لطالما أثارت المفاهيم العلمية والتقنيات الهندسية الجديدة الإعجاب والخوف في الوقت ذاته، وليس مِنْ شكّ في أنها ستستمر في إثارة هذا المزيج المثير من الإعجاب والخوف. أعلنت شركة OpenAI مؤخرًا أنّها تتوقّع مَقْدَمَ "الذكاء الفائق/ Superintelligence"، أي ذكاء اصطناعي يفوق القدرات البشرية، خلال هذا العقد (العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، المترجمة). وتأسيسًا على تلك التوقّعات فقد شكّلت الشركة فريقًا جديدًا، كما خصّصت 20% من مواردها الحاسوبية لضمان توافق سلوك أنظمة الذكاء الاصطناعي الفائق هذه مع القيم الإنسانية.
يبدو أنّ القيّمين على أمر الشركة لا يريدون أن تشنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي الفائقة المارقة حربًا على البشرية، كما في فيلم الخيال العلمي المثير "المُدمّر/The Terminator" للمخرج جيمس كاميرون عام 1984 (من المثير للريبة أنّ أرنولد شوارزنيغر، الذي يلعب دور المدمر في الفيلم السينمائي، يُرسَلُ عبر الزمن إلى الوراء ابتداءً من عام 2029). تدعو شركة OpenAI كبار الباحثين والمهندسين في مجال التعلم الآلي/ Machine Learning لمساعدتها في معالجة هذه المعضلة التقنية.
ولكن هل يُمكن للفلاسفة أن يُساهموا بشيء ما في هذا الميدان؟ وبشكل أعم: ما الذي يُمكن توقّعُهُ من هذا التخصص العريق (الفلسفة) في عصر التقدم التقني الجديد الناشئ: الذكاء الاصطناعي؟
للإجابة على هذا السؤال، من المناسب الإشارةُ إلى أنّ الفلسفة كانت ركيزةً أساسيةً للذكاء الاصطناعي منذ نشأته. من أوائل قصص نجاح الذكاء الاصطناعي برنامجٌ حاسوبيٌّ أُطلِقَ عليه اسمُ "مُنظّر المنطق/ The Logic Theorist" عام 1956، ابتكره ألِن نيويل/ Allen Newell، وهربرت سيمون/ Herbert Simon، وتمثّلت مهمّته في إثبات النظريات باستخدام فرضيات من كتاب "مبادئ الرياضيات"/ Principia Mathematica، وهو عملٌ من ثلاثة مجلدات نُشِر عام 1910 للفيلسوفين ألفريد نورث وايتهيد/ Alfred North Whitehead/ وبرتراند راسل/ Bertrand Russell، بهدف إعادة بناء الرياضيات على أساس منطقي واحد.
في الواقع، يعود التركيز المبكر على المنطق في الذكاء الاصطناعي إلى حدّ كبير إلى النقاشات التأسيسية التي خاضها العلماء الرياضيّاتيون والفلاسفة. كانت إحدى الخطوات المهمة في هذا المسار هي تطوير الفيلسوف الألماني غوتلوب فريغه/ Gottlob Frege للمنطق الحديث في أواخر القرن التاسع عشر؛ فقد أدخل فريغه استخدام المتغيرات القابلة للقياس الكمي/ Quantifiable Variables، بدلًا من الأشياء كالأشخاص، في المنطق. هذا الاستخدامُ مكّن فريغه من القول ليس فقط، على سبيل المثال المُشَخّص، "جو بايدن هو الرئيس"، ولكن أيضًا من التعبير بشكل منهجي عن أفكار عامة مثل "يوجد X حيث X هو رئيس". هنا "يوجد" هي كمية، و"X" هو متغير.
من المساهمين المهمّين الآخرين في ثلاثينيات القرن العشرين، المنطقي النمساوي المولد كورت غودل/ Kurt Gödel، الذي تدور نظرياته في الاكتمال/ completeness، وعدم الاكتمال/ incompleteness حول حدود ما يمكن إثباته. ثمّة أيضًا "برهان عدم قابلية تعريف الحقيقة/ proof of the indefinability of truth" للمنطقي البولندي ألفريد تارسكي/ Alfred Tarski. أظهر هذا الأخير أنّ "الحقيقة/ Truth" في أي نظام شكلي معياري لا يمكن تعريفها ضمن هذا النظام تحديدًا. وبالتالي، لا يمكن تعريف الحقيقة الحسابية، على سبيل المثال، ضمن نظام الحساب.
