الأخير، الذي يمزج بين سيرته، ككاتب وصحافي، وروائي، ومهاجر إلى بلاد الغرب (كندا أولًا، ثم أميركا)، يحاول المصري عمر العقاد أن يكشف عن تواطؤ العالم الغربي (رجال السياسة ونساؤها، ومؤسسات الدولة العميقة، والإعلام... إلخ ما يسميه الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير "أدوات الدولة الأيديولوجية") في عملية الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، وسعي مؤسسات وأفراد ومنظمات، في تلك المنطقة من العالم، إلى طمس الحقيقة، والتقليل من شأن ما يحدث، لحماية إسرائيل من عواقب المذبحة والأعمال الوحشية التي تقوم بها في أصغر بقعة من بقاع العالم، وأكثرها اكتظاظًا بالسكان.
وللتعبير عن رعبه مما يحدث، وتُسجِّله الهواتف المحمولة، لحظةً بلحظة، فيشاهد البشر، في كل أنحاء العالم، أهلَ غزة وهم يوثِّقون، ربما، اللحظات الأخيرة لهم، على هذه الأرض، يضع العقاد لكتابه عنوانًا طويلًا صادمًا: "في يوم من الأيام، وعندما نكون آمنين، لا يمنعنا الهوى والمصالح الشخصية من أن نسميَّ الأشياء بأسمائها، عندما يكون الوقت متأخرًا لاتهام أحد، فإننا جميعًا سنشعر على الدوام بأننا ضد ما حدث". One day,…. Everyone will have always been against this (أنظر الهامش أدناه). ومن الواضح من هذا العنوان الطويل، غير المألوف، الذي يشبه المانيفستو الاحتجاجي، على المذبحة المستمرة في غزة، أنه يسعى إلى نقل الصدمة العميقة، التي يشعر بها المؤلف، إلى قارئه، من اللحظة الأولى التي يمسك فيها القارئ الكتاب. فثمَّة حدثٌ جلل، وعلينا أن نشعر حياله بالغضب والشجب. وهذا ما يقوم به عمر العقاد، على مدار صفحات الكتاب.
يبدأ المؤلف كتابه من مشهد الطفلة الفلسطينية، التي سألت مسعفيها (وهم يسحبونها من تحت الأنقاض، التي تسبب بها القصف الوحشي الإسرائيلي لغزة، بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023) إن كانوا يأخذونها إلى القبر. هذه المحادثة الرهيبة، والصدمة المروعة للطفلة الصغيرة التي ظنت أنها ميتة، تشكِّل خلفية الكتاب. ورغم أن عمر العقاد يشير، في مطالع الفصول، أو في متن الكتاب، إلى حكايات أطفال، ونساء، وشيوخ، ممن سحقتهم الآلة العسكرية الإسرائيلية، أو أُعدموا بدم بارد (هند رجب وعائلتها)، أو فقدوا أعزاء على قلوبهم، ولم يعثروا تحت الردم إلا على يدٍ أو قدم أو رأس، من أجساد أحبابهم، إلا أن حكاية تلك الطفلة تمثل رمز المأساة، وفي الوقت نفسه الحقيقة التي لا يمكن نكرانها في هذه المذبحة المستمرة. ما ينقله المؤلف، عن بعد، ومن الأخبار التي يتابعها (عبر وسائط التواصل الاجتماعي، والبث المباشر للمذبحة، بكاميرات وأصوات صحافيين ومراسلين فلسطينيين، يُقتلون تباعًا، وعبر شاشات الهواتف المحمولة لأهل غزة، الذين يسجلون وقائع موتهم المعلن)، يضيء مشهدَ حقول القتل في غزة. لكنه، في الوقت نفسه، يضيء مشهدَ السياسة، وشبكة المصالح، والتواطؤ، والمنظومات التي تعمل للتغطية على جريمة العصر، التي يُمحى فيها شعبٌ من الوجود، بينما تُبثُّ عملية المحو المنظم، على الشاشات، لحظة بلحظة.





وحسب عمر العقاد، فإن الدم لا يلطخ أيدي الإسرائيليين، وحدهم، بل يلطخ أيدي كثيرين، وعلى رأسهم المسؤولون في الغرب، ممن يزودون إسرائيل بأعتى أنواع الأسلحة، ويدعمونها سياسيًّا، ويحمونها من عواقب ما تفعله. "خلف الأسوار العالية، والأسلاك الشائكة، والحواجز ونقاط التفتيش، التي تنتشر في كل أرجاء المكان، تقيم الإمبراطورية خلف حصنها، هذه الإمبراطورية تنام وادعةً داخل شرنقة اللغة. اللغةُ التي ترى من خلال عدستها، التي تشوه الصور، أن البنايات لا يجري تدميرها، بل تحترق من تلقاء نفسها". تقول هذه اللغة: "صحيح، ما يحدث مأساوي، ولكنه ضروري. فالبديل هو البربرية. البديل للعدد الذي لا يحصى من القتلى والمشوهين والأيتام، ومن أصبحوا في العراء، من دون مدرسة، أو مستشفى، ومن يصرخون من تحت الردم، والجثث التي تنهشها الطيور الجارحة والكلاب، والأطفال حديثي الولادة، الذين يصرخون، من دون أن يجدوا من يجيب صرخاتهم، هو البربرية" (ص: 5).