وأخيرًا، استفاد المفهوم المجرد لآلة الحوسبة الذي طرحه الرائد البريطاني آلان تورنغ/ Alan Turing عام 1936 من هذا التطور، وكان له تأثيرٌ كبيرٌ على الصياغة المبكّرة لطبيعة ومفهوم الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يمكن القول حتى لو كان هذا الذكاء الاصطناعي الرمزي القديم الجيد مدينًا للفلسفة والمنطق رفيعَيْ المستوى، فإنّ "الموجة الثانية" من الذكاء الاصطناعي، القائم على التعلّم العميق/ Deep Learning، تستمدُّ قدرتها ــ أكثر ممّا فعلت الموجة الأولى ــ من الإنجازات الهندسية الملموسة المرتبطة بمعالجة كميات هائلة من البيانات.
ومع ذلك، لعبت الفلسفة دورًا هنا أيضًا لا يمكنُ التغافل عنه. لنأخذ نماذج لغوية ضخمة (التي تكتَبُ اختصارًا LLMs، المُترجمة)، مثل تلك التي تُشغّل ChatGPT، والتي تُنتج نصوصًا حوارية. إنها نماذج هائلة، تحتوي على مليارات، بل تريليونات، من المَعْلَمات/ Parameters، مُدرّبة على مجموعات من البيانات الضخمة (عادةً ما تُشكّلُ جزءًا كبيرًا من شبكة الاتصال العالمية "الإنترنت"). لكنّ جوهرها (المقصود هو النماذج اللغوية الكبيرة، المترجمة) يكمن في تتبع واستغلال الأنماط الإحصائية لاستخدام اللغة. وقد عبّر الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين/ Ludwig Wittgenstein عن فكرة تُشبه هذه إلى حد كبير في منتصف القرن العشرين: "معنى الكلمة هو استخدامها في اللغة". هذا بعضُ ما كتبه فيتغنشتاين في مؤلّفاته.
لكنّ الفلسفة المعاصرة ــ وليس تاريخها فحسب ــ تُعدُّ ذات صلة بالذكاء الاصطناعي وتطوره. هل يُمكن للنماذج اللغوية الكبيرة فهمُ اللغة التي تُعالجها حقًا؟ هل يُمكنها بلوغُ الوعي؟ هذه أسئلة فلسفية عميقة بالتأكيد.
لم يتمكن العلم حتى الآن من بلوغ تفسير كامل لكيفية نشوء الوعي من خلايا الدماغ البشري؛ بل حتى أنّ بعض الفلاسفة يعتقدون أن هذه "مشكلة صعبة/ Hard Problem" تتجاوز نطاق العلم، وقد تتطلّبُ مساعدة الفلسفة.
على نحو مماثل، يمكننا التساؤلُ عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي المُولِّد للصور/ Image Generating AI قادرًا على أن يكون مبدعًا حقًا. تُجادل مارغريت بودن/ Margaret Boden، عالمة الإدراك البريطانية، وفيلسوفة الذكاء الاصطناعي، بأنّه على الرغم من قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج أفكار جديدة إلا أنّه سيواجه مشقّة في تقييمها كما يفعل المبدعون البشريون.
كما تتوقع أن بنية هجينة (عصبية رمزية) تجمع بين التقنيات المنطقية والتعلم العميق من البيانات هي وحدها القادرة على تحقيق الذكاء الاصطناعي العام AGI.
القيم الإنسانية
بالعودة إلى إعلان OpenAI، عندما طُرِح على ChatGPT سؤالُنا حول دور الفلسفة في عصر الذكاء الاصطناعي، أشار ChatGPT (من بين تفاصيل أخرى) إلى أنّ الذكاء الاصطناعي "يساعد على ضمان توافق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية".
ومن هذا المنطلق، ربما يُسمَحُ لنا باقتراح مفادُهُ إذا كانت مواءمة الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية هي القضية الأكثر تأثيرًا وحيوية، والتي تعتقد OpenAI أنها كذلك، فهي ليست محض مشكلة تقنية يجب على المهندسين أو شركات التقنية حلُّها، بل هي أيضًا مشكلة إجتماعية. سيتطلّبُ ذلك مساهمة من الفلاسفة، وكذلك علماء الاجتماع والمحامين وصانعي السياسات والمُستخدِمين من المواطنين، وغيرهم.
في الواقع، يشعر كثيرون بالقلق إزاء تنامي قوة ونفوذ شركات التقنية، وتأثيرها على الديمقراطية، ويجادل بعضهم بأنّنا في حاجة إلى طريقة تفكير جديدة كليًا بشأن الذكاء الاصطناعي، مع مراعاة الأنظمة الأساسية التي تدعم هذه الصناعة. على سبيل المثال، جادل المحامي والمؤلّف البريطاني جامي ساسكِند/ Jamie Susskind بأنّ الوقت قد حان لبناء "جمهورية رقمية/ Digital Republic" ــ جمهورية ترفض في نهاية المطاف النظام السياسي والاقتصادي ذاته الذي منح شركات التقنية هذا النفوذ الكبير، بحيث جعل منها إمبراطوريات تقنية ــ مالية.
وأخيرًا، دعونا نتساءل بإيجاز: كيف سيؤثّر الذكاء الاصطناعي على الفلسفة؟ في الواقع، يعود المنطق الصوري في الفلسفة إلى أعمال أرسطو في العصور القديمة. في القرن السابع عشر، اقترح الفيلسوف الألماني غوتفريد لايبنتز/Gottfried Leibniz أنّنا قد نمتلك يومًا ما "آلة حسابية منطقية/ Calculus Ratiocinator"، وهي آلة حاسبة من شأنها أن تساعدنا على استخلاص إجابات للأسئلة الفلسفية والعلمية بأسلوب شبه نبوئي. ربما بدأنا الآن ندرك هذه الرؤية، حيث يدعو بعض المؤلفين إلى "فلسفة احتسابية/ Computational Philosophy" تُشفّر الافتراضات حرفيًا، وتستخلص نتائجها، وهذا ما يسمح في نهاية المطاف بتقييم النتائج بناءً على الحقائق، و/ أو القيم.
على سبيل المثال، يُحاكي مشروع PolyGraphs آثار مشاركة المعلومات على وسائل التواصل الإجتماعي، ويمكن بعد ذلك استخدامُ هذا لمعالجة أسئلة حاسوبية حول كيفية تكوين آرائنا.
بالتأكيد، لقد منح التقدّمُ في مجال الذكاء الاصطناعي الفلاسفة مجالًا واسعًا للتفكير؛ بل ربّما بدأ يُقدّم بعض الإجابات.
إحالات:
(*) أنتوني غريلينغ/ Anthony Grayling: مؤلف وفيلسوف بريطاني ولد عام 1943. عمل أستاذًا للفلسفة في كلية بيركبيك ــ جامعة لندن حتى حزيران/ يونيو 2011، حيث كان يُدرس بها منذ عام 1991، وهو أيضًا زميل كلية سانت آن ــ جامعة أكسفورد. ألّف ما يربو على 30 كتابًا في الفلسفة، وهو عضو مجلس أمناء مكتبة لندن، وزميل الجمعية الملكية للأدب، وزميل الجمعية الملكية للفنون. اهتماماته الأكاديمية الرئيسية في الفلسفة هي نظرية المعرفة، والميتافيزيقيا، والمنطق الفلسفي.
(**) بريان بول/ Brian Ball: رئيس هيئة التدريس ومحاضر أول في الفلسفة في كلية العلوم الإنسانية الجديدة في جامعة نورث ويسترن الأميركية. حصل على بكالوريوس الآداب من جامعة ماكغيل مع مرتبة الشرف في الفلسفة، مع تخصص فرعي في اللغويات، ثم أكمل درجة البكالوريوس في الفلسفة في جامعة أكسفورد/ وحصل منها على الدكتوراه. عمل لاحقًا محاضرًا في الفلسفة في كلية سانت آن، ثم في كلية باليول في جامعة أكسفورد. انضم إلى كلية العلوم الإنسانية الجديدة عام 2013.
(***) الموضوع المترجم أعلاه منشور في موقع مجلّة The Conversation بتاريخ 1 آب/ أغسطس 2024. العنوان الأصلي للموضوع باللغة الإنكليزية هو:
Philosophy is Crucial in the Age of AI


تحميل المقال التالي...