هكذا صنع المجرم بنيامين نتنياهو سرديَّة إسرائيل، بعد السابع من أكتوبر 2023، فاصطف وراءه الغرب، وصدَّق أكاذيبه، عن النساء المغتصبات، والأطفال حديثي الولادة الذين تمَّ حرقهم في الأفران "إن لم تساعدوا إسرائيل في حربها على الفلسطينيين، فسوف يصل البرابرة إلى عتبات بيوتكم. نحن خط الدفاع الأول عن حضارة الغرب في وجه بربرية الشرق". الخطاب الاستشراقيُّ نفسه، وسرديَّةُ محاربة الإرهاب، التي رفعها نتنياهو، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يصعد نجمه في عالم السياسة. وبغضِّ النظر عن كون الساسة، والمسؤولين في الغرب، يأخذون أكاذيب نتنياهو على محمل الجد، أو أنهم يعرفون أنها مجرد بلاغة عتيقة تستخدم لتبرير الجرائم التي يرتكبها جيشه كلَّ يوم، فإن السياسة العملية، والسلوك الحقيقي لساسة الغرب، تقول بالسماح للمقتلة بأن تستمر.
يستعين عمر العقاد بعمله الصحافي، والمهمات التي تمَّ تكليفه بتغطيتها، في حروب الغرب الإمبراطورية، خلال العقدين الأخيرين (من احتلال أفغانستان، والحرب على العراق، ومعتقل غوانتانامو... إلخ)، لكي يكشف عن التواطؤ، عبر سلوك السياسيين، وتصريحاتهم، والتغطية الصحافية للإعلام السائر، والسعي إلى قولبة الرأي العام في الغرب، وتضليل الجمهور، بحيث يبدو ما يحصل في غزة كأنه حربٌ تجري بين فريقين متكافئين. يتجنَّب السياسيون، وكذلك عددٌ لا يحصى من الإعلاميين، تسميةَ الأشياء بأسمائها، فيتمُّ تحريف المعاني، وتستخدم اللغة بطريقة تجعل "ما يجري" في حاجة إلى التمحيص والتدقيق، وتصوير ما يحدث بأنه "معقد"، ويصعب الحكم عليه. هكذا تبدو كلمة مثل "الإبادة الجماعية/ Genocide"، التي يشهدها الناس على الشاشات، ويلهج بها ساسة إسرائيل كلَّ يوم: "اقضوا على البرابرة/Exterminate the Brutes" (كما يرد في رواية جوزيف كونراد "قلب الظلام")، وتكتبها حاكمة ولاية ألاسكا السابقة، والمرشحة لمنصب نائب الرئيس في الولايات المتحدة عام 2009،  سارة بالين/ Sarah Palin على صاروخ إسرائيلي ذاهب لقتل الناس في غزة: "أنهوهم عن بكرة أبيهم/ Finish them All"؛ تبدو هذه الكلمة قاسيةً، ولا تصور الحقيقة. فعلينا، إذًا، أن نتحقق من تعريف الإبادة الجماعية!
هكذا يبدو الغرب أكثر انكشافًا من أي وقت مضى: متواطئًا، بصورة من الصور، وبدرجات متفاوتة، ومساعدًا في استمرار المذبحة، رغم كلِّ الكلام الكثير، والحبر الكثير، الذي سال، ليصف ما يحدث بأنه مأساة. لقد تهاوت منظومات القيم، والقوانين الدولية (التي صاغتها العقول الغربية)، ومبادئ حقوق الإنسان، والاتفاقات والمواثيق الدولية (التي صدَّقت عليها الحكومات الغربية)، والمحاكم الخاصة بالعدل الدولي ومعاقبة الجرائم الجماعية (مثل الإبادة الجماعية)، عند امتحانها في هذه المقتلة المستمرة، التي ترتكبها إسرائيل (وهي سليلة الغرب وحصنه المتقدم، ومشروعه الإمبريالي في بلاد العرب والمسلمين). لكن سقوط هذه القيم، وتشقق النظام العالمي، وتحويل العالم إلى غابة، سينعكس، من دون أي شكٍّ، على الغرب، الذي مكَّن هذه الإبادة الجماعية من الحدوث. سيأتي يومٌ وتدقُّ الوحوشُ الكاسرة على أبواب الغرب، لأنه سمح بانهيار منظومة القيم التي بناها، وسمح بسقوطها لحماية دولة مارقة، مثل إسرائيل. فكلُّ شيء أصبح ممكنًا، في السياسة الدولية، من الآن فصاعدًا. فما سمح الغربُ لإسرائيل بفعله، ربما يفعله آخرون للغرب. وهكذا يتحوَّل العالم إلى غابة. وهو أمرٌ نشهد علاماته، ونذره، في حقبة دونالد ترامب الثانية: تهديد الدول، وحتى الحليف منها بالقوة: القوة الغاشمة؛ وبثُّ الفوضى في السياسة والعلاقات الدولية، والنظرُ إلى السياسة بوصفها حقلًا للمساومات التجارية الخشنة، والدوسُ على القيم، والمعايير، والقوانين. إن العالم القديم، الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، يتهاوى. وليست هنالك بارقةُ أملٍ في مجيء عالم أفضل بعده. لقد دشّنت إسرائيل زمن المذبحة، وصادقت إدارة ترامب، ومن قبلها إدارة جو بايدن، على مشروعية هذه المذبحة، وهي حلقةٌ في سلسلة مستمرة من المذابح التي تعرَّض لها الشعب الفلسطيني، عبر مائة عام.

هامش:
Omar ElAkkad, One day,…. Everyone will have always been against this. CanonGate, Edinburgh, 2025.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.